قضايا وآراء

التفكير خارج الصندوق: يسار الوسط في تونس ورهانات المستقبل

عصام الدين الراجحي
1300x600
1300x600
وأنا أكتب هذه المقالة الموجهة كتقدير موقف، تستوقفني مقولات كثيرة حول ما تواجهه أحزاب يسار الوسط في جميع أنحاء أوروبا والعالم الغربي من تراجع. فحزب العمال البريطاني فقد حتى الآن أربعة انتخابات متتالية، وآخر فوز له يعود لعام 2005. وفي مكان آخر كان عام 2017 عاما كئيبا في الغالب بالنسبة إلى يسار الوسط، مع هزيمة قاسية لـحزب العمل (PvdA) في هولندا وتدمير شبه كامل للحزب الاشتراكي الفرنسي، ومرة أخرى تفوقت أنجيلا ميركل على الحزب الاشتراكي الديمقراطي في ألمانيا، وخسر وسط اليسار أيضا في النرويج وأستراليا والبرازيل في آخر تشريعيات مقابل صعود لليمين المتطرف الشعبوي.

على الرغم من السياقات المحلية والخاصة المختلفة، فإن الحقيقة التي لا يجب حجبها أن ممثلي الديمقراطية الاجتماعية في موقف ضعيف في عصر الليبرالية الجديدة، فقد تحول عدد من أحزاب يسار الوسط بعيدا عن قيمهم التاريخية وبعيدا عن جذورهم، وأصبحوا أحزاب "طريق ثالث مشوه"، بل وغير قابل للتمييز عن يمين الوسط في العديد من البلدان، وهو ما أسقط المنافسة بين يسار الوسط ويمينه.

وغير بعيد عن أوروبا، واجهت أحزاب يسار الوسط في تونس منذ الثورة تحولات عميقة أثرت في حضورها داخل المشهد السياسي، بتأثير من نتائج الاستحقاقات الانتخابية والأحداث الدراماتيكية، حين وجدت نفسها بين إعادة تشكل أو خوض عمليات انصهار أو السعي المتكرر لبناء جبهات وتحالفات بهدف أساسي "كي لا تندثر"، وإن نجح البعض في تجاوز حالة الضعف والتقدم في نتائج الانتخابات البلدية أو التشريعية الأخيرة مثل حزب التيار الديمقراطي، في حين ابتعدت أحزاب تاريخية كالتكتل والجمهوري وريث PDP وحركة الديمقراطيين الاشتراكيين عن لعب أدوارهم كفاعل رئيسي في المشهد، سواء في المعارضة أو الحكم والدخول تدريجيا في حالة عطالة.

تبدو الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية التونسية كتشكيلات سياسية فتية مؤمنة بخيارات الثورة ومطالبها، وتملك صورة مميزة في فضائها. وعلى الرغم من عدم وجود منافس في حالة قوة على يسارها أو على الأقل أنها المهيمن في احتلال المساحة على يسار رقعة الشطرنج السياسية، فقد أخفقت وأبانت حالة عطب وتقصير في إظهار المسألة الاجتماعية ضمن خطاباتها وبرامجها وخططها. فنحن اليوم أمام عائلة اجتماعية، لكنها غير قادرة على الالتحام بالأوساط الشعبية سوى بمقدار.. في حين يرى جزء كبير من الناخبين نبيل القروي نبيا للفقراء.

لن تكون ديباجتي إعلان يأس قاتل بنهاية مدرسة سياسية عريقة أعتبر نفسي ابنا وفيا لها، بل وما زلت أعتقد أن العنصر الأساسي في أي ديمقراطية قوية ومشروع حكم ناجح هو يسار وسط فعال. ولكن اعتقادي الراسخ أن الانتخابات التشريعية والرئاسية 2019 ومن ثم إسقاط حكومة السيد الياس الفخفاخ؛ هما جرس إنذار يوجب على الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية إجراء إصلاح جذري لـمنظوماتها، لتكون قادرة على الاستمرار وتلعب دورا نضاليا وأساسيا في مواجهة كيان يميني متغول وواقع سريع التغير، فلا يستطيع يسار الوسط الانتظار أكثر من ذلك. وإذا رفض التكيف، فسوف يصبح كمن عفا عليه الزمن، وستستغرق تونس وقتا أطول للتعافي من وضعها السياسي الحالي.

