تقارير

ذكرى أكثر المذابح بشاعة منذ الحرب العالمية الثانية (1من2)

"صبرا وشاتيلا" وصفها الصحافي البريطاني فيسك بأنها أفظع عمل إرهابي في تاريخ الشرق الأوسط الحديث ـ أرشيف

يوم أسود في تاريخ الأمة العربية والذاكرة الفلسطينية الرطبة التي ما زالت تعيش حتى اللحظة مجزرة مفتوحة على الدم والمعاناة والشهداء منذ أكثر من 100 عام. 

في الذكرى الـ38 لأحدى أكبر المجازر التي وقعت ضد الشعب الفلسطيني في الشتات منذ أن شهد الصراع العربي-الإسرائيلي شرارته الأولى، كان العالم في 16 أيلول/ سبتمبر عام 1982 على موعد مع التوحش والهمجية بأبشع صورها حين دخلت مليشيات "الكتائب" اللبنانية بمساعدة الجيش الإسرائيلي إلى مخيم اللاجئين الفلسطينيين صبرا وشاتيلا غربي بيروت وقتلت بدم بارد ما بين 800 و3500 شخص من سكان المخيم، وما زالت أعداد كبيرة من المفقودين إلى الآن ولم يعرف أين ذهبوا. 

صبرا المخيم الواقع في محافظة جبل لبنان، تحده مدينة بيروت من الشمال، والمدينة الرياضية من الغرب، ومدافن الشهداء من الشرق، ومخيم شاتيلا من الجنوب. 

كانت تسكنه نسبة كبيرة من الفلسطينيين، لكنه لا يعد مخيما رسميا للاجئين رغم ارتباط اسمه بشاتيلا الذي يعد مخيما دائما للاجئين إذ أسسته وكالة غوث وتشغيل اللاجئين التابعة للأمم المتحدة (الأونروا) عام 1949، لإيواء المئات من الذين تدفقوا إليه من قرى شمال فلسطين بعد النكبة. 

الجيش الإسرائيلي يخرق "تعهدات حبيب" 

جاءت مجزرة صبرا وشاتيلا بعد اجتياح الجيش الإسرائيلي للبنان، وتعرض المخيم لقصف متواصل خلف دمارا هائلا وضحايا بالعشرات على مدار 88 يوما من الحرب والحصار لـبيروت ومخيماتها. 

وبدأت مقدمات المجزرة يومي 13 و14 من أيلول (سبتمبر) 1982 عندما تقدمت القوات الإسرائيلية المحمية بغطاء جوي كثيف إلى داخل العاصمة بيروت بعد أن غادرها مقاتلو منظمة التحرير الفلسطينية، ونشرت عشرات الدبابات على أطراف مخيم صبرا وشاتيلا فأحكمت حصارها على المخيم، وذلك إثر اغتيال الرئيس اللبناني بشير الجميل يوم 14 أيلول (سبتمبر) قائد "الكتائب". 

 



وخرق جيش الاحتلال بذلك اتفاق المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي آنذاك رونالد ريغان إلى الشرق الأوسط فيليب حبيب، وهو أول اتفاق رسمي بين منظمة التحرير والحكومة الإسرائيلية ووقعه الطرفان في 24 يوليو (تموز) عام 1981. 

ونص الاتفاق على وقف إطلاق النار بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وانسحاب مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية مقابل التعهد بحماية المخيمات واللاجئين في لبنان، وعدم دخول الجيش الإسرائيلي لبيروت مع نشر قوات متعددة الجنسيات لضمان ذلك. 

جرت المذبحة تحت أعين الجيش الإسرائيلي الذي كان يسيطر على غرب بيروت وقتها والمسؤول عن حراسة مداخل المخيمات، كما أنه قام بإشعال الأضواء ليلا لترشد حلفاءه من "الكتائب" المارونية لارتكاب الجريمة ومنع هروب أهالي المخيم. 

الجيش الإسرائيلي يحاصر المخيم 

يجمع أهالي المنطقة، الناجون من المذبحة، على أن الحصار الإسرائيلي فرض لتمهيد السبل لارتكاب المجزرة. وهذا ما يؤكده عدد كبير من الخبراء والصحفيين الأجانب الذين زاروا المنطقة بعد المجزرة، واطلعوا على المواقع التي تواجد فيها جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي. 

تحت جنح الظلام دخلت 30 شاحنة محملة بنحو 320 شخصا، شكلوا أربع عصابات كانوا من أكثر المليشيات دموية ووحشية، كانوا بلا مشاعر وبقلوب متحجرة. 

