سياسة عربية

ما مدى قدرة الحكومة اليمنية على التحرك بحرية في عدن؟

مراقبون: هناك خطوط حمر تعيق الحكومة اليمنية بالعمل بكامل طاقتها- تويتر

فتحت عودة الحكومة اليمنية الجديدة إلى العاصمة المؤقتة، عدن، جنوبا، الباب واسعا أمام تكهنات وتساؤلات حول مدى قدرتها على مزاولة مهامها، والتحرك بكل حرية بعيدا عن الخطوط الحمراء التي وضعتها قيادات في المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيا، المستفيد الأكبر من هذه التشكيلة الحكومية.

ويرى مراقبون أن هناك خطوطا حمراء تعيق الحكومة بالعمل بكامل طاقتها، بالنظر إلى أن الانتقالي لا يزال متحكما بزمام الملفين الأمني والعسكري في المدينة، بسبب التنفيذ الشكلي والمشوه للشق العسكري والأمني من اتفاق الرياض.

"شعرة معاوية"

وفي هذا السياق، قال الكاتب والصحفي اليمني، كمال السلامي، إن عودة الحكومة إلى عدن وقدرتها على التحرك، هو ما نأمله جميعا.

وأضاف في حديث خاص لـ"عربي21": لكن المؤشرات الأولية ومن بينها الهجوم على المطار، يؤكد لنا أن هناك خطوطا حمراء، وأنه من الصعب القول إن الظروف باتت مواتية لأن تعمل الحكومة وبكامل طاقتها أو أن الظروف أصبحت مواتية.

وتابع السلامي: "الانتقالي لا يزال يملك زمام القوة العسكرية والأمنية، وسيدعم الحكومة طالما لم تتخط حدود مشروعه وأجندته.. وما عدا ذلك فلا"، مشيرا إلى أن الأمر مرهون بأجندة السعودية والإمارات، وانسجام أو تباين موقفهما مما بعد تشكيل الحكومة اليمنية.

وأوضح الصحفي السلامي قدرة الحكومة على تمثيل اليمن ورفع علمها، فأعتقد أنها ستتجنب الإقدام على أي خطوة قد تثير حفيظة الانتقالي، وستحرص السعودية على ذلك.. حتى لا تفشل الإجراءات التي تمت، سيما والاتفاق تربطه شعرة معاوية وقابل للانهيار والعودة لمربع الصفر بأي لحظة.

وقال: كما إن الانتقالي لا يخفي هدفه من الاتفاق باعتباره خطوة في طريق الوصول إلى استعادة ما يطلق عليها الدولة الجنوبية.

وأكد الكاتب اليمني أن المعيار الوحيد لنجاح اتفاق الرياض من عدمه هو "عودة البرلمان"، لافتا إلى أن ذلك معناه نجاح الاتفاق، وبالتالي استعادة الشرعية لعافيتها.

أما في حال عدم عودة البرلمان إلى عدن، وهو ما يهدف إليه المجلس الانتقالي، فإنه يعني أن العاصمة المؤقتة خارج سيطرة الشرعية، وأن الانتقالي ينتقي من الاتفاق ما يخدم مصالحه فقط.

ويعتقد الكاتب السلامي أن الانتقالي لن يسمح بعودة البرلمان، ولا بعودة الشرعية بشكل كامل، بل سيكتفي بالعودة الشكلية لمؤسسات الشرعية.

وكان قيادات في المجلس الانتقالي قد أعلنت رفضها لعقد البرلمان جلساته من مدينة عدن، رغم أن اتفاق الرياض نص على ذلك، ودعوا إلى عدم استفزازهم، والاكتفاء بعقده افتراضيا عبر تطبيق "زوم" على الإنترنت.

"خطوة بطريق الألف ميل"

ومن جهته، اعتبر رئيس تجمع القوى المدنية الجنوبية، عبدالكريم السعدي، أن عودة الحكومة بحد ذاتها "خطوة إيجابية"، مضيفا أنها مؤشر على عودة مؤسسات الدولة بعد انقضاء ما يقارب الست سنوات عاشتها عدن تحت رحمة العصابات المسلحة والمليشيات الخارجة عن الدولة.

وقال في حديث خاص لـ"عربي21": ورغم تحفظاتنا على الطريقة التي تمت بها عملية سلق تشكيل الحكومة، وما رافقها من خطوات فض الاشتباك في محافظة أبين (شرق عدن)، ومع رفضنا لما سمي "اتفاق الرياض"، الذي تمخض عن كل ذلك الفعل.

وتابع: إلا أننا نرى في عودة الحكومة خطوة في طريق الألف ميل لإنقاذ عدن وما جاورها من مناطق الجنوب إذا صدقت النوايا.

واستدرك بالقول: ذلك مرهون بكف أطراف الإقليم عن عبثها في الداخل الجنوبي، والتزام الأطراف ببنود ما سمي اتفاق الرياض، من حيث نزع السلاح ودمج القوى والمليشيات في إطار مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية وغيرها من الخطوات.

وفيما يخص رفض المجلس الانتقالي رفع علم اليمن، أكد السياسي الجنوبي أن مسألة رفع الأعلام من عدمه مسألة ليس هناك أسهل منها بالنسبة للأطراف الموقعة على اتفاق الرياض، مشيرا إلى أن "الشرعية مثلا اتفقت مع مليشيا الانتقالي على مدينة عدن وهي تعرف أن سقطرى (جزيرة في المحيط الهندي) محتلة، وأنها ترفع علم غير علمها، ومع ذلك أجلت الحديث عن سقطرى إكراما للأطراف الإقليمية.

