سياسة دولية

قاعدة عسكرية و100 سد.. تحديات إثيوبية جديدة لمصر والسودان

وقعت موانئ دبي العالمية اتفاقا مبدئيا مع إثيوبيا لإقامة ممر تجارة يصل إلى إقليم أرض الصومال- جيتي
وقعت موانئ دبي العالمية اتفاقا مبدئيا مع إثيوبيا لإقامة ممر تجارة يصل إلى إقليم أرض الصومال- جيتي

تحديات إثيوبية جديدة تواصل وضعها أديس أبابا في طريق مصر والسودان، وأزمات تفرضها، وتهديدات تعلن عنها، في مقابل ردود رسمية ضعيفة من القاهرة والخرطوم.

والأربعاء، أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، دينا مفتي، عزم بلاده إنشاء قواعد عسكرية بالبحر الأحمر للسيطرة على المنطقة، دون تحديد موقع تلك القواعد، وبرغم أن إثيوبيا دولة حبيسة، ما يمثل تهديدا لمصالح مصر والسودان بالبحر الأحمر، وفق مراقبين.

والشهر الماضي، وقعت موانئ دبي العالمية اتفاقا مبدئيا مع إثيوبيا لإقامة ممر تجارة يصل إلى إقليم أرض الصومال، شبه المستقل، حيث تعمل موانئ دبي على تطوير ميناء بربرة هناك، ليكون بوابة رئيسية لتجارة إثيوبيا للعالم.

والثلاثاء، أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي، أبي أحمد، عن إنشاء بلاده 100 سد جديد على مجاري نهر النيل بإثيوبيا، ما اعتبرته القاهرة والخرطوم تحديا جديدا تفرضه أديس أبابا عليهما وخطرا عليهما مواجهته يضاف لأزمة سد النهضة.

وبشكل متواصل، تستمر التصريحات الإثيوبية المؤكدة على تحدى دولتي المصب، وتنفيذ الملء الثاني لحوض السد الإثيوبي، دون اتفاق، وسط عجز مصري سوداني عن توقف الإجراء الإثيوبي حتى الآن.

تلك التحديات التي تفرضها أديس أبابا على القاهرة والخرطوم تأتي وسط صمت إقليمي من دول القارة ومن الاتحاد الأفريقي، وتجاهل دولي لمخاطر التوجهات الإثيوبية على الإقليم.

"للاستهلاك المحلي"

وحول حجم التحديات التي تفرضها إثيوبيا على مصر والسودان وحقيقتها، وهل هي مجرد دعاية انتخابية أم حقائق يمكن لإثيوبيا فرضها على أرض الواقع كما نجحت في ملف السد الكبير، يرى مدير منتدى "شرق المتوسط للدراسات"، محمد حامد، أن التصريحات الإثيوبية حول بناء المئة سد، ليست موجهة لمصر والسودان".

الباحث السياسي، أكد بحديثه لـ"عربي21"، أنها "تصريحات للاستهلاك المحلي، وردا على ما تقوم به القاهرة والخرطوم طوال الوقت من تحركات بالإقليم".

وأشار إلى أن "مصر والسودان تلقفتا تلك التصريحات، وحذرتا من مخالفتها القانون الدولي، وأكدت أن هذا مجرى نهر دولي لا يجوز بناء سدود عليه دون التوافق مع الدول المشاطئة"، موضحا أن "إثيوبيا تدرك ذلك، لكنها تناور بأن هذه مياه إثيوبية، وأنه لا قيمة للحقوق التاريخية، وتخالف القانون الدولي".

وحول تصريحات بناء قاعدة عسكرية، قال حامد، إنه "تصريح يأتي في ظل حرص القاهرة على توقيع اتفاقيات عسكرية مع دول الجوار الإثيوبي، حيث وقعت مصر مع والسودان، وأوغندا، وبروندي، وكينيا، وجيبوتي، اتفاقيات بهدف إعادة توطيد علاقات الجيش المصري مع جيوش تلك الدول، ومحاصرة بذلك نفوذ أديس أبابا".

