أفكَار

كيف يؤرخ الإسلاميون لمسارهم؟ قراءة في الكتابة عن الذات

قراءة هادئة في تعامل الإسلاميين في عرض أفكارهم والتأريخ لها- (عربي21)
قراءة هادئة في تعامل الإسلاميين في عرض أفكارهم والتأريخ لها- (عربي21)

التأريخ الداخلي للتنظيمات، أو ما يسمى بالتأريخ الرسمي للحركات الإسلامية، يعتبر من الوثائق المهمة التي تعتمد في دراسة الحركات، ومعرفة الرواية التي يروجها التنظيم عن نفسه، وكيف يقرأ مساره، وما التأويل الذي يقدمه للأحداث ودوره فيها، وأحيانا المسؤولية التي يتحملها في عدد من الأخطاء التي يرتكبها. 

كما يسمح هذا النوع من التأريخ الرسمي المتعدد، بمعرفة التباينات بين قيادات هذا التنظيم، والخلافات التي تخترقه، والتقديرات المختلفة التي أنتجها قادة التنظيم في تفاعلهم مع الأحداث. وفي بعض الحالات، يكشف هذا النوع من التأريخ الذاتي، عن شروخ عميقة داخل التنظيم، ارتبطت أسبابها بأمزجة قيادات ونفسياتهم، أو بتقديرات سياسية متباينة، أو بخلافات عجزت القيادات عن تدبيرها ضمن سقف المنظومة الأخلاقية والأوعية التنظيمية.

بعض الباحثين، لا يعول كثيرا على هذه الروايات الرسمية الصادرة عن التنظيم أو أحد قادته، وربما يبخس من شأنها، ويعتبر أنها تقدم رواية مشبعة بتمجيد الذات، موغلة في الدفاع عن مواقف التنظيم وقياداته، محملة برؤية تآمرية اتجاه الآخر.

والواقع، أن هذه العيوب موجودة في الروايات الرسمية للتنظيم، لكن استحضارها مهم في بناء أي معرفة علمية بهذا التنظيمات.

بيان ذلك أن التأريخ الرسمي للتنظيمات ليس واحدا، فقد يكون متعددا، وهو ما يفيد في فرز الروايات واختبارها. وقراءة الأحداث في ضوء هذا التعدد مهم، لأنه يقدم صورة عن الدينامية الداخلية للتنظيم، ودور القيادات فيه، وينسف الأطروحات الطهرانية التي تميل إلى تصوير التنظيم كما ولو كان كلا منسجما.

ومع أن عددا من التنظيمات الحركية، بادرت-عبر قياداتها أو بعض مفكريها- إلى هذا النوع من التأريخ، إلا أن الرصيد المحصل من التواريخ والمذكرات والسير الذاتية التي تقدم الرواية الرسمية عن التنظيم، يبقى محدودا، ولا يفي بالغرض. 

بل  يمكن تسجيل نوع من التفاوت في دينامية التأريخ في التنظيمات الحركية، فبعض التنظيمات حاولت تقديم رواية تأريخية رسمية، مثل مذكرات الدعوة والداعية للإمام حسن البنا، وكتاب الحركة الإسلامية في السودان للشيخ حسن الترابي وكتاب من تاريخ الحركة الإسلامية في تونس للشيخ راشد الغنوشي، والإخوان المسلمون في سوريا لعدنان سعد الدين، وبعضها الآخر، تعددت مذكرات قياداته، التي حاولت تأطير مرحلة مهمة من تاريخ هذا التنظيم، مثل كتاب الشيخ عبد الحليم محمود عن الإخوان (الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ)، وبعضهم حاول من خلال سيرته الذاتية أن ينقل وجهة نظر أراد أن يسجلها للتاريخ، إما تعبر عن وجهة نظر فصيل من الفصائل (مثل النظام الخاص) أو تعبر عن مسار قيادة من القيادات في التنظيم، أو تستثمر السيرة الذاتية للدفاع عن موقف لأحد القيادات تم اتخاذه في سياق ملتبس.

