بورتريه

حاتم علي.. عاش "التغريبة" مرتين (بورتريه)

حاتم علي بورتريه

أحاط نفسه بنخبة من أهم كتاب الدراما العربية في مقدمتهم وليد سيف. 

وبرؤية بصرية تعتمد اللقطات القريبة والبطيئة، وقلق كاتب القصة، والأداء المسرحي والتلفزيوني الهادئ وغير المتكلف، حفر اسمه بين كبار المبدعين العرب والعالميين، بعد أن نجح، إلى جوار مخرجين وفنانين آخرين، في ترويض الدراما السورية والعربية وتغير وجهتها نحو عوالم لم يألفها المشاهد العربي.  

شكل حالة فنية عابرة للمسميات، وخارج القوالب الفنية التي ذاب وانغمس فيها، فهو: ممثل وكاتب ومخرج ومنتج ومثقف، وصاحب قضية وطنية وإنسانية. 

خاض حاتم علي، المولود عام 1962 في بلدة الفيق في الجولان السوري المحتل عام 1967، تجربة مشابهة لأحداث مسلسل "التغريبة الفلسطينية"، حيث أمضى فترة من عمره نازحا في مخيم اليرموك الذي يبعد عن دمشق نحو 8 كيلومترات، وانعكست التجربة بتفاصيلها على المسلسل، وقدرته على إخراج أيقونة فنية مغمسة بالشغف والدموع. 

حصل حاتم علي على إجازة في الفنون المسرحية من المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق قسم التمثيل عام 1986. ومباشرة بعد تخرجه اندفع بحب كبير نحو الفن، وبدأ بأصل الفنون كلها، المسرح، ككاتب لعدد من النصوص المسرحية والدرامية والقصص القصيرة. 

دخوله لعالم التمثيل كان على يد رفيق مسيرته الفنية هيثم حقي، الذي أسند إليه دورا في مسلسل "دائرة النار" عام 1988. 

تعاونه المثمر مع حقي، لفت إليه نظر الفنان السوري المعروف ياسر العظمة، فأسند إليه إخراج مسلسله الناقد والمتهكم "مرايا" لموسمين كاملين. 

توالت بعدها مشاركاته في الأعمال الدرامية التي جسد فيها شخصيات متنوعة بين الأدوار التاريخية والبدوية إلى الشخصيات المعاصرة بأنماط متعددة. ومنها: "هجرة القلوب إلى القلوب"، و"الخشاش"، و"أبو كامل 2"، و"الجوارح"، و"العبابيد". 

لكن النقلة الكبرى في مسيرته الفنية كانت دخوله عالم الإخراج التلفزيوني في منتصف التسعينيات، حيث قدم عددا كبيرا من الأفلام التلفزيونية الروائية الطويلة والمسلسلات، وفي مرحلة متقدمة قدم مجموعة من المسلسلات الاجتماعية والتاريخية، ومن أهمها مسلسل "الزير سالم" والذي يعد نقطة تحول في مهنته ومسيرته الذي اقتبسه عن مخطوط للكاتب الراحل ممدوح عدوان. 

وحاول علي في هذا المسلسل تقديم إحدى السير المؤثرة في التراث الشعبي عبر دراما تلفزيونية، وهي سيرة الشاعر وأحد أبطال العرب قبل الإسلام: المهلهل ابن ربيعة والملقب بالزير سالم، ومغامرات فروسيته خلال حرب البسوس.

 

كذلك "الثلاثية الأندلسية" ضمن سلسلة مسلسلات تحكي عن تاريخ المسلمين في الأندلس، وضمت "صقر قريش" و"ربيع قرطبة" و"ملوك الطوائف". واعتبرت شراكة إبداعية مع الكاتب الأردني المعروف وليد سيف. 

ولا يوجد رابط بين هذه المسلسلات الثلاثة إلا في تغطيتها لفترات متعاقبة من التاريخ الأندلسي، وكونها جزءا من مشروع فني متكامل. وقد اعتبر الكثير من النقاد تلك الثلاثية الأضخم فكريا وأدبيا في تاريخ الدراما العربية. 

وحول مسلسله الأبرز "التغريبة الفلسطينية" الذي أخرجه عام 2004، عن نص للدكتور وليد سيف الذي يروي فصول من معاناة الشعب الفلسطيني واللجوء بعد عام 1948. يقول حاتم علي: "أنا لست فقط أحد أبناء الجولان المحتل الذين عاشوا تجربة تتقاطع في كثير من تفاصيلها مع تجربة شخصيات المسلسل، ولكنني أيضا عشت طفولتي وشبابي في مخيم اليرموك، وكنت في عام 1967 بعمر صالح (شخصيته في المسلسل) الذي كان يحمله خاله مسعود، وكنت أيضا محمولا بالطريقة نفسها على ظهر أحد أخوالي".

