قضايا وآراء

الإمارات.. وحلمي الذي هوى

1300x600
حدثان تفصل بينهما خمسون عاما، والأهم أن الحدثين جزء من حياتي وأحلامي. الحدث الأول هو حلمي الذي أعقب التجربة الوحدوية في الخليج بعد انكسار مصر عام 1967، وانهيار هذا الحلم بعد ذلك بخمسين عاما كنت أمني النفس فيها بأن ما أسمعه عن سلوك حكام أبو ظبي في كل المنطقة العربية مجرد إشاعات وحقد على دولة عيّنت في الحكومة وزيرة للسعادة.

وكنت أرقب توغل الإمارات في مصر، ولكني عندما توقفت بالتحليل الأشمل وجدت أنها مكلفة وموجهة لكي تضرب العروبة وتقضي على كل حلم.

وقفت على إعلان ترامب هذا الاتفاق "التاريخي" بين الإمارات وإسرائيل، وعلمت أن الإمارات صارت منذ اغتيال المرحوم المبحوح، في ظل شكوك حول تواطؤ من قائد الشرطة في دبي، مرتعا للصهاينة، ثم يضيق المقام عن تعداد صور تخلي الإمارات عن الطابع العربي الإسلامي في سلوكها ورغبتها الجامحة في إرضاء طرف أجنبي يحقد على الإسلام والعروبة. وكلما تابعت الشيخ العظيم حاكم الشارقة، أتردد في الحكم على حكام أبو ظبي مخافة إحراجه، وهو ذو الأيادي البيضاء على التاريخ والثقافة في مصر والمنطقة.

ففور تخرجي من قسم العلوم السياسية وانتظارا لافتتاح الدراسات العليا، وقد كنت أول من انتظم في هذه الدراسات عام 1969، راقبت بابتهاج إعلان بريطانيا في 16 كانون الثاني/ يناير 1968 خطة الانسحاب من الخليج خلال ثلاث سنوات، فسارعت إمارتا أبو ظبي ودبي إلى إعلان اتحاد بينهما في شباط/ فبراير 1968، ثم أعلن كيسينجر في آذار/ مارس 1968 ما أسماه الاستراتيجية الكبرى، وبذلك حل السلام الأمريكي محل السلام البريطاني (Pax Americana).

ثم تشكل مجلس حكام الإمارات التسع، شاملا الإمارات السبع التي كانت التي تعرف بإمارات الساحل المتصالح (وهي تسمية بريطانية)، بالإضافة إلى قطر والبحرين، فزادت فرحتي لأن جيلي الذي اكتوى بانكسار مصر ودروس الدكتاتورية والحكم العسكري فيها كان يتوق إلى أي تطور يعيد الأمل في مستقبل هذه الأمة.

وبالفعل سجلت رسالة الماجستير بعنوان اتحاد الإمارات العربية، وانتظرت حتى يقر مجلس الحكام في تشرين الأول/ أكتوبر 1970 خطة الاتحاد، فإذا بهذا المجلس ينقسم وتتعثر خطواته، فعلمت أنه لا أمل في إعادة سبك ما انكسر من زجاج عربي. فقررت أن أقدم الرسالة للمناقشة بعد أن أعلنت قطر والبحرين في ربيع 1971 استقلالهما عن بريطانيا. ثم في الأول من ديسمبر في نفس العام أعلنت الإمارات المتصالحة دولة الإمارات العربية المتحدة من ست إمارات، حيث كانت إمارة رأس الخيمة مشتبكة مع إيران حول الجزر العربية الثلاث في مدخل الخليج، وانضمت إلى دولة الاتحاد في شباط/ فبراير 1972.

والغريب أنني رفضت أن أصدر رسالة الماجستير في كتاب منذ ذلك الحين وحتى هذه اللحظة، أملا في أن يلتئم عقد الخليج. وبالفعل كنت أول من كتب عن مجلس التعاون الخليجي الذي يضم الدول الست، ومن بينها دولة الإمارات، وذلك في كتاب صدر في الرياض في أيار/ مايو 1983 بعنوان "الإطار السياسي والقانوني لمجلس التعاون الخليجي"، ثم صرت متخصصا في الخليج، حيث قدمت الكثير من الكتب والدراسات المنشورة في مختلف المجلات العربية. كما استفدت من عملي كدبلوماسي وباحث في شؤون الخليج، حيث عملت في البحرين والرياض وجدة، وتشرفت بإنشاء معهد البحرين للتنمية السياسية منذ سنوات، وزرت خلال هذه المدة كافة دول الخليج، بما في ذلك دولة الإمارات الشقيقة.