وفي المقابل، ثمة تنظيمات حركية، أغفلت بالكامل التأريخ الرسمي لها، سواء من قبل قياداتها أو مفكريها، وأضحت بدون رواية رسمية. وبعضها الآخر، قام بعض مفكري التنظيم أو بعض المفكرين العاطفين على التجربة من خارج التنظيم، بجهد في التأريخ الشبيه بالرسمي، فغطى عددا من البياضات الممتدة في تاريخ التنظيم ومساره.

في تأريخ القادة المؤسسين

من اللافت للانتباه أن الإمام حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان، انتبه مبكرا إلى أهمية التأريخ لحركته، وحاول المساهمة في كتابة الرواية الرسمية للجماعة من خلال "مذكرات الدعوة والداعية"، ذلك الكتاب، الذي سلط الضوء على الحياة الحركية للإمام المرشد، لكن في الوقت ذاته، حاول تغطية تاريخ الجماعة، وذلك من النشأة إلى قرار الحل، مستعرضا سياق نشأتها الأولى، وأنشطتها التربوية والدعوية، وجزءا من تصورها التنظيمي، فضلا عن مواقفها السياسية.

وعلى الرغم من الطابع الرسمي لهذه الكتابة، والنفس المذكراتي الذي صيغت به، إلا أن الإمام حسن البنا حاول في كثير من الأحداث، أن يلتزم قدرا من الموضوعية، ويبتعد عن النفس المناقبي، مما لم يستطع كثير من أتباعه ممن عنوا بالتأريخ للجماعة أن يحذوا حذوه في ذلك.

مبادرة ثانية للتأريخ الرسمي للجماعة، جاءت من مؤسس حركة النهضة التونسية، الشيخ راشد الغنوشي، الذي حاول أن يتتبع منهج الإمام المرشد في الخلط بين السيرة الذاتية، وبين التأريخ للمنعطفات الحاسمة التي مرت بها حركته، إذ انطلق في كتابه التأريخي (من تاريخ الحركة الإسلامية في تونس) من مسار المؤسس من القرية إلى الزيتونة، ودور المؤلف في الأطوار التي عرفتها لحظة تأسيس الحركة، لينتقل بعد ذلك إلى سياق نشأة الحركة، وأهم الروافد الفكرية والحركية التي أثرت فيها، ثم يدخل بشكل مباشر في التطورات الحركية والسياسية، التي انخرطت فيها الحركة (تجربة الحركة مع بورقيبة، سياق التحول إلى حركة الاتجاه الإسلامي، انتخابات 1989 والدروس المستفادة منها).

 

التأريخ الرسمي للتنظيمات ليس واحدا، فقد يكون متعددا، وهو ما يفيد في فرز الروايات واختبارها. وقراءة الأحداث في ضوء هذا التعدد مهم، لأنه يقدم صورة عن الدينامية الداخلية للتنظيم، ودور القيادات فيه، وينسف الأطروحات الطهرانية التي تميل إلى تصوير التنظيم كما ولو كان كلا منسجما.

 



ويتضمن الكتاب جملة وثائق، حرص المؤلف أن يضعها في ملاحق الكتاب، حتى تسهم بدورها في التوثيق لمحطات رئيسة في تاريخ الحركة الإسلامية في تونس.

والملاحظ على هذا الكتاب، أنه لا ينضبط لأي نسق في التأليف، فهو يجمع بين السيرة الذاتية، وبين المقالة الفكرية التحليلية، وبين التوجيه الفكري، وبين التوثيق، وفي الغالب ما يتجنب المؤلف التأريخ بالمعنى الفني، الذي يعنى بترتيب الأحداث، وتقديم روايته فيها، وتقديم صورة عن تطور مسار الحركة ضمن سياق زمني مطرد.

ما يفسر ذلك، أن المؤلف لم يقصد بتأليفه للكتاب، التأريخ الرسمي بالحركة، بل جمع كل المقالات التي كتبها حول هذا التاريخ، وحاول نظمها في نفس هو أشبه ما يكون بالتأريخ الرسمي للحركة.