 

وقال: "بشكل أو بآخر استطعت أن أستحضر الكثير من هذه التفاصيل الواضحة أحيانا والمشوشة في أحيان كثيرة، والملتبسة في بعض الأحيان، وأوظفها وأعيد تركيبها مستكشفا إياها في أحيان كثيرة من خلال العمل نفسه، وكثيرا ما سئلت نفس السؤال وهو كيف يمكن لمخرج غير فلسطيني أن يقدم عملا عن هذه القضية، وأنا شخصيا كنت أقول أن القضية الفلسطينية هي قضيتنا جميعا كعرب". 

وفاز بالعديد من الجوائز عن أعماله التلفزيونية التي أخرجها مثل مسلسلات: "التغريبة الفلسطينية"، و"عمر" الذي أثار جدلا في حينه لتناول غير المسبوق للخليفة عمر بن الخطاب في مسلسل تلفزيوني. و"صلاح الدين الأيوبي"، الذي عرض عام 2001 وتخطت شهرته حدود العالم العربي و"صقر قريش"، و"ربيع قرطبة"، وجميعها كتبها وليد سيف، و"الزير سالم"، و"الملك فاروق" والعديد من الجوائز الأخرى.  

في مجال الكتابة، فقد كتب ثلاث مسرحيات وهي: "مات 3 مرات" و"البارحة- اليوم- وغدا"، و"أهل الهوى". وألف مجموعتين قصصيتين هما: "ما حدث وما لم يحدث"، و"موت مدرس التاريخ العجوز". 

وكتب أيضا عددا من نصوص الدراما التلفزيونية، من بينها مسلسل "القلاع"، وفيلم تلفزيوني بعنوان "الحصان" أخرجه بنفسه. 

امتدت أعمال حاتم علي إلى القاهرة حيث أخرج عددا من المسلسلات المصرية من بينها: "تحت الأرض"، و"حجر جهنم"، و"كأنه امبارح". وكان أخرها "أهو دا اللى صار" عام 2019 والذي حظي بنجاح ملحوظ نظرا لاختلافه وتفرده، وكان يحضر لتصوير مسلسله الجديد "سفر برلك" في مصر، وهو المشروع الأضخم إنتاجيا في العالم العربي بحسب تصريحات الشركة المنتجة. 

ولم يقتصر نشاطه على الأعمال الدرامية التلفزيونية، إذ قدم في السينما أفلاما من أمثال: "شغف" و"سيلينا" وهو مقتبس عن مسرحية "هالة والملك" لفيروز والأخوين رحباني، ولعبت دور البطولة فيه المغنية ميريام فارس، وفيلم "العشاق"، و"الليل الطويل". 

وكان علي ينوي تحويل رواية "موزاييك دمشق" للكاتب السوري فواز حداد إلى فيلم روائي طويل، وأيضا رواية "زمن الخيول البيضاء" للشاعر والروائي إبراهيم نصر الله، إضافة إلى تقديم نسخة سينمائية من عمله "الزير سالم" بطولة جمال سليمان، إلا أن موته المفاجئ دفن هذه الأعمال بعد أن رحل عن عالمنا بأحد الفنادق بالقاهرة، إثر إصابته بأزمة قلبية. 

وكان رحيله صادما لزوجته الكاتبة السورية دلع الرحبي، التي درست الحقوق وكتبت عددا من المسلسلات من بينها "عصي الدمع" و"الفصول الأربعة"، الذي يعد وثيقة بصرية واجتماعية لدمشق بشوارعها وساحاتها، وبشراكة مع الكاتبة ريم حنا، ومثلت الرحبي في أعمال مسرحية عدة. كما نعاه الفنانون والكتاب والنشطاء العرب من مختلف الأقطار العربية. 

وكان حاتم علي "أبو عمر" وله ابنتان غزل وغالية، مثل مرحلة هامة في مسيرة الفن السوري والعربي، ورغم الانقسام السوري منذ عام 2011 إلا أن حاتم علي كان أحد السمات المشتركة بين السوريين وعامل وحدة بينهم في اتفاق وإجماع قلما يحدث، رغم أنه خرج من سوريا بشكل نهائي عام 2012 إلى كندا حيث أقامت عائلته بينما كان هو يتنقل بحسب أماكن التصوير . 

رحل فنان راق ومبدع لا توجد بأعماله كلمة واحد تحمل الإسفاف أو السطحية أو ما يثير الانقسام والشقاق. رفض الدخول في التجاذبات السياسية سواء من المعارضة أو الموالاة لأنه كان يعتبر ذلك إساءة لقضية السوريين. 

بقي فنانا له أسلوبه في الإخراج الذي قد لا يعجب بعض النقاد، لكنه حمل شكل وهوية حاتم علي الفنية التي ستبقى لسنوات طويلة تتراقص بخفة ورشاقة أمام المشاهد العربي الذي أبكته "التغريبة الفلسطينية" كما لو كان "صالح" محولا على كتف خاله "مسعود" فكانت "التغريبة" الثانية بأن يموت خارج وطنه.