سياسة عربية

هل يصمد قضاة مجلس الدولة المصري أمام تعديلات الدستور؟

وصف قانونيون ومختصون المذكرة التي أرسلها نادي قضاة مجلس الدولة بمصر لمجلس النواب، بأنها صحوة متأخرة- فيسبوك

وصف قانونيون ومختصون المذكرة التي أرسلها نادي قضاة مجلس الدولة بمصر لمجلس النواب، وأعلنوا فيها رفضهم للمواد المتعلقة بالسلطة القضائية في التعديلات الدستورية التي يناقشها البرلمان، بأنها صحوة متأخرة، ولكنها في الوقت نفسه تمثل جرس إنذار بأن صداما متوقعا يمكن أن يحدث بين نظام الانقلاب العسكري وبين القضاء.

وأكد الخبراء الذين تحدثوا لـ "عربي21" أن المذكرة كشفت عن حالة غضب متزايد لدى القضاة من تزايد تغول السلطة التنفيذية عليها، وهو ما يخالف الفلسفات التي تعارفت عليها الدساتير المصرية بدءا من دستور شريف باشا بعد الثورة العرابية، وحتى دستور 2014.

ويرى الخبراء أن المذكرة تمثل أول اعتراف وموقف رسمي من هيئة قضائية رسمية ترى أن التعديلات تهدم ما تبقى من استقلال القضاء، وتجعلها أحد المرافق التابعة للدولة تتحكم فيها كيفما تشاء، على خلاف ما سبق وأن أعلنه نادي قضاة مصر بأن التعديلات تمثل تطلعات القضاة.

وكان رئيس مجلس النواب علي عبد العال، تلقى مذكرة رسمية من المستشار سمير يوسف البهي، نائب رئيس مجلس الدولة ورئيس مجلس إدارة نادي قضاة مجلس الدولة، تصف التعديلات الدستورية بعبارات قاسية، وأنها تقضي على ما تبقى للقضاء من استقلال. وحسب وصف المذكرة، فإن التعديلات تحول القضاء إلى "مزعا مزقا، ومرفقا تديره السلطة التنفيذية".

وأشارت المذكرة التي تم التكتم عليها أثناء جلسات الحوار المجتمعي التي شهدها البرلمان على مدار الأسبوعين الماضيين، أن المقترحات أسرفت في هدم استقلال القضاء، وأفرطت في النيل منه، ما جعل التواني في دحضها مذموم، وذنبا غير مغفور.

 

اقرأ أيضا: رسالة غضب من قضاة بمصر: تعديل الدستور يهدم استقلالنا (وثيقة)

وأضافت المذكرة، أن القضاء المستقل لا يوفر فقط للمواطن الطمأنينة على حريته وعرضه وماله، وإنما يؤمن الحاكم كذلك، ومن شأنه أن ينشر الأمن على ربوع البلاد، ويوفر للأمة فرص استمرار وجودها، ويصد عنها النكبات والكوارث.

واعتبر نادي قضاة مجلس الدولة، بأن الهدف من التعديلات المقترحة إحكام السيطرة على القضاء، وأن استمرار مناقشتها تجعل القضاة غير مطمئنين على استقلالهم في أداء رسالتهم بالحكم العدل بين المتخاصمين.

إبراء للذمة
وفي تعليقه على المذكرة السابقة، يؤكد الخبير الدستوري أحمد الكومي لـ "عربي21" أن مجلس الدولة أكثر هيئات السلطة القضائية ضررا من التعديلات، لأنها سحبت منه اختصاص مراجعة مشروعات القوانين قبل إقرارها، وهو ما كان يعتبره البرلمان والحكومة يمثل عرقلة لماكينة التشريعات التي كانوا يريدون الانتهاء منها.

ويضيف الكومي قائلا: "المذكرة صرخة متأخرة، ولكنها مؤشر على تزايد الغضب لدى القضاة من سيطرة السلطة التنفيذية على منصة العدالة، وهو ما يمثل مذبحة جديدة يشهدها القضاء للمرة الثانية في تاريخ الحكم العسكري، حيث كانت الأولى في عهد جمال عبد الناصر، والثانية الآن في عهد عبد الفتاح السيسي".

وحول ردود الأفعال المتوقعة للقضاة إذا استمرت هذه التعديلات، يؤكد الخبير الدستوري، أن المذكرة أقرب لإبراء الذمة حتى لا يتحدث التاريخ عن تخاذل القضاة في الدفاع عن استقلالهم، لأنه لو كان لدى القضاة نية لاتخاذ موقف رافض والتصعيد ضد النظام لوجهوا الدعوة لعقد جمعيات عمومية طارئة في نواديهم ومحاكمهم، وأجبروا البرلمان والنظام لتعديل التعديلات.

وطبقا للكومي، فإن السيسي بدأ منذ انقلابه في السيطرة على ملف القضاء، وكان قمة انتصاره عندما عين رئيسا لمجلس الدولة على غير رغبة القضاة، لأن مرشحهم المستشار يحيى الدكروري كان صاحب الحكم بمصرية تيران وصنافير، وبالتالي فإن التعديلات مجرد تغليف دستوري وقانوني لسيطرة النظام على القضاء.

ضرر كامل
ويضيف المستشار السابق حمدي المجدلاوي لـ "عربي21" أن القضاة يجنون الآن نتيجة صمتهم على مساوئ الحكم العسكري الذي لم يهتم حتى بمراجعتهم وأخذ رأيهم في التعديلات الخاصة بهم، واكتفى بمجموعة من القضاة الذين صنعتهم الأجهزة الأمنية، وأصبحوا هم رأس الحربة التي يستخدمها نظام السيسي ضد مخالفيه.

ويشير المجدلاوي إلى أن أهم ما يميز استقلال القضاء هو استقلال الموازنة، وحقهم في اختيار من يرأس محاكمهم ونواديهم، سواء بالتوافق أو من خلال الأقدمية، وهي أمور كانت تضمن للقضاء عدم التدخل الحكومي في شؤونه وتحافظ على مسافة تزيد وتقل بين سلطات الدولة الثلاث حسب الأوضاع والأحداث السياسية.

 

اقرأ أيضا: ما هي فرص المعارضة في مصر لإسقاط التعديلات الدستورية؟

ويضيف المستشار السابق قائلا: "لذلك جاءت التعديلات لتقضي على هذه المسافة، وتجبر القضاة لأن يكونوا رهن أمر السلطة التنفيذية بجعل موازنتهم تابعة للحكومة حتى لو كانت في يد وزير العدل، لأنه في النهاية مسؤول حكومي، كما أن الدستور لا ينص أن يتولى وزارة العدل قاضيا، وإنما هو ما جرى عليه العرف، وهذا العرف يمكن أن يتبدل وفقا لهوى النظام".

ويرى المجدلاوي أن كل هيئات ومكونات السلطة القضائية متضررة من التعديلات وليس مجلس الدولة فقط، وأن اعتراض المجلس عليها، لأن المسؤولين عنه مازالوا بعيدا عن سطوة النظام، بخلاف باقي النوادي والهيئات التي سيطر النظام على مجالس إدارتها تحسبا لمثل هذه الأحداث.