نعم يجب أن تخضع أحزابنا لتحولات عميقة، دون إنكار للقيم الأصلية أو نسيان النضالات التأسيسية، لتقترح برنامجا سياسيا مشتركا موثوقا به بديلا للنيوليبرالية واليمين الشعبوي، وإجراء تحليل حقيقي لنجاح الشعبوية دون الوقوع في إدانة أخلاقية عقيمة وذات نتائج عكسية.

قد يخالفني الكثير من أبناء العائلة انطلاقا من كون الديمقراطية الاجتماعية لا يمكن أن تقتصر فقط على الإخلاص للماضي، ويجب أن تتطور وتتقدم وتكوّن ديناميكية وتتكيف مع الحداثة والمجتمع المتغير، ولكن الجوهري في ظني ليس عن طريق تعديل قيمها، بل من خلال إعادة تعريف مصفوفاتها النظرية والبرنامجية، وتجاوز حالة القطيعة التي خلفها الفكر البرجوازي وما بعد الحداثة، وما يطرحه كبديل بالاكتفاء بلعب الدور الحقوقي أو العمل على قضايا جزئية بعقل غير سياسي، فهي دون السياسة بمقدار.

قطعا لا يمكن لأحزاب يسار الوسط إلا أن تلوم نفسها لعدم قدرتها على تجاوز القصور في الإدارة والقيادة (management/ leadership)، وترك مفهوم الحزب الكلاسيكي الموروث على الطبيعة لمصلحة مفهوم الحزب "المؤسسة"، وإضافة إلى عدم قدرتها على تغيير مشروعها السياسي بشكل عميق وعلى تطوير سرديتها فأحزابنا أطنبت في التكرار والمواعظ، ولم تعد تملك قصة ترويها لمجال الدعم (المتعاطفين والناخبين والمنخرطين ).

والقصة هي ما يحتاجها الجمهور، هذا الجمهور الذي لا يمكن إخفاء تآكله، خصوصا قواعد دعمنا التقليدية (الطبقة الوسطى). فتاريخيا كان ليسار الوسط مهمة أصلية لتمثيل الطبقة العاملة، وكانت الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية حاملة لمطالبها دون أن تكون دائما "أحزابا طبقية". وها هي الطبقة العاملة اليوم متروكة ومهددة في وضع اقتصادي واجتماعي وصحي خطير جدا.

نعم كنا النخبة التي تخاطب حرمان الجمهور واحتياجه؛ مخاطبة لفظية أبانت وللأسف فقرا في الرؤية وتكلسا تنظيميا، وتخبطا في مقاربة الواقع الاجتماعي والعجز عن توليد الأجوبة المناسبة.

سأقطع مع الإيقاظ المتردد للضمير الاجتماعي الديمقراطي لأجزم بأن الخطيئة الكبرى هي انفصال حياتنا السياسية عن تفاعلات الناس اليومية وهمومهم، وطرح المشاريع والبدائل الحقيقية، والتفكير في سياسات عمومية منصفة لإعادة توزيع ثروة وطنية تضامنية. هي ليست مشكلة جديدة، لكن تأبيدها هو مساهمة منا في إنجاح في ما يفتعله عرابو السياسة الزائفة والتوافق المغشوش والمقاولة البرلمانية؛ من ترذيل للمشهد وعبث متواصل يرتقي للجريمة المنظمة، أضف لذلك مواصلة خدمة مصالح حلفائهم من أرباب الاقتصاد الطفيلي وأصحاب سياسة الريع.

خلق الأمل وبناء مشاريع الحكم لا يكون منفصلا عن المشروع الفكري وقيمه، ومن دون رؤية سياسية- اجتماعية شاملة ولا عبر شراكات مزيفة، ولا بعيدا عن المجتمع والتعرف إلى مشكلاته الفعلية على نحو موضوعي وتفصيلي وعلمي، بعيدا عن العفوية والرومانسية المضخمة واستسهال عملية التغيير.

نحن بحاجة لإعادة فهم مركزية العمل السياسي وأخلاقياته، وما تكتسبه الأهداف التكتيكية من مشروعية ضمن بناء استراتيجي متكامل؛ تنتفي بغيابه لتتحول لمقامرة غير محسوبة العواقب.

أظن أننا في زخم "حالة الانطلاق"، والواجب لوضع حد لأزمة الوطن هو البدء في صياغة بيان جديد للديمقراطية الاجتماعية، وفق رؤية موحدة للعدالة البيئية والاجتماعية والقدرة على التعاون الوثيق بين مكونات العائلة، والتفكير في البناء السليم للحزب الاجتماعي الكبير انطلاقا من الرافعة التنظيمية الأكبر حاليا.
التعليقات (0)