كتاب ثالث، ربما كان الأكثر تنسيقا وتنظيما في تقديم رواية تاريخية رسمية عن التنظيم الحركي، هو كتاب "الحركة الإسلامية في السودان"، الذي ألفه الشيخ حسن الترابي مؤسس التنظيم وزعيمه، محاولا فيه تغطية ثلاث أبعاد أساسية، تهم التاريخ (التطور)، والمنجز الذي حققته الحركة (الكسب) والتراكم المنهجي والفكري الذي خلفته الحركة (المنهج). وقد حاول فيه الشيخ حسن الترابي تقديم صورة عن حركته، من خلال رواية شخصية لمؤسس قيادي، عايش جميع محطات هذه الحركة، مصاغة بمنحى فكري تحليلي، يلبي حاجة الباحث لفهم الطريقة التي تقدم الحركة بها نفسها.

وقد حاول الكتاب في السياق التاريخي (التطور) أن يتعرض للأصول التاريخية للحركة، ويتوقف على معالم سيرتها وأطوار نشأتها، والنظام الذي التزمته (الهيكل التنظيمي)، كما تعرض لمختلف أنشطتها السرية والعلنية، الجماهيرية والنخبوية، الموجهة إلى مختلف شرائح المجتمع (الطلاب، النساء/ القطاع التقليدي، والقطاع الحديث، الجنوب)، التي أخذت شتى ألوان التكتيك السياسي (التعبئة السياسية، التحالف، المجاهدة، التعاون مع السلطة، المشاركة فيها)، ليخلص بعد ذلك إلى رصد بعض معالم كسبها ومنهجها الفكري.

الرواية المناقبية

وقد عرف الطور الثاني (تأريخ ما بعد القادة المؤسسين) نموذجا مختلفا، حاول تقديم رواية رسمية موغلة في الثناء على التنظيم، وذكر مناقبه، وتقديم صورة طهرانية عن قادته، بالتعرض إلى بعض مواقفهم المشرقة، كما حاول هذا النوع من التأريخ تجنب مواطن الخلاف، بحجة أن القصد من الكتابة هو التجميع لا التفريق والبناء لا الهدم.

ويمثل كتاب الشيخ عبد الحليم محمد (الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ) النموذج الأكثر تمثلا لهذا الصنف من الكتابات التأريخية الرسمية، إذ سار في كتابه على منهج الإمام حسن بالنا في الخلط بين السيرة الذاتية وبين تاريخ الجماعة، مع منحى تفصيلي في الأحداث التي عاشتها الجماعة، مركزا بشكل كبير على البعد السياسي في صراع الأنظمة ضد الجماعة، حيث تواتر في كتابته منهج "كشف المؤامرة" ضد الإخوان من طرف الآخر. ومع انه غامر في الدخول في التفاصيل الخلافية، التي تتعلق بالنظام الخاص أو بخلاف التأسيسية، إلا أنه تناول هذه القضايا بمنهج لقي رضا الطرفين، على حد تعبير الشيخ يوسف القرضاوي.

ويمكن أن نمثل لهذا النوع من التأريخ الرسمي أيضا، بكتاب عباس السيسي: "في قافلة الإخوان المسلمين" الذي نهج تقريبا نفس نهج الإمام المرشد في مذكراته، فبدأ بتأطير لحظة انضمامه إلى جماعة الإخوان في شعبة رشيد، ليجعل من ذلك منطلقه في سرد الأحداث والمحطات التي عاينها في تاريخ الجماعة، مركزا فيها على الأحداث الكبيرة، ومحاولا تسليط الضوء على الأدوار التي قام بها الإمام المرشد في قيادة الجماعة، ورسم خطها التربوي والدعوي والسياسي والجهادي.

وظاهر من مقدمة المؤلف في مذكراته (أربعة أجزاء) أن كتابته لهذه الرواية الرسمية كانت مؤطرة بضابطين: الانتصار للدعوة والوفاء بحقها وبحق الجيل الذي تحمل أعباءها، والانتصار لعقيدة الإخوان ومنهجهم (السمة المناقبية)، والبعد عن مواطن الخلاف، وعدم التوغل في ذكر المواقف المتباينة للقادة في المحطات الخلافية الحساسة.

