مقالات مختارة

مقعد بجانب الشباك

جميل مطر
1300x600
1300x600

أراعي دائما عند السفر، وبخاصة الطويل نسبيا، أن يقع مقعدي على الممر. لا تختفي وراء هذا التفضيل مشكلة صحية، كما لا أشكو من معضلة نفسية تدفعني لتفادي صحبة الأغراب. كل ما هناك أنني أرتاح إلى مد كلتا الساقين أو إحداهما من حين إلى آخر فضلا عن الاستمتاع ولو نظريا بحرية لا تتوفر عادة لركاب المسافات الطويلة، وبخاصة لعشاق المقاعد المتاخمة للشبابيك. أقدر تماما تفضيلات هذا النوع من العشاق. شرح لي أحدهم بعض غوايات هذا العشق.

 

ذكر منها الرغبة في الانعزال عن جماعة مفروضة عليك. صحيح أن الجلوس بجانب الشباك لا يحميك تماما من فضول الآخرين ولكنه بالتأكيد يوفر لك أعذارا لتهتم بأشياء أخرى مثل المناظر الطبيعية ومنها منظر الصحراء الممتدة إلى أفق لا نهائي. أخطأت ذات مرة حين اتهمت منظر الصحراء الشاسعة بإثارة الملل. هوجم رأيي بنقد شديد لا يستحقه وعوقبت طوال رحلة بمنعي من تبادل حديث في أي موضوع آخر، خرجت من التجربة بدرس من أهم دروس السفر الطويل، ونصيحة أهديها لكل مسافر. اصبر حتى يبادر الآخر بالحديث. لن تعرف مسبقا طبيعة جارك في السفر وميوله ونواياه وعقيدته السياسية ولا تستهن بما يخبئه لك القدر في صحبة هذا الجار.. أو هذه الجارة.


•••


أرشدتني المضيفة إلى مقعدي ولم يفتني أنها ابتسمت للسيدة التي احتلت المقعد المجاور للشباك ابتسامة ذات مغزى، وإن كنت لم أفهم المغزى. فاجأتني ابتسامة أخرى استقبلتني بها هذه الجارة، جارة الساعات الطويلة القادمة إذ ليس من عادة السيدات في مجتمعاتنا المبادرة بتوجيه التحية إلى رجال هم ليسوا من الأقارب ولا الزملاء في العمل. قدرت جدا هذه التحية على أساس أن الرحلة الطويلة التي نحن بصدد الانطلاق فيها لا تختلف كثيرا عن مهمة عمل طويلة يتزامل فيها رجل وامرأة. أعترف بأن ردي على تحيتها لم يكن بتحية أحسن منها كما أوصتنا أدياننا. هل رأيت مسحة من خيبة أمل على وجه جارتي؟ ربما.

 

على كل حال لم أدقق ولم أنظر إلى تلك الناحية لانشغالي بترتيب جلستي حتى وصل إلينا صوت المضيفة مرة أخرى يعلن بدء الرحلة ويحمل لنا تمنيات قبطان الحافلة برحلة سعيدة. في هذه اللحظة تخيلت أنني سمعت صوتا آخر صادرا من ناحية الشباك، عدت إلى هناك ببصري لتقابلني في منتصف المسافة التي تفصل بين مقعدينا تمنيات بسلامة الوصول، هذه المرة ليست عبر مكبر صوت وإنما مباشرة من فم جارتي، فم بألوانه الأصلية وصوت مغلف بابتسامة أليفة.


•••


قالت بنبرة واضحة وإن هامسة، «تعالي نعقد أنا وأنت اتفاقا. المشوار طويل وكلانا حاجته شديدة لتمر مدة الرحلة بسرعة وبدون ملل. أقترح عليك مشروع اتفاق بنوده سرية وأولها أن نقضي الوقت نتكلم. ثانيا: لا قيود على موضوعات الكلام، ثالثا: الاستثناءات على ثانيا بسيطة ولكنها ضرورية منها ألا يتدخل أي منا في شأن داخلي من شئون الآخر، منها أيضا أن يتجنب طرفا الكلام بذل أي جهد أو محاولة خلال الكلام للتعرف بعمق على الآخر، وأقصد خلفيته وظروف نشأته وحالته الاجتماعية ووسائل الاتصال به بعد انتهاء الرحلة. رابعا: التسليم مسبقا بأن للكلام قدسية بمعنى أن ما نقوله هنا من باب الاعترافات أو التصريحات لا يجوز استخدامه في مسرح أو موقع آخر أو نسبته إلى صاحبه بأي درجة من الصراحة».


استطردت الجارة قائلة «من أجل بناء الثقة بين الطرفين أحب أن أعترف في البداية أنني تقصيت عنك فقيل فيك أنك محترم وهادئ الطبع ولم يعرف عنك تصرف شائن. أرجو ألا تغضب، ولكنك لا شك تقدر شكوك امرأة تقوم برحلة ليلية طويلة الأمد في حافلة عامة يستخدمها ركاب من كل صوب وأصل. بعد قليل سوف تطفأ معظم الأنوار وتهدأ الأصوات وتبقى الثقة بيننا صمام الأمان الوحيد».


•••


وجدت نفسي أرد عليها. كل شيء حولي يشجعني على الكلام، بالهمس طبعا. «تعرفين عني شيئا أو أشياء ولا أعرف عنك إلا أقل القليل، وما أعرفه هو ما يهمني وهو ما سوف أتعامل معه خلال الرحلة. يكفيني ما أعرف. أعرف عنك من حديثك القصير لسانا مدربا على الكلام المتقن والحريص. أعرف أيضا وجها بملامح قوية، عينان مشاركتان في كل كلمة نطقت بها، عينان لا تغفلان. أظنهما قرأتا بالدقة الممكنة كل تفاصيلي، حتى تلك التفاصيل التى اتفقنا على ألا نقترب منها أو نحاول كشفها.

