قضايا وآراء

المعارضة والوطنية في زمن السيسي

1300x600
تقوم المعارضة بدور مهم وفعّال في الحياة السياسية خصوصاً في الأنظمة الديمقراطية، فهي مظهر من مظاهر التعددية السياسية كما تراقب السلطة الحاكمة وتضمن عدم خروجها عن الصلاحيات الدستورية والقانونية المنصوص عليها. بل إن البعض يذهب إلى أن وجود المعارضة هو دليل على وجود السياسة ذاتها في المجتمع والدولة.

ويتفق علماء السياسة على أن عدم وجود معارضة قوية وفعالة للنظم السياسية المختلفة؛ يعني الاستبداد والسلطوية، وهو ما يعني إقصاء كل الأصوات المطالِبة بالإصلاح والديمقراطية، حتى لو وصل الأمر إلى سجن المخالفين وتشريدهم وقتلهم واستباحة أموالهم وأعراضهم. وقد يؤدي الإغلاق الكامل للمجال العام والسياسي إلى نشوب حالة من الاحتراب الأهلي واللجوء إلى التغيير العنيف ما يمثل تهديدا وجوديا للدولة.

المعارضة والوطنية

تجنح الأنظمة المستبدة السلطوية وإعلامها ذو الصوت الواحد دائما إلى الربط ما بين الحاكم أو السلطة القائمة والدولة. فالحاكم المستبد يرى أنه هو الدولة والدولة هو، فإذا انتقده أحد أو هاجمه أو اعترض على سياساته فهو بذلك يهاجم الدولة والوطن وتُنزع عنه صفة الوطنية، وربما يوصم بالخيانة والعمالة للجهات المعادية.

إن الدولة في العلوم السياسية تتكون من "أرض- شعب- سلطة حكم"، ووظيفة الحاكم أو السلطة باختلاف النظم السياسية هي حماية الأرض وخدمة الشعب والقيام على تطبيق الدستور والقانون على الجميع دون تفرقة. فالحاكم أو السلطة إذاً عنصر من عناصر تكوين الدولة وليس هو الدولة كما يُصور المستبدون وأبواقهم. يعني أنه لا يستطيع أحد إلغاء الشعب والأرض في مقابل جعل الحاكم هو الدولة، إلا في الأنظمة المستبدة الشمولية وإعلامها ذي الصوت الواحد الذي يقلب الحقائق ويُزين الباطل، ويخلع على الحاكم صفات الحكمة والإلهام والبطولة والشجاعة حتى ولو كان سفيها ضعيفا جبانا خائنا (فالقول ما قال الرئيس حتى لو قال اليوم كلاماً وقال عكسه غدا). وربما يصلون به إلى درجة القداسة والنبوة كما حدث مع السيسي، وذلك كله وفق القاعدة الفرعونية القديمة الحديثة "ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد".

المعارضة المصرية في عهد السيسي

دأبت وسائل الإعلام التابعة للسيسي والمخابرات الحربية على وصم المعارضين والرافضين له في الداخل والخارج بالخيانة والعمل ضد مصلحة الوطن والشعب والأمن القومي المصري. فأن تكون معارضا أو رافضا للسيسي وسلطته العسكرية التي جاءت بانقلاب عسكري، وباعت الأرض والمقدرات وارتكبت أفظع الجرائم، وانتهكت كل قانون ودستور، وأضعفت الأمن القومي المصري، ليس معنى ذلك أنك ضد مصلحة الوطن أو الشعب (عدو الوطن أو من أهل الشر) كما يُصور السيسي وإعلامه، فكما أسلفنا من قبل، فإن الحاكم أو السلطة جزء من الدولة وليست هي الدولة، فما بالك بمن اغتصب السلطة بالقوة وجاء على ظهر الدبابة وسفك الدماء وقسّم الشعب؟

المعارضة من داخل مصر

يتغنى أنصار السيسي ووسائل إعلامه بأن المعارضة الشريفة الوطنية تكون من داخل مصر فقط، وأن المعارضين والرافضين في الخارج هم خونة وعملاء يعملون وفق أجندات معادية لمصر وأمنها القومي، رغم أن هؤلاء ما خرجوا إلا فرارا من القمع والبطش والتنكيل وإغلاق كل أبواب التعبير والحرية والحوار. وهنا نطرح سؤالا: هل بالفعل هناك معارضة في داخل مصر؟

الجواب بالطبع لا؛ لأن السيسي وسلطته العسكرية لا يسمحان بوجود رأي آخر، وجميعنا نتذكر ما قاله السيسي "متسمعوش كلام حد غيري"، بل إنهم لا يسمحون بمجرد الحياد أو الصمت. فأن تقف على الحياد أو تصمت يعني أنك ضدهم، فعليك أن تطبل وتُدلس وإلا فالقمع والتنكيل. أضف إلى ذلك أنه لا توجد أصلاً في مصر حياة سياسية ولا أحزاب ولا إعلام حر منذ الانقلاب العسكري في 3 تموز/ يوليو 2013.

والسؤال الآخر: ما هو مصير من يحاول أن يطرح رؤية مغايرة لرؤية السيسي؟

المصير بالطبع هو التنكيل والسجن والتشويه، والدليل ما حدث مع سامي عنان، رئيس أركان الجيش الأسبق، والسفير معصوم مرزوق، والدكتور حازم حسني، والدكتور حسن نافعة، والدكتور يحيي القزاز، وخالد داوود، وزياد العليمي، وحتى المخرج خالد يوسف، وعدد من الإعلاميين وغيرهم، رغم أن غالبية هؤلاء كانوا من المؤيدين للثلاثين من حزيران/ يونيو ومسار الثالث من تموز/ يوليو. إذاً هذا مصير المؤيدين، فما بالك بمن هم غير ذلك؟ أضف إلى ذلك عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين في السجون والمعتقلات ممن يقتلهم السيسي وسلطته بالبطيء، فكيف تكون المعارضة من داخل مصر كما يدّعون إذاً؟

فلا حرية ولا رأي معارضا ولا أحزاب ولا سياسة في مصر العسكر (الرأي رأي السيسي والعسكر فقط)، فلا مجال للمعارضة من داخل مصر المتاح هو المعارضة من الخارج بكل السبل المتاحة.

هل السيسي رجل وطني؟

بالطبع لا.. فمن يُمزق المجتمع ويُقسمه على قاعدة "انتو شعب واحنا شعب.. وليكم رب ولينا رب"، ويُفرط في تيران وصنافير وثروات مصر في شرق المتوسط، ويدمر شمال سيناء ويقتل أهلها ويُهجرهم، ويُوقع على اتفاقية سد النهضة التي أخضعت مصر الكبيرة لإثيوبيا، ويُغرق مصر في الديون، ويملأ السجون والمعتقلات بخيرة شباب مصر ورجالها من العلماء والمفكرين والرموز، ويضع الدستور والقانون تحت بيادته، ويتحول لبطل قومي لإسرائيل.. لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون وطنيا شريفا، وعندئذ تكون معارضته ورفضه والسعي لتخليص مصر منه ومن شروره هي عين الوطنية والشرف بذاته.