ومن النماذج المهمة في التأريخ للجماعة بهذا النفس المناقبي، كتاب (أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين) لجمعة أمين عبد العزيز، الذي قام بجهد توثيقي كبير غطى جميع المراحل التي قطعتها الجماعة وذلك منذ بداية التأسيس إلى سنة 1945. حيث أفرد الجزء الأول للسياق الذي برزت فيه جماعة الإخوان، مركزا على شخصية الإمام وابعادها الفكرية والمنهجية والتربوية والدعوية والسياسية، فيما تناول الجزء الثاني، بدايات التأسيس والبناء الداخلي ما بين 1928 إلى سنة 1938، حيث اهتم هذا المجلد بالدور الذي قام به البنا في بناء العمل التربوي والدعوي والتنظيمي، وتوسع في تفصيل المهام التي قام بها المركز العام للجماعة فضلا عن الشعب، وسلط الضوء على البناء الهيكلي للجماعة، ودور مجلس الشورى فيها. بينما اهتم الجزء الثالث، بالأدوار التي قامت بها الجماعة داخل المجتمع المصري والمجتمع الدولي ما بين 1928 إلى سنة 1938. ليعود مرة أخرى إلى إعادة رسم صورة عن البناء الداخلي للجماعة ما بين 1938 و1943 في الجزء الرابع، ويكمل حلقة هذا الجزء بتغطية جوانب استكمال حلقات البناء الداخلي للجماعة ما بين 1943 إلى 1945. 

أما الجزء السادس، فسار على نفس نهج الجزء الرابع، أي حاول تسليط الضوء على أدوار الإخوان داخل المجتمع المصري في المرحلة الممتدة ما بين 1938 إلى 1945. ويختم سلسلة كتاباته، بجزء سابع، حاول تسليط الضوء على دور الإخوان في العالم الإسلامي، في الفترة الممتدة ما بين 1938 و1945.

وعلى نفس المنحى سار عدنان سعد الدين القيادي الإخواني في سوريا، الذي أرخ لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا في ست مجلدات، تناول المجلد الأول فيها سياق ما قبل التأسيس إلى سنة 1954، وخصص الثاني لتغطية الأحداث ما بين رحيل الشيشلكي وبين الانفصال (1954 ـ 1963)، وتناول الثالث بالتأريخ الحكم البعثي (1963 ـ 1977)، وأفرد في الجزء الرابع محنة الإخوان في سوريا وسنوات المرعبة (1973 ـ 1983)، وخصص الجزء الخامس بتسليط الضوء على علاقات الإخوان الخارجية في الثمانينيات.

وقد خصص عدنان سعد الدين مقدمة ضافية للحديث عن مآثر الإمام المرشد حسن البنا، والدور الذي أقامه في بعث النهضة في الشرق، معتبرا أن سوريا هي أول من استجاب لصيحته، حيث جعل كتابه التأريخي، أداة لتسليط الضوء على دور هذه الجماعة في تنزيل رؤية البنا النهضوية، وتقويم صورة عن التضحيات التي بذلها وصور المحنة التي تعرضت لها من قبل النظام البعثي، فضلا عن إبراز دور الجماعة ومختلف أنشطتها التربوية والدعوية والسياسية. وكعادته في التعامل مع قضايا الخلاف، فقد التزم عدنان سعد الدين نفس المنهج الذي اعتمده المؤرخون السابقون في الابتعاد عن مواطن الخلاف، وتأطير بعض المحطات برؤية تجميعية.

