قضايا وآراء

الإنسان في القرآن (21): الهجرةُ لتحريرِ الإنسان

أحمد أبو رتيمة
- الأناضول
- الأناضول
يلفتُ المتدبِّرَ في القرآنِ كثافةُ تكرارِ معنى الهجرةِ حتى يرتسمَ تصوُّرٌ أنَّ الأصلَ في الإنسانِ هو حالةُ الحركةِ والهجرةِ والسَّيرِ في الأرضِ وليس السكون.

يخرجُ إبراهيمُ الذي جعله الله للنَّاسِ إماماً مهاجراً إلى ربِّه فيفارقَ البلدَ الذي نشأَ فيه: "وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي" (العنكبوت: 26).. لكنَّ موطنَه الجديدَ في فلسطين لا يعني نهايةَ الحركةِ وأنَّه سينعم باستقرارٍ دائمٍ، إذ يفارق هذا الاستقرار مرةً أخرى حين يترك أهله في وادٍ غير ذي زرعٍ: "رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ" (إبراهيم: 37).

ويوسف كان في حالة استقرارٍ وسكونٍ مع والدِه يعقوب عليهما السلام، وقد تعلَّق قلبُ يعقوب به حتى صار أيُّ ابتعادٍ له مصدرَ حزنٍ: "قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ.."، لكنَّ قدرَ الله اقتضى إبعادَ يوسف عنه ليكون ابتلاءً لكليهما..

فأمَّا يوسف فقد هيَّأت له الهجرة، وهي كرهٌ له، طريق التمكين التي لم يكن لينالها لو بقي في البدو مستقرَّاً مع أبيه: "وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ" (يوسف: 21).. وأمَّا ابتلاء يعقوب فقد كان أن يتحرر قلبه من التعلُّقِ وأن تكتمل تربيته الروحيَّة.

وموسى عليه السَّلام اقتضت تهيئته لرسالتِه في دعوةِ فرعونَ أن يفارقَ الأرضَ التي نشأ فيها: "فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ" (القصص: 21-22).

في الحركةِ تفتُّح السُّبل، لذلك تحرَّك موسى أولاً ثمَّ توجه إلى اللهِ أن يهديه سواء السبيل. كان لبوث موسى سنينَ في مدين مقتضىً لإنضاجِ روحِه ولتتهيَّأ نفسُه للرسالة الثقيلة التي يعدُّه اللهُ لها: "فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (طه: 40)، ثمَّ اقتضت حركةُ التاريخ وسنَّة التدافعِ بين الناسِ أن يخرج شعبٌ كاملٌ وهم بنو إسرائيل من الأرض التي ولدوا وعاشوا فيها في سبيلِ نجاتِهم من فرعون.

ووجود بني إسرائيل ذاته في مصر كان أصلاً نتيجة هجرة يوسف ثم لحاق أبيه وإخوته به، فالهجرة تحرِّك الاجتماع البشريَّ وتعرِّف الشعوب بعضهم على بعضٍ وتساعدهم في مغادرة جدرانهم العازلة.

الإنسانُ في التصوُّرِ القرآنيِّ هو في حالةِ حركةٍ سواءً لغاية التعلُّمِ كما فعل موسى حين خرج باحثاً عن العبدِ الصَّالحِ: "وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً (الكهف: 60)، أو لغايةِ الإصلاحِ وإقامةِ العدلِ في الأرضِ كما فعل ذو القرنين: "حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ"، "حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ".

والرسولُ محمَّدٌ صلى الله عليه وسلَّم كان يودُّ لو أنَّه ظلَّ في وئامٍ معَ قومِه ولم يكن يتخيَّلُ أن يضطرَّ يوماً إلى الهجرةِ من البلدِ التي أحبَّها، فقال متعجِّباً حين أخبره ورقة بن نوفل في مستهلِّ دعوتِه أنَّ قومَه سيخرجونه: "أوَ مخرجيَّ هم!".

لكنَّ قدرَ اللهِ في التاريخِ لا يمضي تبعاً لأهواء البشرِ حتى لو كان هؤلاء البشر هم صفوة عبادِه من المرسلين، فكتب الله عليه الهجرةِ من بلدِه: "وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (الأنفال: 30)، فكانت هجرته إلى المدينة سبباً في ولادةِ الأمَّة الجديدة وتشكُّلِ هويَّتِها وانطلاقها في الأرض..