 

معرفتك بتفاصيل رجالك يخيفهم، أليس كذلك؟ ومع ذلك أنت واحدة من النساء اللائي يثرن في الرجل مشاعر أخرى غير مألوفة وربما متناقضة، والسبب بسيط. لقد وضعت لكل علاقة قامت بينك وبين رجل ميثاق شرف مؤقت ينتهي العمل به بانتهاء العلاقة أو ببدء فتورها. وفي الغالب تختارين علاقات لا تطول، فهي إن طالت امتدت إليها يد الفساد والغدر. أشهد بأن كل الرجال الذين عرفتهم أو زاملتهم «أخافتهم» امرأة أو أخرى فى مرحلة أو أخرى من مراحل علاقتهم بالنساء. يقولون إن المرأة إن خانت لا يفضحها رجل ولكن الرجل إن خان فضحته كل النساء. أما إن سكتت عنه امرأة ولم تفضحه فيا ويله مما سوف يلقى من عذاب على يديها. عذاب يجعله يعود فيتوسل الفضيحة».


•••


دعتنى لمشاطرتها لوحا من الشوكولاتة رفيعة المستوى. «تعجبني طلاقة لسانك. أبشر النفس برحلة مثيرة وموفقة. سمعتك تبالغ في دور المرأة ونفوذها، يهمني أن لا تستنتج صفات لي وخصال من تلك التي أسبغتها على النساء عموما. أظن أنك تصورت أنني عرفتك قبل أن نلتقي على هذين المقعدين، كل ما فعلت هو أنني طلبت من مضيفة الباص التأكد من نوعية الشخص الذي سوف يجلس إلى جانبي في رحلتنا الطويلة. تأكدت لأنها تذكرت بأنك ركبت معهم في الأسبوع الماضي ولم تكن مشاغبا أو مثيرا للمتاعب.

 

الآن، وبعد حديثك المطول، أستطيع القول أنني صرت أعرفك أكثر. أعرف بعض تفاصيلك خاصة وأنك حاولت إخفاءها ببراعة. أعرف مثلا، أو أتصور، أنك تمردت على نساء كثيرات. وهذا معناه أنك عرفت الكثيرات أو عشت مناخات نسائية عديدة سواء في زمن طفولتك أو سنوات مراهقتك، أي وأنت تعيش داخل عائلتك وقبل خروجك إلى المجتمع. أنا أيضا عرفت رجالا كثيرين ولكني لم أنشأ في بيئة ذكورية. تعلمت قبل أن أتيقن، إن أحسن من عرفت من الرجال هم أولئك الذين نشأوا في بيئة نسائية. نشأوا حتى نضجوا في تربة حب شديدة الخصوبة. لا أقول أن الوجود الطاغي للذكور خصوصا في مرحلة النشأة يفسد خصوبة تربة الحب».


•••


استعدت الإمساك بدفة الحديث واستدرت لأواجه سطوة عينيها وثراء شفتيها وسيل كلماتها المنتقاة بعناية وذكاء. أردت أن أفعل مثلها، لا تسمع فقط ما أقول بل وتقرأه أيضا في عيناي وعلى شفتاي. كنت أمام معلمة كلام ولن أكون أقل. تعمدت الإيجاز المفيد. قلت: «أنا رجل. والرجل يبز غيره من الرجال بل ويبز نفسه إن واتته فرصة التحدث مع امرأة، لا أقول أي امرأة ولن أقول امرأة مثلك فانقض بندا في الميثاق الذي تعاهدنا عليه. أشعر بالإنجاز يتوجني أنا الذي في حقيقة الأمر لم يفعل شيئا أو يبذل جهدا يستحق عليه شرف أن يقضي الليلة معك. آسف، أقصد قضاء الليلة أو بعضها إلى جانبك نتبادل كلاما. لسنا وحدنا على أية حال فالحافلة مكتظة برجال أغلبهم غارق في سبات عميق. وبالتأكيد لا أحب أن أكون واحدا منهم، أرفض أن أكون فردا في قطيع».


•••


لم تقاطعني ولكني لمحت على شفتيها ما يشبه الرغبة.. في كلمة تقال. توقفت على الفور احتراما كعادتي دائما أمام رغبات من هذا النوع. نبهتني إلى أن في كلامي ما يستدعي نقاشا. قالت «انتصف الليل أو كاد وما غصنا بعد في أعماق تفكير كل منا. أشعر أنه لا يزال لديك ما تقول وأعرف بالتأكيد أن عندي ما أقول وهو كثير. اسمح لي أن اعترف أنني قد لا أقابل مثلك قريبا، وأعتقد أن الأساس الذي وضعناه معا خلال الساعات المبكرة من هذه الليلة الفريدة يجب أن يتحمل حوارات أطول».


بدون أي التزامات جديدة وفي ظل الميثاق نفسه وبعيدا عن أي تهيؤات أو خيالات أو مبالغات اسمح لي أن أقترح علينا أن نحدد الآن وفورا موعد العودة. نحجز المقعدين على الحافلة نفسها عن طريق المضيفة نفسها. لا.. لا، لن نتصل أحدنا بالآخر للتأكيد أو التأجيل أو الاعتذار. جاري العزيز.. أنا حقا أرغب في أن أراك مرة أخرى وأن نستأنف الحوار ملتزمين بالميثاق، لن نحاول، إلا من خلال نقاشاتنا، التعرف على تفاصيلنا وخصوصياتنا، لن تبحث عني إن غبت عنك، ولن أبحث عنك. تصبح على خير.

 

(عن صحيفة الشروق المصرية)

 
التعليقات (0)