كتاب عربي 21

11/11.. هل يكون يوم الخالصة؟!

سليم عزوز
1300x600
1300x600

هذا موضوع محفوف بالمحاذير، ويبدو أننا هرمنا فصرنا نعمل حساباً لها!

فهناك دعوة لمظاهرات، وربما ثورة، يوم 11 تشرين الثاني/ نوفمبر القادم، يتبناها البعض في الخارج، دون أن نسمع لها صدى في الداخل، وفي ظل الحكم الاستبدادي من الصعب قراءة انطباع الناس. وفي حالة هامش الحرية المحدود للغاية، أمكن لنا قياس رد الفعل على الدعوة لمظاهرات يوم 25 كانون الثاني/ يناير 2011، والدعوة ليوم جمعة الغضب يوم 28 كانون الثاني/ يناير، لكن الأعداد الضخمة كانت على خلاف توقعاتنا. فواحد مثلي استبد به اليأس من تحرك الناس، لم يتوقع ما حدث، وقد عايشت أكثر من حراك انتهى للفشل، وكانت الذروة في انتفاضة القضاة، ثم في عودة البرادعي لأرض الوطن!

ولا يمكن اعتماد فزع رجال السلطة وحدة قياس، وهم الذين يحسبون كل صيحة عليهم، وقد بدت المخاوف من أفواههم؛ ذلك بأن منهم من يدركون أن النظام لم ينجح في تحقيق الاستقرار إلى الآن، ويعلمون أنه في ظل الظروف السياسية والمعيشية الضاغطة فإن الأمور على "تكة" أو في انتظار الشرارة الأولى. وتقريباً فإن الاجماع منعقد في المعارضة والسلطة، وفي الداخل والخارج، على أنها على تكة، لكن هل تكون هذه "التكة" في هذا اليوم؟!

لا يمكن اعتماد فزع رجال السلطة وحدة قياس، وهم الذين يحسبون كل صيحة عليهم، وقد بدت المخاوف من أفواههم؛ ذلك بأن منهم من يدركون أن النظام لم ينجح في تحقيق الاستقرار إلى الآن، ويعلمون أنه في ظل الظروف السياسية والمعيشية الضاغطة فإن الأمور على "تكة" أو في انتظار الشرارة الأولى

المحاذير لم تصنعها السلطة، وإنما تأتي من قبل معارضيها، فالسؤال الدائم من هؤلاء: لماذا لا تشارك في الدعوة للثورة في هذا اليوم؟ ولا تُقبل من أحد مبررات موضوعية، مثل إنه لا يجوز أخلاقياً أن أعرض الناس للخطر، بينما أنا في الخارج، وقد يكون الأمر مختلفاً لو كنت في الداخل المصري، بل إنني في ثورة يناير وقد شاركت في كل تفاصيلها وتجلياتها، لم أدع أحداً للمشاركة، فلم أكن مع الهتاف الذي يطلقه البعض في المظاهرات على سلالم نقابة الصحفيين: "يا أهالينا لموا علينا"، وكنت أعتبره استجداء لا يليق، فمن سيطر عليه الخوف، واستولى عليه الإحباط، لا معنى لطلب نصرته!

والإشكال أن من قد يستكرون عدم مشاركتنا في الدعوة، هم أنفسهم من قد يتحولون للضد إذا فشلت وكان لها ضحايا؛ لينقلب الخطاب الى أن الذين يعيشون في الخارج ورطوا الذين تم اعتقالهم أو الاعتداء عليهم؛ إن الإنسان خلق هلوعاً.