كما يندرج ضمن هذا الصنف من التأليف كتاب محمود محمد الصواف" صفحات من تاريخ الدعوة الإسلامية في العراق" الذي حاول فيه أن يؤطر لحظة تأسيس الحركة في العراق، وأهم الرموز والحركات التي انتظمت في العمل الدعوي، واجتمعت على دعوة الشيخ جسن البنا. وندرج ضمنها أيضا  كتاب الدكتور محسن عبد الحميد (الحركة الإسلامية في العراق) الذي سلط الضوء على الأدوار التي قامت بها جماعة الإخوان في العراق، كما حاول فيه مؤلفه، كما وضح ذلك في مقدمة الكتاب، أن ينصف جماعة الإخوان، ويبين دورها على أربع مستويات أساسية: 

أولها، مقاومة الاستعمار البريطاني، وثانيها دورها في الوقوف في وجه الشيوعية ورد مفترياتها وزيف مبادئها، والثالث، مساهمتها في إحداث وعي إسلامي حقيقي بين أبناء الشعب العراقي يحصنهم من الأفكار المستوردة المخالفة لأصول العقيدة الإسلامية والمنافية لشريعتها ونظام حياتها، والرابع، هو دفع العراق إلى الخط الأمامي للدفاع عن مقدمات الأمة في فلسطين ودحر مخططات اليهودية العالمية. وقد قصد المؤلف من كتابه، كما تبين ذلك المقدمة، الانتصار لجماعة الإخوان، وتقديم رواية رسمية، بأهم المنجزات التي قامت بها هذه الجماعة بقصد الوقوف على أدوارها الوطنية والإسلامية.

وعلى الرغم من أن المؤلف حاول أن يستعين بروايات أخرى، وربما بمصادر من التاريخ لدعم مروياته، وحاول جهد الإمكان استطلاع روايات أخرى، غير تلك التي يطمئن لمصادرها، فإنه لم يخرج عن منهجه المناقبي، في الانتصار للجماعة وبيان دورها، كما لم يخرج في العموم، عن نمط الكتابة التاريخية الإخوانية التي تحاول الابتعاد عن مواطن الخلاف، وإن كان توغل في بعض المحطات في ذكر الخلاف، وخرج منه بإيراد تأويلات تحمل التباين على الاختلاف في التقدير، دون أن تخلو رواياته من مواقف ذاتية، حملها عن بعض التيارات التي كانت تخترق الجماعة، وبشكل خاص التيار الذي كان يميل إلى العمل العسكري.

ويمكن أن ندرج ضمن هذا الصنف المناقبي في التأريخ كتابات كامل الشريف، الذي كشف عن جانب مهم من أدوار جماعة الإخوان المسلمين، سواء في حربهم للانجليز في القناة (المقاومة الشرية في قنا السويس) أو مشاركتهم في حرب 48 ضد الصهاينة (الإخوان المسلمون في حرب فلسطين).  

ويمكن أن ندرج ضمن هذا الصنف المناقبي أيضا جملة الكتابات التي حاولت تغطية لحظة السجون والمعتقلات، أو ما يسمى بأدبيات المحنة عند الإخوان، ونذكر من ذلك كتاب: "البوابة السوداء: صفحات من تاريخ الإخوان المسلمين" الذي حاول فيه أحمد رائف تقديم التاريخ السري للمعتقلات، مغطيا مختلف المواقف التي عاشها الإخوان داخل السجون، مع التركيز على جوانب البطولة فيها، كما عرض أيضا لأنماط العلاقات التي عاشها الإخوان في السجون مع خصومهم والمختلفين مع أطروحتهم، متوقفا في ذلك على الأبعاد الفكرية والمنهجية في إدارة الحوار، وأيضا على  الأبعاد القيمية والأخلاقية. وكذلك كتاب (مذابح الإخوان في سجون ناصر، لجابر رزق، الإخوان المسلمون في سجون مصر (من عام 1942م ـ 1975م) لمحمد الصروي، وكتاب "أيام من حياتي" لزينب الغزالي.
 
ويدخل ضمن هذا الصنف من الكتابة التأريخية، الكتابات الخلافية التي حاولت الانتصار لطرف من الأطراف. وندرج في هذا السياق كتابا مثل "الإخوان المسلمون نقط فوق الحروف" أحمد عادل حمودة، و "صفحات من التاريخ حصار العمر" لصلاح شادي. ومع أن هذين الكتابين ينتصران لوجهة نظر مختلفة، إلا أنهما معا، حاولا ما أمكن، الانتساب إلى منهج الجماعة، والبقاء في منطق التجميع ونبذ الفرقة.