حوصر المخيمان بشكل كامل من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي الذي كان تحت قيادة وزير الدفاع الإسرائيلي أرييل شارون، ورئيس أركان جيش الاحتلال ورفائيل إيتان، أما بالنسبة لقيادة "قوات الكتائب" فقد كانت تحت إمرة إيلي حبيقة الذي أصبح فيما بعد عضوا في البرلمان اللبناني لفترة طويلة ووزيرا عام 1990. 

 


دخل القتلة إلى المخيم ونفذوا مجزرتهم بدم بارد ودون أية نوع من أنواع الرحمة والشفقة، استخدمت فيها الأسلحة البيضاء وغيرها من الأسلحة الأخرى في عمليات القتل لسكان المخيم العزل، وقد تمثّلت مهمة قوات الاحتلال الإسرائيلي في محاصرة المخيم وإنارته بالقنابل المضيئة لتسهيل المهمة. 

وفي صبيحة اليوم التالي اشتدت المذبحة وبلغت ذروة الوحشية في المنطقة المحيطة بمستشفى غزة، ثم هدأت حتى توقفت أخيرا بعد أكثر من 36 ساعة من القتل. من مساء يوم 16 إلى صباح يوم 18 أيلول (سبتمبر) 1982 ضد اللاجئين الفلسطينيين في مخيم صبرا وشاتيلا. 
 
اليوم الأول: حمام الدم
 
بحسب الشهادات التي جمعت بعد المجزرة، فإن المذبحة بدأت بين الساعة الخامسة والساعة السادسة والنصف من مساء يوم الخميس، 16 أيلول (سبتمبر). ويأتي هذا الفارق لعدة أسباب، أهمها، أن بعض الشهود رأوا " الكتائب" وهي تتجمع في المنطقة المحيطة، وتتأهب للدخول، وبعضهم تفاجأ بهذه القوات وهي داخل أحياء المخيم. 

المواجهة مع الجنود الإسرائيليين كانت قد انتهت قبل دخول "الكتائب"، واستمر القصف الإسرائيلي المدفعي للمنطقة طوال نهار الخميس، الأمر الذي أخلى كافة الشوارع من المارة، واعتقد سكان المخيم أن القصف الإسرائيلي هو "الحدث المركزي" لذلك اليوم، فقد اعتادوا عليه خلال حصار بيروت، ولم يعلم المواطنون ما تخبئه لهم الساعات القليلة القريبة، فانتظروا بفارغ الصبر انتهاء القصف، وعودة الأمور "إلى طبيعتها". 

 



يروي شهود العيان، أن ساعات المساء حملت إلى المخيم عددا كبيرا من المركبات العسكرية لـ"قوات الكتائب" وأكد شهود العيان أن عددا من المركبات العسكرية الإسرائيلية كانت تسير مع المركبات الكتائبية. 

مع غروب شمس الخميس، تجمع المسلحون قبل دخولهم المخيم بجانب مقر القيادة العسكرية الإسرائيلية القريب. وبدأ المسلحون بدخول البيوت في المخيم، وبدأ السكان المحيطون بالمنطقة التي دخلها المسلحون أولا، يسمعون صوت إطلاق الرصاص، وأصوات العويل والصراخ والبكاء. وتقول شاهدات عيان إن قسما من المسلحين بدأ يضرب الشيوخ والنساء والأطفال ويلقيهم أرضا، والبعض الآخر بدأ بالتفتيش عن "صبايا حلوات" كما قال أحد المجرمين لزميله، أما البقية فقد بدأت بإطلاق الرصاص دون تفرقة، في جميع الجهات، وترافق إطلاق الرصاص بصراخ همجي وحشي "موتوا يا إرهابيين". 

وتقول الروايات بأن فرقا من مليشيات "الكتائب" وصلت إلى الملاجئ التي اختبأ بعض من أهلي المخيم فيها، واستغل المجرمون ساعات الليل، وقنابل الإنارة الإسرائيلية، فدخلوا أحياء المخيم، واقتحموا كل بيوتها، بالإضافة إلى تلك المجموعة التي وصلت إلى الملاجئ، وأخرجوا الناس من منازلهم ليلاقوا حتفهم. 

 


بعض الناجين قالوا إن مسلحي "الكتائب" بقروا بطون الحوامل وإن العديد من المسلحين، شاركوا في عمليات اغتصاب جماعية لفتيات من المخيم، قبل قتلهن، دون أن يرمش لهم جفن. 