ويعتقد أن "الحديث الإثيوبي عن قاعدة بحرية لها بالبحر الأحمر، يأتي في ظل تحسن علاقتها مع إريتريا، وبعد 20 عاما من الصراع، لتصبح أسمرة الآن الحليف المهم، بعدما كانت جيبوتي الحليف الرئيسي لإثيوبيا، ولكن جيبوتي تنظر الآن بعين الريبة للتحالف الإثيوبي الإريتري".

وأشار الباحث المصري إلى أن "إثيوبيا في حيرة؛ أين تختار موقع القاعدة العسكرية، في جيبوتي أم إريتريا؟"، متوقعا أن تكون إريتريا، على الرغم من علاقات مصر الجيدة بأسمرة، مضيفا: "ويبقى الأمر مجرد كلام لم يصل إلى فعل خاصة، وأن إثيوبيا تمر بإضرابات عديدة وحرب مع إقليم تيجراي".

"عدو صريح"

رئيس تحرير جريدة "المساء" الأسبق‏ مؤمن الهباء، قال في حديثه لـ"عربي21": "أظن أن التحديات التي تفرضها إثيوبيا على مصر والسودان لم تعد خافية على أحد، ولم يعد خافيا أيضا من يقفون مع أديس أبابا ويدعمونها بالمال والسلاح  والنفوذ، وأيضا بالدعم اللوجستي".

وحول كيفية مواجهة مصر والسودان تلك التحديات الإثيوبية، يرى الهباء، أن "الوعي الشعبي المصري بهذه التحديات بلغ ذروته بعد التصعيد والتهديد المتوالي من جانب السلطات لأديس أبابا، والذي لا يتبعه إجراء على الأرض"، مشيرا إلى أنه "الآن صارت هناك أصوات مؤثرة تطالب بالمواجهة الحاسمة، قبل أن تصل الأمور إلى مرحلة لا يمكن التعامل معها".

ويعتقد الكاتب الصحفي، أنه "إزاء هذا الوعي الشعبي المتنامي والضاغط، تغيرت أشياء كثيرة في التوجهات والتحالفات السياسية للدولة؛ فما عادت للإمارات الحصانة ذاتها من النقد التي كانت لها من قبل".

ولفت إلى أن "هناك أصابع اتهام صريحة توجه إليها وإلى بن زايد شخصيا، صحيح أن الرسميين المصريين لا يفعلون ذلك، لكن الدوائر القريبة منهم تخرج منها تسريبات تؤكد التحول والتغير".

وألمح إلى أن "الرأي العام المصري ضاغط في اتجاه المواجهة الشاملة مع إثيوبيا وحلفائها ومسانديها، والمؤيدون والمعارضون ينادون بضرورة الحرب؛ حماية للنيل والمصالح التاريخية؛ كي لا تموت مصر عطشا".

وأكد أن "رد الفعل الرسمي لا يزال خجولا غامضا، وما يظهر منه لا يرضي حماس المصريين وتطلعهم، والبعض يتحدث عن خطط التمويه الاستراتيجي، ربما من باب التمني، وانتظار ما سيأتي".

وختم حديثه بالتأكيد على خطورة الموقف، قائلا إن "إثيوبيا صارت عدوا صريحا، وستكون شرعية الحكم في مصر مرتبطة بطريقة التعامل معها، إن آجلا أو عاجلا".

السياسي المصري عاطف عواد، أعرب عن أسفه الشديد من أن "مباحثات القاهرة وأديس أبابا ظلت عبثية وكحوار الطرشان؛ فمصر تتمسك بحقوقها التاريخية، وإثيوبيا تتمسك بطموحاتها المستقبلية، والدبلوماسية المصرية فشلت بحسم الملف، وإثيوبيا نجحت باستهلاك الوقت والتسويف ليصبح السد واقعا".

وفي حديثه لـ"عربي21"، أكد أن "مصر خسرت كثيرا من أوراق اللعبة، وأهمها مرجعية القانون الدولي؛ حيث كانت مصر تملك معاهدات دولية تعطيها حق الڤيتو حال إقامة أي سدود ومشروعات تمس حصة مصر".

وأضاف: "لكننا تخلينا عن تلك الورقة لصالح حسن النوايا غير المحسوب تجاه أبي أحمد، أسوأ رئيس وزراء عرفته إثيوبيا، والذي يعمل بالوكالة لصالح دول أخرى، وكان يمكن لطرفي الصراع الوصول لحلول وسط لولا وجود أبي أحمد بالسلطة".