لماذا قدَّر اللهُ لإبراهيم ويوسف وموسى ومحمد أن تزهر دعواتهم بعيداً عن قراهم التي نشأوا فيها؟ لماذا كانت الحاجة إلى هذا العناء وتذوق مرارة الهجرة والمفارقة قبل أن ينصرهم الله ويتمَّ وعده لهم؟

مركزيَّةُ معنى "الهجرةِ" في القرآنِ لا تظهرُ في كثافةِ ذكرِ أمثالِ الهجرةِ من قصصِ الرسلِ والمؤمنين وحسبُ، بل يظهرُ بالأمرِ المباشرِ للناسِ بالهجرةِ إذا وقعَ عليهم ظلمٌ وتضييقٌ في سبُلِ العيشِ يخشون منه الفتنةَ، بل يذهب القرآن أبعدَ من ذلكَ بتوعُّدِ الذين لم يهاجروا واختاروا الفتنةَ بالنَّارِ، والاستثناء في ذلك هو للمستضعفين الذين لا يستطيعون حيلةً ولا يهتدون سبيلاً، أمَّا كلُّ قادرٍ يهتدي سبيلاً إلى مغادرةِ بلدِه إذا وقعت عليه فيها الفتنة والإكراه، فإنَّ الهجرة في حقِّه ليست مجردَ اختيارٍ بل فرضٌ عليه:

- "إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً (97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُواً غَفُوراً (99) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (النساء: 97-100).

- "يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ" (العنكبوت: 56).

دلالة تعبير "أرض الله واسعة" أنَ القرآن يجعل قضيَّته المركزيَّة الإنسان، ولا يقرُّ طريقة الانغلاقِ في حدودٍ ضيِّقةٍ من الجغرافيا والثقافةِ، فالأرضُ كلُّها ميدان حركةِ الإنسانِ، والغايةُ المنشودة من الإنسانِ هي أن يعبدَ اللهَ وحدَه، وعبادةُ اللهِ وحدَه تعني تحرُّرَه من كلِّ قوى الاستعبادِ والإكراهِ التي تفتنه عن إيمانِه.

حين يذكر القرآنُ الفقراءَ في سورةِ البقرةِ يذكرهم بصفة أنهم لا يستطيعون السفر: "لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ.." (البقرة: 273).

هذا الوصف يدلُّ على أنَّ الحالةَ الطبيعيَّة للإنسانِ هي السفر والحركة، حتى إنَّ الاستثناء اللافت الذي يذكره القرآنُ هو أن يكون هناك من لا يستطيعُ السفر!

وتظهر مركزيَّة معنى الحركة في التشريعاتِ القرآنيَّة، إذ إنَّ أحدَ أهمِّ مصارفِ الصدقاتِ هو ابن السبيل: "قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ" (البقرة: 215).

وابن السبيل هو المسافر الذي انقطعت نفقته، وما كان ليظهر إلا بفعل حركة الإنسانِ الدائمة وابتعاده عن موطنِه.

وفي تشريع الصيام فإنَّ السفر عذرٌ للتخفيف: "فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ".

والسفرُ من أعذار التيسير في الصلاة أيضاً: "وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ..".

والضرب في الأرض كان من مسوِّغاتِ التيسير في قيامِ الليلِ أيضاً: "عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ" (المزمل: 20).

الهجرةُ في حقيقتِها قبل أن تعني الانتقالَ من حيِّز المكانِ، فهي تعني مفارقةَ أحوال السكونِ إلى أحوالِ الحركةِ، فالهجرةُ المكانيَّة ليست سوى الصورة الحسيَّةِ للحركةِ في داخلِ نفسِ الإنسان، وهذه الحقيقة النفسيَّةُ لمعنى الهجرةِ نلحظها في مستهلِّ سورة الأنفال:

"كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (6) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ" (الأنفال: 5-7).

البيت هو رمزُ السكونِ، والرغبة الإنسانيَّة تميل إلى السكونِ والاستقرارِ، لذلك أشارت الآية إلى كراهية المؤمنين لهذا الإخراج، ثمَّ تُبيِّن الآيةُ التالية حقيقةً نفسيَّةً في الناسِ وهي أنَّهم يودُّون أنَّ غير ذات الشوكة تكون لهم، أي أنَّهم يؤثرون الخياراتِ اليسيرة التي لا تنال من استقرارِهم وراحتهم. لكنَّ هذه الرغبة البشرية مقهورةٌ بإرادةٍ إلهيَّةٍ أعلى وهي إمضاء قانون "أن يحقَّ الحقَّ بكلماتِه"، وإحقاق الحقِّ لا يكونُ إلَّا بالحركةِ والتدافعِ. هذه المعاني ليست قاصرةً على خصوص سبب هذه الآياتِ، إنما تشملُ قانوناً عامَّاً متكرراً في النفس والاجتماع عبر التاريخ.

الاستقرارُ والسُّكون يحقِّقُ راحةً لكنَّها راحةٌ قصيرةٌ تناقض مقصد الله من خلقِ الإنسانِ وتناقض قوانين الطبيعةِ، فالحياة في الأرض مقدَّرةٌ للتغيُّرِ وليس للثباتِ: "إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ" (يونُس: 7).

فمن هاجر كان متوافقاً مع سنَّةِ اللهِ فيحقِّق طمأنينته الداخلية من خلال الحركة، ومن تمسَّك بالاستقرارِ وقاوم الحركةَ فإنَّ عوامل الزمن والفناءِ والتغيُّر ستجري عليه وهو في مكانِه، وستتبدل عليه الأحوال وتموتُ إرادة الحياة والنشاطِ فيه فيكتشف وهمه حين رفض التجدُّد والحركة: "أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ".

