قضايا وآراء

في مواجهة هيجان فتح!

خلدون محمد
1300x600
1300x600

واحدة من أهم المميزات التي تتسم بها حركة فتح أنها "حركة تزعّمية" وهي صفة تطغى على سائر خصالها الأخرى، بما في ذلك ما نعتت به نفسها من أنها "حركة تحرّر". وكانت "التزعّمية" هذه تطغى على سلوك فتح في شتى مراحلها، سواء عندما كانت "حركة تحرر"، أو خاصة، عندما غدت حركة "سلطة وتسلّط"، ثم عندما غرقت قيادتها في وحل التعاون مع الاحتلال! وإنها حركة تريد الزعامة وتلهث وراءها بأي ثمن، كما أن أخلاقيات التزعم لديها، تجعلها تفقد عقلها وتخرج عن توازنها وتطيش وتهوش وتهيج، وتجهل فوق جهل الجاهلينا!


لحركة فتح مواسم هياج شوفينية عصبوية عمياء. كنا نلاحظ ذلك سواء بطريقة الإعلان السرمدي عن احتكار "الرصاصة الأولى" و"الحجر الأول"، والغناء التمجيدي: "أنا ابن فتح ما هتفت لغيرها". كما كنا نجد هذا الهياج يزدهي أيام كانت تحقق فوزًا انتخابيًّا سياسيًّا أو نقابيًّا، أو إنجازًا وطنيًّا اعتباريًّا. وكان سلوكها في هذه الحالة المزهوة يتم تقديمه كمن يريد أن ينتزع من الآخرين أدوارهم، فهي كما زعيمها عرفات، الذي كان شديد الغيرة المرضية التي كان لا يحتمل معها أن ينظر في المرآة حتى لا يرى له نظيرًا، حتى ولو كانت صورته في المرآة! كما ذكر عنه أحد المقربين منه (شفيق الحوت) في مذكراته!


ولكن سخونة الهياج الفتحاوي كان تتجلى أكثر ما يتجلى، ليس فقط أيام المدّ والتقدم، بل أيام الجزر والتراجع! عندما كانت تتعرض لتحدٍّ داخلي. ظهر ذلك بقوة عام 1983، وما بعده، أيام محنة انشقاقها الكبير، كما ظهر ذلك بعد منحة سقوطها الانتخابي المدوّي عام 2006، وفي الحالتين، مثّل "الخصم" الوطني الداخلي سببًا كبيرًا لشد العصب، وإلا فإن كثيرين راهنوا على موت فتح وانتهاء زعامتها لمنظمة التحرير بعد الخروج من بيروت وحدوث الانشقاق، لكن النتيجة كانت، أنّ فتح كانت أقوى ما تكون وهي تجابه هذا التحدي الداخلي.

 

وعندما توفي عرفات عام 2004 تنبّأ كثيرون، من المراقبين والباحثين والعليمين ببواطن الأمور بأن محمود عباس وفتح، لن يصمدوا أكثر من عام إلى عام ونصف (وهذا ما أظهرته المقالات والدراسات التي كانت نشرتها مجلة الدراسات الفلسطينية حينذاك)، ولكن عندما جاءت حماس بفوزها الساحق، شكل ذلك فرصة لا تعوّض فتحت المجال لأبي مازن "الضعيف" أن يستمر ويستمر ويكتسب قوة وحضورًا بعد أن كان مثلًا نموذجيًّا للضعف والوهن! وكان رأينا آنذاك، يُغلّب عدم مشاركة حماس "تكتيكيًّا" في 2006 لهذا السبب، أي من أجل منح فتح فرصة لكي تصل بخلافاتها وتناقضاتها إلى نهاياتها، وبالتالي تساهم فتح ذاتيًّا في تفكيك ما تمثله من "قنبلة سياسية - اجتماعية" خطيرة قائمة بين ظهراني الشعب الفلسطيني.

 