حركات تجاهلت أو استغنت عن التأريخ الرسمي

وإلى جانب هذا الكم الهائل من التأريخ والذي غطى معظمه جماعة الإخوان المسلمين، فإن ثمة حركات أخرى، أعملت التأريخ لنفسها، أو خضعت لإكراه العمل الحركي اليومي، ولم تعط للبعد الفكري والتاريخي أهمية، فصارت أشبه ما تكون بالمحرومة من رواية رسمية أو المرتهنة إلى تأريخ أجنبي عنها، كثيرا ما أبدت اعتراضها عليه، أو نسبته تفسيراته إلى جهات معادية.

فجماعة الإخوان في الأردن، كانت على غير نمط الإخوان في مصر وسوريا من جهة كثافة التأريخ، إن لم يصدر عن قيادتها تأريخ رسمي يغطي تاريخ الجماعة. وإنما خلف بعض قياداتها مثل شذرات تأريخية همت تأطير التاريخ السياسي للجماعة، كما فعل القيادي محمد عبد القادر أبو فارس في كتابه "صفحات من التاريخ السياسي للإخوان المسلمين في الأردن". 

وقد أقر الكاتب في مقدمة كتابه بأن ضياع كثير من الأخبار والأحداث المرتبطة بالجماعة يعود إلى أن الجماعة في الغالب لم تهتم الاهتمام الكافي بتوثيق ما يصدر عنه وتبويبه وتصنيفه والمحافظة عليه في أماكن خاصة لا يتسرب إليها الفساد والتلف، وأنه جهده اندرج في وضع لبنة من لبنات التأريخ للجماعة.

وقد أبدت جماعة الإخوان في الأردن انزعاجها من كتاب تأريخي أصدره أحد أعضائها المغادرين لها (بسام العموش)، هو "محطات من تاريخ الإخوان المسلمين في الأردن" لكنها لم تنجح في إصدار كتاب يؤرخ لمسارها، رغم تأسيسها لمركز أبحاث جعل من بين مهماته التأريخ للجماعة اعتمادا على المرويات الشفوية لقياداتها من الرعيل الأول.

وبخصوص الجماعة الإسلامية في لبنان، فقد أقرت الدراسة التي أشرف عليها مركز الزيتونة في جزئها ألأول المنشور باسم (الجماعة الإسلامية في لبنان منذ النشأة حتى 1975)، وحرره مديرها الدكتور محسن صالح، بأنه لم يكتب تاريخ لهذه الجماعة لا من قبل مؤسسيها ولا من قبل مفكريها، فحاولت أن تنوب عن الرعيل الأول المؤسس للجماعة الإسلامية في التأريخ للجماعة اعتماد على الشفوي المنقول عن قيادتها، تسليط الضوء على المحطات التي قطعتها وعن مواقفها اتجاه كثير من القضايا السياسية الداخلية والخارجية.

في حين لم تهتم حركة مجتمع السلم في الجزائر بالتأريخ لنفسها، كما لم تقدم الحركة الإسلامية المغربية، سواء منها حركة التوحيد والإصلاح، أو جماعة العدل والإحسان أي جهد تأريخي منظم يقدم روايتها الرسمية للدارسين.