توجه العديد من سكان مخيم شاتيلا وحي صبرا في تلك الليلة إلى المستشفيات المحيطة بالمخيم، للاحتماء من القصف الإسرائيلي، كما توجه البعض إلى الملاجئ، فكان مصير هؤلاء القتل الجماعي في اليوم التالي للمجزرة. ومع بزوغ فجر يوم الجمعة، 17 أيلول/ سبتمبر، بدأت آثار الجريمة بالتكشف، فقد انتشرت الجثث في الشوارع وفي البيوت، وعرف فيما بعد أن عدد الذين قتلوا في اليوم الأول، كان أكثر من عدد القتلى في اليومين التاليين، وذلك لعدة عوامل، منها هرب قسم كبير إلى الشمال متوجها نحو بيروت، واحتماء قسم آخر في المستشفى أو في السفارة الكويتية القريبة أو بمواقع الجيش اللبناني. 
 
اليوم الثاني: قتل من هم بالملاجئ 

يوم الجمعة، أي يوم المجزرة الثاني، كان حافلا بالنشاط الدموي لمجرمي الحرب القتلة، فقد وصلتهم تعزيزات على شكل قوات إضافية من مليشيا "الكتائب"، فدخلوا المخيم، وأطلق المسلحون في اليوم الثاني للمجزرة، القنابل الفوسفورية على الملاجئ، مطورين بذلك أسلوب القتل، وبالتالي عدد الضحايا، فقضى غالبية من بداخل هذه الملاجئ حرقا، ومن لم يمت وحاول الهرب، انتظره المسلحون في الخارج، وأطلقوا عليه الرصاص. 

في حديث لصحيفة "جيروزالم پوست" الإسرائيلية، أكد عدد من جنود الاحتلال الإسرائيلي، أنهم لم يسمعوا أصوات تبادل إطلاق نار من داخل المخيم، وقالوا إن إطلاق النار كان من طرف واحد. وعلى الرغم من أقوال الجنود الإسرائيليين هذه، إلا أن القوات الإسرائيلية لم تتدخل لمنع المجزرة، بل على العكس، استمر قصفها المتقطع للمخيم، واستمر حصارها حول بعض المداخل، لمنع الفلسطينيين من الهرب. ومع صباح يوم الجمعة، أدخلت إلى المخيم عدة جرافات، عرف فيما بعد أنها لدفن الجثث في قبور جماعية. 

 



واستمرت المجزرة طوال يوم الجمعة، أطول يوم من أيام المجزرة بالساعات، وتواصلت خلال اليوم عمليات القتل الجماعي، إما عن طريق النحر بالسيوف أو عن طريق إطلاق الرصاص أو عن طريق دفن الضحية حيا في الرمال ليموت. واستمرت في هذا اليوم أيضا عمليات النهب والسرقة والاغتصاب. واقتحم أفراد المليشيات المستشفيات، فحاولت طواقم منظمة الصليب الأحمر إخلاء هذه المستشفيات ونجحت في بعض الحالات، إلا أن حالات أخرى انتهت بقتل المرضى والأطباء والممرضين والممرضات، خاصة الفلسطينيين منهم. 
 
اليوم الثالث: عمليات اختطاف واسعة

كان من المفترض أن ينسحب مرتكبو الجريمة صباح يوم السبت، بحسب أقوال جاءت بعد المجزرة على لسان مسؤولين عسكريين إسرائيليين، ادعوا أنهم أصدروا الأوامر لقوات المليشيا بالانسحاب "بعد أن اكتشفوا ما يحدث داخل المخيم"! إلا أن الانسحاب لم يتم، بل استمرت عمليات القتل وتم الانسحاب من داخل المخيم فقط عند ساعات الظهر، ومن منطقة المخيم بأكملها، بعد الظهر.
 
خلال ساعات النهار الثالث، أجبر سكان شاتيلا (من بقي منهم)، وسكان ضاحية صبرا بالخروج إلى شارع شاتيلا الرئيسي، والوقوف على جوانبه، في ما يعرف بـ"المارش الأخير"، وكان هؤلاء السكان شهودا على عمليات قتل واغتصاب، كانت تتم في الشارع، بصورة عشوائية.
 
وتؤكد الشهادات بأن عمليات القتل الجماعي والدفن في القبور الجماعية استمرت خلال ساعات النهار الأولى من يوم المجزرة الثالث، السبت 17 أيلول/ سبتمبر، وتميز اليوم الثالث بعمليات الاختطاف التي قام بها أفراد المليشيا، فاختطفوا عددا من سكان المنطقة، ووضعوهم في الشاحنات، وأخذوهم إلى مصيرهم المجهول، الذي ما زال مجهولا.