اتصالات من الداخل

لقد بدأ دعاة الثورة والمبشرين بها، يتحدثون عن اتصالات بينهم وبين أشخاص داخل أجهزة يطمئنون الناس، بأنهم سوف ينحازون لحركة الجماهير، ولن يتم الاعتداء على المتظاهرين. وهناك نغمة لم تبدأ اليوم، ولكن كان يتبناها بعض المعارضين من أيام مبارك، وهي أن من بين الأجهزة من هم مع الشعب. وكان جهاز المخابرات العامة هو الحاضر الغائب في هذا الأمر، بل والجيش نفسه؛ كرس من هذه الصورة أن هذه المؤسسات كانت بعيدة عن الاحتكاك المباشر بالناس، وليست طرفاً في الصراع السياسي مع النظام، وكان المعروف لدينا سواء في العمل الصحفي أو الحزبي هو جهاز أمن الدولة الذي كان يحكم على الأرض، ولم يكن طرفاً صداميا في هذا الجانب، وقد فسر أحد الضباط السابقين بالجهاز في أحد فيديوهاته، بأن الأقسام الأخرى داخل الجهاز تختلف في الأداء عن قسم مكافحة التطرف الديني، الذي كان يمارس تعذيب ضحاياه!

وعلى مدى أكثر من ربع قرن من الممارسة الجادة للصحافة والسياسة، وأكثر من نصفها في موضع المسؤولية الصحفية، لم أر فيها ضابطا في المخابرات، ولم يتردد اسم الجهاز في النقابة أو دور الصحف، المرة الوحيدة عندما جاء من الجهاز من يسأل عن أعداد من الصحيفة نشرنا فيها صراعاً داخل الحزب الحاكم مع جمال مبارك، في بداية انضمامه له، وكان هذا في اجتماعات مغلقة تمكنت من الوصول إلى ما دار فيها من جانب أحد المصادر!

فقد زارني في مكتبي ثلاثة أشخاص وربما أكثر، ولا أعرف إن كانوا ضباطاً أم مجرد موظفين إداريين، فقط طلبوا الأعداد وانتظروا حتى حصلوا عليها، وكنت مشغولاً وقتها فلم نتبادل أي حديث، الترحيب الروتيني!

الواقعة الثانية، رويتها من قبل، عندما تعرض مراسلنا في إحدى المحافظات للاحتجاز لساعات، وإذ اعتبرت أن من فعل هي وزارة الداخلية، فجاء الرد بأنه مكتب المخابرات في المحافظة، لأن المراسل كتب عن فساد عدد من النواب، وقال إنه يملك "سي دي" بالوقائع، وطلب مبارك الحصول عليه، فتنافست الأجهزة من أجل ذلك، فكانت هذه المعاملة الخشنة إلى حد ما!

وذات مرة كتب الأستاذ الحمزة دعبس، وكيل حزب الأحرار ورئيس مجلس إدارة جريدة "النور" الإسلامية، أنه وصله استدعاء من المخابرات، فأدهشه ذلك وسألهم: وما علاقتكم أنتم بالموضوع والمفروض أن هذا من مهام جهاز أمن الدولة، وكان قد عاد من زيارة لأفغانستان إبان الوجود الروسي، منحازاً لصف الرئيس نجيب الله ضد المجاهدين الأفغان، وروى كيف أن الرئيس صلى بهم إماماً، وهي دعاية لم يتبناها أي إسلامي غيره (كان ملتحياً، ويرتدي الجلباب الباكستاني، وينتمي لجماعة الدعوة والتبليغ). ولعل ضخامة الدعاية عن الروس، والإلحاد، جعله ينبهر منذ اللحظة التي تقدم فيها "العميل السوفييتي" ليصلي بهم إماماً، وهذا الانحياز كان شأناً يسارياً أصيلاً، وعندما سافر دعبس لأفغانستان كان معه وفد من حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، أتذكر منه "فريدة النقاش" والشيخ "خليل عبد الكريم" الذي كان يطلق عليه الإسلاميون "الشيوعي الملتحي"، والذي كان يعلن أنه ينتمي لما يسمى باليسار الإسلامي، فلم يقتنع بهذا الفصيل الإسلاميون أو اليساريون!
شخصيات في كل مؤسسة لا يرضيها الوضع القائم، بل وممن يستفيدون منه، من يرون ضرورة الاكتفاء بهذا القدر، لأن التغيير الهادئ أفضل من ترك الأمور تسير في أعنّتها ليفاجأوا بالثورة، وهناك اتفاق بأنها لن تكون أبداً على القواعد الأخلاقية لثورة يناير، لكن لا أعتقد أبداً أن هناك من يمكنه أن يغامر بمثل هذه الاتصالات، لأن الطرف الآخر لن يرحم، والسيسي لن يترك الحكم بسهولة