وفي اعتقادنا لو أن حركة حماس لم تشارك في انتخابات 2006، لرأينا الفساد الفتحاوي والاحتكاك الواقع بين أطرافه، الذي كان متصاعدًا أصلًا قبل الانتخابات، يأخذ كامل تجلياته، ولكانت معارك (فتح - حماس) التي انتهت بمشهد 14/6/2007 قد استُعيض عنها بأشكال أخرى من التجاذبات والمعارك الفتحاوية – الفتحاوية، في ما بين أقطابها الطامحين، وما أكثرهم، فكلّهم يدّعي أنه "أبو عمار" المرحلة، فهم تربّوا على نزعة تزعمية نموذجية، بأخلاقيات وسلوكيات "الضرة" بما تحمله الكلمة من معنى اجتماعي متعارف عليه في البيئات العربية. فقد كان تنافسها السياسي مع الآخرين يأخذ شكل الغيرة المفرطة والحسد المَرَضِي، وبالتالي، فإن فتح لا تحتمل والحالة هذه تصور أي شيء غيرها! فهي ليست حانقة من حركة حماس بسبب فكرها الإسلامي ولا حتى بسبب طرحها السياسي (فهناك حركات عديدة في الساحة الفلسطينية لها مواقف على يسار أو يمين حماس فكريًّا وسياسيًّا، ولكن فتح لا تبدي فيها سوى حساسية تجاهها) بل بسبب أنها هي الماثلة أمامها في الوجه، ولا ترى فيها سوى "الضرّة" التي تنذر باستبدالها، والتي تعتبر وجودها [حماس] قائم بالضرورة على حسابها، ومن هنا فإن لسان حال الكثيرين من الناطقين باسم فتح، الذين لا يخفون مقتهم لضرتهم "حماس" ذات البرنامج الذي يقوم على مبدأ تحرير فلسطين التاريخية، كأن لسان حالهم يقول: "إذا حرّرت حماس القدس غدًا، فلا نريد هذا التحرير الآتي منها".

 

تمامًا بالضبط كما نعرف عن الضرائر في مجتمعنا اللواتي لا يمكن أن يريْنَ من ضراتهنَّ سوى "الضر" المحض، فلو كنَّ يقطّرْنَ "العسل"، فهو بالنسبة للضرة المرّ بعينه. وهكذا هو حال فتح التي لا تتصرف سياسيًّا وأمنيًّا واجتماعيًّا إلا كضرّة.

 

يكفي أن نشير هنا إلى ما قاله أحد قيادات حركة/ قبيلة "فتح"، الذي لم يعد يتواجد في المركز القيادي – ونقصد هنا نبيل عمرو – الذي كان عبّر كفتحاوي أصيل عن غيرته الشديدة عندما شاهد إسماعيل هنية محمولًا على أكتاف اللاجئين الفلسطينيين في مخين عين الحلوة قبل ثلاث سنوات!! هذا فضلًا عن تصريحاته "الضرِّية" الشهيرة بعد فوز حماس في انتخابات 2006، وهو المصنّف على كل حال، من بين "عقلانيي" فتح، وكتّابها المثابرين. وكنا نسمع من غيره وغيره الأقل عقلانية والأكثر غرائزية الكثير من سلوك "ابن الضرة" الذي يعكس الاحتقانات والعقد الداخلية. 


لعل أحداث جامعة النجاح وغيرها من التشنّجات الفتحاوية المفتعلة في الأيام والأسابيع الأخيرة، جاءت كرد فعل "متوقع" بعد الكفّ الساخن الذي تلقته حركة فتح وسلطتها في انتخابات مجلس طلبة جامعة بيرزيت في أيار الماضي، وما سبقها وما لحقها أيضًا من انتخابات طلابية ونقابية وبلدية، ظهرت فيها خسارات مؤثرة "لقبيلة" فتح وشكلت هذه الخسارات أهم عوامل هياج لسلوك فتح الغرائزي والمؤذي، لكن وبسبب تغير وتبدّل هوية حركة فتح سياسيًّا ووطنيًّا واجتماعيًّا الذي نتج عن اعتناقها لاتفاق أوسلو وما بعده، والذي لم يعد معه رصيدها الوطني القديم بقادر على تغطية عورات قياداتها الجديدة الفاسدة التي نقلت سلاحها من كتف إلى كتف، ولهذا فإن هياج فتح الذي ستزداد وتائره في قابل الأيام، لأسباب عديدة، أصبح يشكل "قنبلة" اجتماعية – وطنية خطيرة، يهدد انفجارها تمزيق النسيج الوطني، وبالتالي فإنه يقع على عاتق عقلاء الشعب الفلسطيني السعي لتفكيك هذه "القنبلة" بالتي هي أحسن، لأن التي هي أسوأ ستعيدنا دركات ودركات وتشدنا إلى أسفل، وستأكل ما لدينا من حيوية وصور وأمل، وهنا نقترح ما يلي: 


1- استنهاض الجسم الشريف والعاقل المهمّش من حركة فتح منذ عقود: دائمًا عندما كانت إشكالات وتجاوزات وتعدّيات صادرة عن حركة فتح، كنا نسميها المناشدات باتجاه "شرفاء فتح" أو عقلاؤها. وحتى أننا كنا نقرأ في بعض الأزمات بيانات وقّعها أصحابها حرفيًّا باسم "شرفاء فتح". ولكن السؤال: عن أي شرفاء نتحدث؟!