والحق أنني لاحظت منذ أكثر من عشر سنوات القفزة الكبرى في دولة الإمارات في اتجاهين؛ الأول عمراني واستثماري، حيث تمكنت الإمارات من حيازة الكثير من المشروعات في مصر التي صارت أقرب إلى دول الخليج، لدرجة أن أماكن انتظار السيارات في مطار القاهرة قد وكل إلى شركة خليجية بسبب خبرتها في رعاية السيارات، وهي خبرة لقيت هوى عند المسؤولين في مصر، فرفعت الشركة رسوم الانتظار من خمسة جنيهات إلى عشرين جنيها، بسبب ارتفاع تكاليف الرفاهية التي تتمتع بها سياراتنا في المطار.

أما الاتجاه الثاني الذي قفزت فيه الإمارات فكان قفزة غير مسبوقة واستثمارا لأموالها الطائلة التي كان يمكن أن تنهض الأمة الاسلامية والعربية بسببها؛ في التدخل في كل الدول العربية (مصر وتونس والمغرب والجزائر وليبيا وقطر ولبنان وسوريا والعراق، وربما الصومال وجيبوتي والسودان). فلم تترك الإمارات دولة إلا تركت فيها بصماتها، وخصوصا اليمن التي ندعو الله أن يحفظه من مؤامرات الإمارات. ومن الواضح أن سكان الإمارات لا يتجاوزون 3 في المئة من مجموع السكان في العالم العربي، ولكن أموال الإمارات كان يمكن أن تقيم أود كل العرب، ولذلك وجهت الإمارات لكي تتوج هذا الاتجاه بالانفتاح على إسرائيل والمساهمة في مزاد بيع فلسطين.

صدمتي كبيرة، حيث كنت أتمنى أن تكون التجربة الوحدوية في الإمارات، مثلما كانت التجربة في المملكة السعودية، دعما للمنظمات الإقليمية وشبه الإقليمية، وتعزيزا للتضامن العربي من أجل الحقوق العربية.

ورحم الله الجيل الذي كان يدرك أن الخليج والجزيرة هما أصل العرب، وعفا الله عن الجيل الحالي الذي بدد إرث الأجداد في إضاعة العروبة والإسلام. ولكني واثق من أن هذه موجة سطحية من موجات الحرارة القادمة من شبه القارة الهندية.

وبهذه المناسبة أشير إلى الأسى من شيء في صدري، مع الاعتذار لصاحب البرنامج على قناة التلفزيون العربي، كيف يبدد الحكام العرب الأموال العربية في تمويل حملات نتنياهو وساركوزي ورئيس وزراء إيطاليا؟ ولن أفصح عن المزيد منعا للإحراج، بل إنني أحمل أكبر دولة عربية خليجية مسؤولية العار الذي لحق بإسبانيا كلها، حيث كانت الرشوة لملك إسبانيا سببا لنفيه وإبعاده (إلى أبو ظبي!) مقهورا مدحورا، مخلفا العار لنجله الشاب، رغم خدماته العظمى على مدى أربعين عاما وإخراجه إسبانيا من دكتاتورية فرانكو.. إلا أن أوروبا لا تتسامح عندما تفسد دولة خليجية الذمة المالية لأحد ملوكها، فلا نامت أعين الجبناء.

والغريب أن يتم التدليس على الرأي العام العربي، بالزعم بأن اتفاق الإمارات مع إسرائيل تاريخي ولصالح القضية الفلسطينية، وأن الإمارات أجّلت بالاتفاق ضم إسرائيل للضفة. والحق أنه يجب التوقف لفرز الذئاب الصهيونية والحملان العربية، ولا تزال الشعوب ووعيها صمام الأمان لهوية المنطقة العربية. وسوف نعمد إلى تعزيز الوعي الشعبي في مقالات متلاحقة.