أجهزة مع الوطن

وهذا البعد، خلق حالة متخيلة عن أن أجهزة في السلطة هي مع الوطن (حسب مفهومنا له) وليست مع السلطة إذا نكبت الطريق، وهي الصورة التي جعلت اليسار واليمين، ومن حزب التجمع لحزب الغد، وما بينهما، يهتفون لطلائع الجيش في ليلة 28 كانون الثاني/ يناير، عند ظهور أول مدرعة، وكأنها طلائع التحرير، وتم صك هتاف في اللحظة للجيش الذي جاء يؤدب الشرطة التي ظلت يوماً كاملاً تعتدي علينا. ولعشر دقائق كنت في ذهول مستنكراً ذلك، ثم وجدتني فجأة جزءاً من هذا القطيع، أهتف جاداً ومخلصاً معهم، بعدها ذهبت السكرة وحلت الفكرة!

وهي الحالة التي وصلت بالبعض في مرحلة بعد الثورة وبعد الانقلاب إلى هذا الاعتقاد الراسخ بأن هناك شخصيات داخل مؤسسات الدولة معهم، وتغامر بالاتصال بهم، لكي يطمئنوا الجماهير بأنهم إذا نزلوا سيكونون في حمايتهم، والبعض ذهب بعيداً حتى صرنا في مواجهة حالة نفسية، أكثر منها خيالات أنتجتها الأزمة!

لا أحتكر الوطنية، ولا استبعد وجود شخصيات في كل مؤسسة لا يرضيها الوضع القائم، بل وممن يستفيدون منه، من يرون ضرورة الاكتفاء بهذا القدر، لأن التغيير الهادئ أفضل من ترك الأمور تسير في أعنّتها ليفاجأوا بالثورة، وهناك اتفاق بأنها لن تكون أبداً على القواعد الأخلاقية لثورة يناير، لكن لا أعتقد أبداً أن هناك من يمكنه أن يغامر بمثل هذه الاتصالات، لأن الطرف الآخر لن يرحم، والسيسي لن يترك الحكم بسهولة، وسيبطش بكل من يتشكك في إخلاصه!

إن كثيرين يتحدثون عن انقلاب عسكري وشيك، وهو أمر مستبعد في عقيدة الجيش المصري، وهذا يختلف عن وجود ثورة ينحاز لها الجيش، أو يعتبرها غطاء كما في 30 حزيران/ يونيو، ولم يكن كل أعضاء المجلس العسكري قد تورطوا في هذا، لكن لم يكن لديهم ما يمنع من التورط، وليس بمقدورهم دفع ثمن الرفض. ويمكن فهم هذا بقراءة الحالة السودانية، فحتى من صنعهم البشير على عينه عندما وجدوا الجماهير في الشوارع، قرروا التضحية به لحماية أنفسهم، وهذه طبيعة بشرية، فحتى حميدتي صناعة الرئيس؛ باع الرئيس وتكلم بلسان الثورة!
اختيار يوم 11 تشرين الثاني/ نوفمبر وان ارتبط بتاريخ فشل ما سمي بثورة الغلابة، إلا إنه اختيار موفق، فالعالم سيكون حاضراً في قمة المناخ، مما يجعل من استخدام القوة المفرطة في مواجهة حشود بشرية أمراً مستبعداً، لكن القصة في الحشود

والمؤسسة العسكرية لا تحكم، فمن يحكم هو السيسي، وتجربة حكم المؤسسة كانت في بداية ثورة يوليو 1952 من خلال مجلس قيادة الثورة، الذي تم اختزاله في مجلس الرئاسة بعد ذلك، ثم أنهاه عبد الناصر وانفرد بالحكم. والمؤسسة التي لا تحكم لا تنقلب، وحركة صغار الرتب لا يكتب لها النجاح دائماً، فنجح ثوار يوليو وفشل ثوار سلاح الفرسان!

ويقيناً فلو خرج الملايين للشوارع فلن تكون المواجهة سوى لوقت قصير، فاذا أيقنت مؤسسات القوة من الإصرار على الاستمرار فلن ترتكب من الأفعال ما يجعلها في المواجهة مهما كانت حظوظها من الحكم القائم!