ثمة استثناءات بسيطة في هذا المجال، منها ما أقدمت عليه حركة التوحيد والإصلاح في تأطير عشر سنوات من مسارها بجزء من الكتابة التاريخية (عشر سنوات من حركة التوحيد والإصلاح)، وبيان الأطر المرجعية لهذه الحركة وأهم الروافد التي شكلت خطها، وعرض تجربة التوحيد بين تنظيمين (حركة الإصلاح والتجديد ورابطة المستقبل الإسلامي) بلسان المساهمين فيها، كما يسجل استثناء آخر،  يتعلق بما قيام به بعض المفكرين القريبين من التنظيم (نموذج ذاكرة الحركة الإسلامية المغربية في أربعة أجزاء للمؤلف) والتي غطت جزءا من تاريخ الجماعة، وتاريخ التنظيمات شكلت حركة التوحيد والإصلاح امتداد لها. أما جماعة العدل والإحسان، لم تحظ إلا بتأريخ بسيط، عن حياة مرشدها الشيخ عبد السلام ياسين، تضمنه حوار قصير أجري مع الشيخ ياسين نشر في موقع الجماعة، وحوار آخر مع أحد قيادات التنظيم (عبد العلي مجدوب) نشر في الجزء الثالث من ذاكرة الحركة الإسلامية المغربية، في حين لم تحظ الحركة الإسلامية بموريتانيا، بأي جهد تأريخي يعطي صورة عن تطور مسار التنظيم وتجربته السياسية سوى ما كان من مرويات شفوية أو حوارات أو مقالات محدودة تعرض فيها بعض المؤسسين لتجربة التأسيس الأولى وروافدها ومسار التنظيم، وتحولاته السياسية.

البعض يجنح في تفسير سبب تعثر التنظيمات الإسلامية في المغرب العربي للتأريخ لنفسها، بواقع تاريخي يرسخ فكرة عدم اهتمام المغاربة بكثرة التأليف، لكن، في الواقع، يبدو الأمر أعمق من ذلك، فالتاريخ، ليس فقط مهمة فكرية، بل هو مجال لإدارة الصراع من خلال الرواية التي تقدم، مما لا يكون موضوع اتفاق داخل مكونات التنظيم وقياداته، كما أن طبيعة القيادات في المغرب العربي، وتكوينها الفكري، يفسر إلى حد ما عدم الاهتمام بالتاريخ أو عدم القدرة عليه مع الرغبة فيه.

في النزوح إلى أسلوب المذكرات والسير الذاتية

وقد لوحظ هذا المنحى في التأريخ لدى عدد من القيادات التي جنحت إلى كتابة مذكراتها أو ذكرياتها، كما هو الشأن بالنسبة لحسن الهضيبي (ذكريات لا مذكرات) وللدكتور مصطفى السباعي. وكما هو الشأن بالنسبة إلى القيادي الإخواني توفيق محمد الشاوي في (مذكرات نصف قرن من العمل الإسلامي) ومذكرات الشيخ القرضاوي في أجزائها الست (ابن القية والكتاب)، ومذكرات عبد المنعم أبو الفتوح التي اجتهد المرحوم حسام تمام بصياغتها، ومذكرات محمد حبيب (عن الحياة والدعوة والسياسة والفكر).

ويفسر الجنوح للمذكرات، بكونها أسهل لأنها تنفلت من الضوابط النسقية والسردية التي يفرضها التأريخ الرسمي، ولأن مؤلفها يستعرض ما رسخ في ذاكرته، أو ما رغب في تسليط الضوء عليه، كما تتميز بكونها تتويجا لمحطة متأخرة من العمر، يقدر فيها صاحب المذكرات، أن من واجبه البوح بجزء من التاريخ، الذي يفيد أمته، أو يفيد الأجيال الصاعدة في التنظيم، أو لأن هذا النوع من الكتابة، يبرر الخلط بين الدور الفردي (القائد صاحب المذكرات)، وبين الدور الجماعي التنظيم).

والملاحظ أن جماعة الإخوان في مصر، كما تستأثر بمساحة التأريخ الرسمي، فقد تميزت أيضا في حجم المذكرات التي صدرت عن قادتها، بخلاف التجربة الإسلامية في المغرب العربي، فقد ندرت فيها المذكرات، باستثناء جهود محدودة، مثل ما فعل القيادي في حركة التوحيد والإصلاح عبد الله شبابو الذي أصدر مؤخرا مذكراته (من المنبر إلى معترك السياسة)..  


التعليقات (1)
عبدالله المصري
السبت، 09-10-2021 12:29 م
التصنيف اصلا خطأ من اخترع التصنيف اخترعه ليصب فيه كل المساوئ فاليك امثله في الحاضر تحتار في تصنيفها علماني ام اسلامي مثل محمد القدوسي و سليم عزوز