في الحقيقة، إن هؤلاء الشرفاء والعقلاء تواروا منذ سنين طويلة، خاصة أولئك المعترضين وغير الموافقين على اتفاق أوسلو ولا على الخط السياسي الرسمي الذي مهّد لها، وكثير من هؤلاء المناضلين القدامى يتواجد في الخارج، وبعضهم شغل مناصب قيادية مرموقة في الحركة في مراحل سابقة (عضو لجنة مركزية، مجلس ثوري، أو قائد ميداني أيام الأردن ولبنان...) وكثير من هؤلاء تركتهم أوسلو خلفها، وربما غادر بعضهم فتح الرسمية قبل ذلك. ويُضاف لهؤلاء كثير من الشخصيات الاعتبارية التي تحظى باحترام واسع، لكن طرائق الفرز في "فتح الجديدة"، غدت لا تصعّد إلا الأرذل والأسوأ، وتستبعد كل من لديه ضمير أو حتى نصف ضمير! وهنا ندعو لأن يقوم من بين هذا الحشد الكثير من متقاعدي فتح، هيئة أو رابطة أو تيار، يسعى إلى أن يقول كلمته – على أقل تقدير – فيما يجري من أفعال هياج تخدش سلامنا الوطني والاجتماعي وللكلمة هنا دورها وفعلها عندما تكون مبرأة وغير محسوبة على تلك المصنفة "ضُرَّة". هذا فضلًا عن متواليات أخرى قد يترتب على قيام مثل تلك الرابطة المفترضة. 


2- إعلاء الصوت، ونشيد هنا بالحراك الهام، ولكنه غير الحاسم، الذي حصل عقب استشهاد نزار بنات، ويجب العمل على تطوير هذا الحراك وإغنائه بالتركيز على إعادة الاعتبار للمسألة الضميرية، خاصة أن أهم ميزة بسلوكيات "فتح الجديدة" أنها منزوعة الضمير وتترجم "الوغدنة" بأقصى تجلياتها. 


3- على القوى المصنفة "ضُرَّة" من قبل فتح، أن تتيح لفتح فرصة لكي تختلف، ولا تأتي بممارسات أو تصريحات – حتى ولو كانت محقة وعادلة – من شانها أن تزيد سعار وهياج فتح، وتقوّي بذلك عصبها وتثير حميتها القبلية المرضية. فكما غدا معلومًا في الرأي العام الفلسطيني، أصبح القائد الفتحاوي ينال جدارته وأهليته للقيادة ويبرهن على صميم فتحاويته أكثر، كلما سبّ أو شتم حركة حماس أو "هَيْلَمَ"، وأحرجها ونسب لها كل نقيصة وحطّ من قدْرها وبخّس نضالها. وعلى حماس وجمهورها التركيز على الجانب الأخلاقي – الضميري مقابل حالة "الضمير الميت" الذي تتمتع به "فتح الجديدة".


4- على شعبنا أن يستعيد حيويته، ويخرج من طور اللّعثمة والامتناع عن مواجهة "فتح الجديدة" وسلطتها الغارقة في الفساد على أنواعه والعمل على مواجهتها بصورة حشود تكسر حاجز الخوف، وتكسر معه سياسات السلطة الموجهة لترويض وخصي شهامة شعبنا. مثلًا ينبغي عدم السماح للسلطة بالاعتقال السياسي، وهنا لا يُكتفى يما قد يكتبه صحافي ناقد، ولا بما تقوله تقارير مؤسسة حقوقية، ولا حتى بخروج مسيرة خجولة... بل ينبغي أن تنهض عائلة وقرية وحي ومدينة الأسير السياسي، خاصة إذا ما كان معروفًا ومشهورًا بين الناس بصفته السياسية والنضالية. ولا بأس أن الناس هنا الحشود التي ترتعب منها هذه السلطة البوليسية الجبانة، وربما تقتحم مقرات الأجهزة الوكيلة التي تحتجز شرفاء ومناضلي وأحرار شعبنا. كما ينبغي التشهير بأسماء القيادات والضباط والعناصر السيئة، ووضعهم على لائحة سوداء، وذكر الأفعال السوداء لكل منهم، ولا بأس من رد فعل شعبي خشن أحيانًا، خاصة إذا ما كانت الحوادث تستدعي ذلك.

 

0
التعليقات (0)

خبر عاجل