وبالنسبة لمليشيا الانتقالي، وفقا للسعدي، فإن إسقاط راية اليمن الديمقراطي (دولة الجنوب سابقا) لا يشكل لهم أي مشكلة، فقد أسقطها ذات يوم نائب رئيسهم هاني بن بريك (نائب المجلس الانتقالي)، وداس عليها ورفض رفعها، ثم عاد ورفعها مرة أخرى.

وأردف قائلا: ولذلك، لا غرابة أن يدوس عليها مرة أخرى، طالما والراعي الإقليمي له مقتنع بأن يداس ذاك العلم، وستبرر ذلك بألاف المبررات التي ستمطرك بها  آلاتهم الإعلامية المضللة، فيما سيرتفع علم اليمن في عدن، وبمبررات انتقالية تواصل استغفال الاتباع، وهذا ما تنص عليه بنود اتفاق الرياض.


وأوضح رئيس تجمع القوى المدنية جنوب اليمن، أن هناك انقساما في أوساط مليشيا الانتقالي تجاه ما حمله اتفاق الرياض، لافتا إلى أن هذا الانقسام هو من يفرز خطاب الرفض عند البعض، وهذا ما يمكن تلمسه في أبين من خلال رفض بعض القوات تسليم مواقعها.

وبحسب السعدي، فإنه من خلال خطاب البعض المنتمي لهذه المليشيات، ستكون هناك خطابات وخطابات مضادة، حتى تتم عملية مراضاة الأطراف الرافضة للاتفاق لأهداف ذاتية وليست موضوعية، وستستمر أعمال العنف والتفجيرات حتى تتم مراضاة تلك الأطراف.

وبين أنه وفي الأخير سيكون هناك التزام ببنود ما سمي اتفاق الرياض الذي جعل من خمس وزارات ثمنا للقضية الجنوبية ولدماء مئات الشباب الذين ذبحوا على أبواب معاشيق في يناير 2018م وفي حواري عدن في أغسطس 2019، في إشارة إلى جولات المعارك التي شهدتها مدينة عدن بين القوات الحكومية ومليشيات الانتقالي في يناير/ كانون ثاني 2018 وآب/ أغسطس 2019، التي انتهت إلى بسيطرة الأخيرة على المدينة الساحلية.

"جدية وصدق الرياض"

من جانبه، رأى الكاتب والناشط السياسي والحقوقي اليمني، محمد الأحمدي، أنه من السابق لأوانه الحديث عن مدى قدرة حكومة معين عبدالملك على التحرك بكل أريحية في العاصمة المؤقتة عدن.


وقال في حديث خاص لـ"عربي21": لا شك أن هذا على رأس قائمة التحديات الماثلة أمامها، ربما كان الهجوم الإجرامي الدامي على مطار عدن ـ نهاية العام الماضي) أثناء وصول رئيس وأعضاء الحكومة منحها نوعا من التعاطف حتى على مستوى كوادر المجلس الانتقالي، باعتبارهم الطرف الأكثر خصومة مع الحكومة حتى وهو جزء منها.

وأضاف الأحمدي: "لكن مع الوقت والشروع في تنفيذ صلاحياتها ومهامها سيتضح الوضع أكثر".

وأشار إلى أنه دستوريا لا يحق للحكومة البدء بمهامها دون الحصول على ثقة البرلمان، فيما البرلمان لا يحق له أن ينعقد إلا في حدود إقليم الجمهورية اليمنية، إن تعذر انعقاده في العاصمة صنعاء، حسب الدستور النافذ.

واعتبر الصحفي اليمني أن إعلان قيادات في الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيا رفضهم انعقاد البرلمان في العاصمة المؤقتة عدن هو "تنصل واضح عن استحقاقات اتفاق الرياض، ونسف كلي للاتفاق، وهو بمثابة خدمة كبيرة يقدمها الانتقالي لمليشيا الحوثي، لأنها المستفيد الوحيد محليا من استمرار غياب المؤسسات الدستورية الشرعية في البلاد".

ولفت الناشط السياسي والحقوقي إلى أن رفع علم الجمهورية اليمنية، والمضي في تنفيذ الاستحقاقات الأمنية والعسكرية، وتنفيذ وعود رئيس الحكومة في ما يتعلق بقضية التعافي الاقتصادي، والحرب ضد الحوثيين وغيرها، "مرهون بمدى جدية وصدق السعودية تحديدا في دعم هذه الحكومة واحترام التزاماتها بحماية وحدة وأمن واستقرار اليمن وسيادته الوطنية وسلامته الإقليمية".

وتابع بالقول: "وهذا الأمر لم يلمسه اليمنيون بشكل حقيقي طوال ست سنوات".

وكان هاني بن بريك، نائب رئيس المجلس الانتقالي المقيم في أبوظبي، قد حذر عبر حسابه على "تويتر" أن "أي حديث للحكومة عن الوحدة يستفز الجنوبيين"، في أول تصعيد سياسي للمجلس منذ تشكيل حكومة المناصفة بين محافظات الشمال والجنوب.

وقال "بن بريك": "على الحكومة ووزرائها تقدير تضحيات الجنوبيين، واحترام الرأي العام في الجنوب، وتركيز جهودها لمواجهة الحوثي".

وأضاف: "الدندنة حول مفردة الوحدة وجلبها في كل خطاب يستفز الجنوبيين، ولا يساعد على النجاح"، مطالبا إياها بـ"التعقل والتركيز على الخدمات ومواجهة الحوثيين".

وبعد أيام من وصول الحكومة إلى عدن، هاجمت قيادات في المجلس الانتقالي، المتحدث باسمها، راجح بادي، على خلفية تصريح أدلى بشأن "ضرورة استكمال تنفيذ الشق الأمني والعسكري من اتفاق الرياض"، والذي ينص على إخلاء مدينة عدن، من التشكيلات العسكرية التابعة للمجلس.