البرلماني السابق، أشار أيضا إلى خسارة "مصر ورقة أخرى من أوراق اللعبة، وهي الجانب السوداني الذي تحلي بالسلبية بداية الأزمة، وعندما أفاق فات الوقت".

ويعتقد أنه ولذلك "فإن الاستمرار بالمفاوضات لن ينتج عنه سوى اكتمال الملء الثاني للسد، ورغم مرارة وصعوبة وتداعيات الحل العسكري أرى أنه لم يتبق من أوراق اللعبة بيد مصر والسودان سواه".

وردا على من يقول بأن الحل العسكري يمكن أن يدخل مصر بمواجهات ساخنة مع الدول أصحاب المصالح، والتي تعمل من وراء جدر، قال عواد، إن "الأمر أصبح وجودي، ومصر تعاني بالفعل شحا مائيا، وأي مساس بحصتها سيؤدي لكارثة إنسانية".

وأكد أنه "لو لم تجد إثيوبيا والعالم -الذي لا يفهم غير لغة القوة- غلظة من مصر، ستقوم إثيوبيا بمد الخط على استقامته، وتنفيذ طموحاتها غير المشروعة ببناء سدود أخرى".

وختم البرلماني السابق بالقول: "إننا أمام معركة حقيقية، بدأتها إثيوبيا بالاعتداء على حقنا في الحياة، وأي خيار عسكري مهما كانت عواقبه لن تكون أكثر من عواقب جفاف نيل مصر، التي هي بالأساس هبة النيل، وبغيره فنحن نغامر بحياة الأجيال القادمة".

 

"تحدي أكثر لمصر"

وفي رؤية سودانية، قال الباحث والمحلل السياسي السوداني عباس محمد صالح: "بكل تأكيد تشكل إثيوبيا تحديا حقيقا للسودان ومصر بخصوص ملف سد النهضة، حيث فشل البلدان في كسر هذا التحدي طوال سنوات التفاوض، بينما حافظت أديس أبابا على ثوابتها ومكاسبها في تعرجات ومنعطفات كبيرة".

وفي حديثه لـ"عربي21"، أضاف: "لكن، ما تعلنه إثيوبيا من مشاريع عسكرية وتنموية ضخمة يتعلق بتخطيطها للعب دور إقليمي والحفاظ على مكانتها الإقليمية؛ ليس بالضرورة يمكن أن يكون بمثابة تحدي للسودان ومصر".

وتابع: "مثل هذه المشاريع تعكس عٌرف متأصل درجت عليه الأنظمة، وهو تعبئة الشعب وراء مشروع وطني كبير، وهذا العُرف أكثر أهمية وإلحاحا الآن لما تمر به إثيوبيا من تحديات مهولة وغير مسبوقة، ويرى نظام أبي أحمد أنها قد تستغل من قوى تدخل معها بصراع كمصر والسودان".

ويعتقد صالح، أنه "ليست كافة السياسات الإثيوبية بالضرورة موجهة ضد البلدين غير المتحدتين بشكل ثابت تجاه إثيوبيا بكافة القضايا، ولكنه يرى أن "التحركات الإثيوبية لإنشاء قاعدة بحرية لها في جيبوتي هو تحدي لمصر أكثر منه للسودان".

وأوضح أن "إنشاء قاعدة بحرية لإثيوبيا على البحر الأحمر قضية سابقة للخلاف الراهن حول السد، حيث ظل هدف الوصول للبحر الأحمر هاجسا للنخبة الإثيوبية".

وحول إنشاء 100 سد جديد، يعتقد أنه "طموح رغبوي لا تسمح الإمكانيات والتكلفة المادية حاليا بتحقيقه لاسيما مع تكلفة سد النهضة الذي لم يكتمل بعد، ورسالة للداخل الإثيوبي فحسب".

 

التعليقات (1)
عبدالله المصري
الجمعة، 04-06-2021 04:12 م
اي تحديات عندما و السيس اقل من الصفر في مواجهة اثيوبيا بعد موافقته على بناء السد بل هو عامل مساعد و مطمئن فقد كانت اثيوببا مرعوبة من الرئيس مرسي رحمة الله عليه