السكونُ ينتهي بالإنسانِ إلى الموتِ، يصحُّ هذا في مستوى الأفرادِ والجماعاتِ، فالإنسانُ الذي لا يغادر أوضاع السكون في حياته فيعيشَ في نفس المكان ويجالس نفس الأصحاب ويكرِّر نفس العملِ طوال عمره، فإنَّه يميل بعد حينٍ من الدهرِ إلى الجمودِ والانطفاءِ ويفقد أيَّ دافعٍ للتجدُّدِ ويعجز عن تنشيطِ عقلِه، لذلك تفطَّنت أنظمة الإدارة إلى ضرورة تبديل مواقع العملِ والمناصب بعد دورةٍ أو دورتين لتبثَّ روحاً جديدةً في العمل والإنتاج.

والمجموعات البشريَّة التي لا تتجدَّد تنطفئ فيها الروح وتتخللها الرتابة والجمود وتتوجس خيفةً من أيِّ فكرةٍ غير تقليديةٍ، فيقاومون الدعواتِ الجديدةَ ويحاربونها وهو إعلان موتٍ لهذه المجموعات، لذلك فإنَّ دعوات الرسل في جوهرها هي دعوةٌ إلى التجدُّد الروحيِّ لأنَّها تدعو الأمم إلى مفارقة الموروثات والمألوفات: "أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم".

الهجرةُ تحقِّقُ مقصد التوحيدِ، لأنَّ الذي يسكن في مكانه ولا يغادر مألوفاتِه فإنَّ قلبه يتعلَّقُ بهذه المألوفات، فلا يتصوَّر الحياةَ إلا معتمداً عليها، وهذه هي عبادة الأصنامِ، فالأصنام رمز الجمودِ، أمَّا الهجرة فهي حالةٌ مستمرَّةٌ من التغيُّر في الأماكن وأنماط العيش والأصحاب فلا يتعلق قلب المهاجرِ بالمألوفاتِ مثل تعلُّقِ الساكنِ. وهذه الحالة من عدم تعلُّقِ القلب تعني توحيد الله والتعلُّقَ به وحده وتوطين النفس دائماً على التغيُّرِ والمفارقةِ، وهذه هي الحريَّة، ألا يتعلق الإنسان بحالةٍ وهيئةٍ ومكانٍ وشخصٍ، والتوحيد هو عين الحريَّة.

حين ننظرُ في قصص التاريخ فإنَّ الهجرة كانت دائماً شرطَ التجدُّد والنموِّ، ولعلَّنا نقرأ إشارةً رمزيَّةً في آية سورة البقرة: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ" (البقرة: 243).

إنَّ كثيراً من الشعوب خرجوا من ديارهم حذر الموت مثل الشعب الفلسطينيِّ والشعب السوريِّ والشعب العراقيِّ في زمانِنا الحديث، لكنَّ هجرتهم كانت سبباً في مخالطة شعوب العالَم وتجدُّدِ قوى الحياةِ في تلك الشعوب، ونحن نرى اليوم مئاتِ الآلاف من هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت وقد خالطوا مجتمعاتٍ جديدةً وتعارفوا فيها على الناسِ وأبدعوا في العلم والعملِ والعطاءِ، ولو أنَّهم بقوا في بلادهم لضمروا وماتوا، لذلك فإنَّ الهجرة سببٌ في إحياءِ الناسِ روحيَّاً بعدَ الموتِ والضمورِ في المجتمعاتِ المنغلقة.

لذلك كان التدافعُ سنَّةً إلهيَّةً حتى لا تفسدَ الأرضُ: "وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ..".

إنَّ مدافعةَ الناس بعضهم بعضاً يستثير فيهم القوى الكامنةَ للحركةِ والنشاطِ والإبداعِ، والإنسان إذا توفرت له كلُّ أسبابِ الراحةِ والسكونِ فإنَّه يتكاسل ويخبو، أمَّا إذا فرضت عليه ظروفُ التحدِّي ومغادرة أحوال الراحة فإنَّ روحه تنشط ويقوى دافعُه إلى العملِ وتحقيق غاية وجوده في الأرض وعمرانِها، وبهذا المعنى نفهم النظرية الشهيرة للمؤرخ أرنولد توينبي "التحدِّي والاستجابة" أن الحضارات لم تنشأ إلا في ظروفٍ من التحدِّي التي تستفزُّ طاقاتِ الإبداع.

".. وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ" (البقرة: 251).

twitter.com/aburtema
التعليقات (1)
حسام أهل
السبت، 22-07-2023 06:03 م
""التحدِّي والاستجابة" أن الحضارات لم تنشأ إلا في ظروفٍ من التحدِّي التي تستفزُّ طاقاتِ الإبداع."