واختيار يوم 11 تشرين الثاني/ نوفمبر وان ارتبط بتاريخ فشل ما سمي بثورة الغلابة، إلا إنه اختيار موفق، فالعالم سيكون حاضراً في قمة المناخ، مما يجعل من استخدام القوة المفرطة في مواجهة حشود بشرية أمراً مستبعداً، لكن القصة في الحشود، فمن أين للدعاة بها؟!

إن "التكة" التي تقوم بها الجماهير العادية، تحتاج إلى طليعة ثورية ليست موجودة، فالحشد لا يقدر عليه الآن سوى الإخوان، لكن الإخوان وحدهم لا يمكنهم القيام بثورة، لأنه ستتم استباحتهم وبرضا العالم، أو تجاهله، ولا بد من حضور قوى مدنية في المشهد؛ إن يكونوا ألفاً فإن تأثيرهم كمائة ألف، تماماً مثل صيغة ثورة يناير!
الإخوان ليسوا مستعدين منذ 2015 لشيء من هذا، والقوى المدنية ليس لديها استعداد للمغامرة، والرهان على البسطاء محفوف بالمخاطر، سيخرجون حتما إذا خرجت الطليعة الثورية، وسيسبقونها بعد ذلك في كل شيء، لكنهم لن ينوبوا عنها في الحضور المبكر

والفرصة الوحيدة التي لم ينتهزها الإخوان هي يوم الأرض، إذ كان انتفاضة القوى المدنية في حدود خمسة آلاف متظاهر، فلو حضر تحت لافتتهم عشرون ألفا ممن يقدرون على الحشد لكان يوماً عظيماً. ورأينا كيف أن الإدارة الأمريكية تحركت بشكل مبكر وقالت إنها تنظر للأمر عن كثب، فكانت فعلة خالد علي، وما أحدثته من انسحاب غير منظم، مكّن الأمن من القبض على عدد من المتظاهرين والتنكيل بهم!

الإخوان ليسوا مستعدين منذ 2015 لشيء من هذا، والقوى المدنية ليس لديها استعداد للمغامرة، والرهان على البسطاء محفوف بالمخاطر، سيخرجون حتما إذا خرجت الطليعة الثورية، وسيسبقونها بعد ذلك في كل شيء، لكنهم لن ينوبوا عنها في الحضور المبكر. ولكي يسبق العامة فلا بد من شرارة أولى لحدث ما تندلع على إثره مظاهرات ستلحق بها النخبة، لكن فكرتها تتنافى مع منطق الدعوة المسبقة!

لا أدعو لشيء، ولا أدخل في مناكفات مع الدعاة الجدد، لكني فقط أضع النقاط فوق الحروف!

 

twitter.com/selimazouz1
التعليقات (2)
الصعيدي المصري
الثلاثاء، 18-10-2022 06:55 م
ستندلع ثورة وتحرق الانقلاب في يوم .. لايفرق عن بقية الايام .. انها عود الثقاب الذي سيصادف تسريب لغاز .. مصر تستحق احسن بكثير من حكم ذلك الاخرق الغبي المجرم
أبو احمد
الثلاثاء، 18-10-2022 05:07 ص
الطليعة الثورية موجودة يا استاذ سليم من يوم ما جاء هذا الهلفوت والشرارة كل يوم بنسمع عنها بس للآن لم يستغلها أحد فقد ظهرت هذه الطليعة والشرارة يوم الأرض زي ما بتقول وما زالت مستمرة في الوراق وحين وفاة الشيخ الجليل أسامة عبد العظيم الله يرحمه مؤخرا ... ناهيك عن انتشار الانتحار المباشر والغير مباشر بين الناس بسبب إنعدام الأمل في المستقبل وانتشار الظلم الذي أصبح بلاحدود هؤلاء المنتحرون لو تم تجميعهم وتوجههم بالشكل الصحيح لكفو إشعال مئة ثورة....بس نقول إيه لمشايخنا الذين يتركون هذه الشرارة تأكلها النار في جهنم يوم الحساب (لخوفهم من قول كلمة حق عند إمام ظالم ) والله غالب على أمره