تقارير

محطات في حياة الشاعر محمود عبد الحليم العنبتاوي

الشاعر عبد الرحيم محمود.. نجل الشيخ محمود عبد الحليم العنبتاوي- (عربي21)

شاعر فقيه أزهري، عاش وتوفي في فلسطين قبل بلفور وسايكس بيكو، لكنه أسس أسرة علمية ثقافية تخرج منها ابنه الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود. فهو إن لم يكن من كبار الشعراء، فإنه خرّج من بيته شاعراً كبيراً، كما فعل الشيخ سعيد الكرمي الذي تحدثنا عنه سابقاً. شاعرنا لهذه الحلقة هو الشيخ عبد الحليم محمود العنبتاوي (1820- 1919). 

قليلة هي المصادر التي تتحدث عنه، ونادرة هي الآثار التي خلّفها، المصادر قليلة لكنها مؤكدة وموثقة، وأوراقه موجودة عند أحد أحفاده (طارق عبد الكريم محمود)..

ينتمي الشيخ محمود عبد الحليم إلى بلدة عنبتا الواقعة على الشارع العام بين نابلس وطولكرم، وترتفع عن سطح البحر حوالي 150 مترا. ويمر في منتصف البلدة سكة حديد الحجاز السابقة ونهر الإسكندرون، وتنحدر حَمولات البلدة من حَمولتين كبيرتين (الجيتاوي واعمر)، وشاعرنا من عائلة عُرفت فيما مضى بـ"عائلة الفقهاء" وهي حمولة تنتمي لقسم الجيتاوي.

 



شاعرنا الذي ولد سنة 1820، درس على مشايخ القرية المعروفة بالانتماء للمذهب الحنبلي، ثم توجه إلى الأزهر ليكمل تعليمه الشرعي، وعاد بعد تخرجه إلى بلاده، فأصبح من أكبر شيوخ المذهب الحنبلي في المنطقة.

شغل في بلده عدة وظائف دينية، فكان إماماً وخطيباً وواعظاً. ثم مستنطقاً في المحكمة الشرعية. وكان جريئاً في نقده وصريحاً في أقواله الشعرية. ومن مواقفه التي تدلّ على خصومته الشديدة لمعاصره الشيخ الشاعر يوسف النبهاني (الصوفي)، الذي انتقد بعض علماء الحنابلة بالقسوة والتجريح، فردّ عليه الشيخ محمود بقصيدته الكافيّة التي يقول فيها:

لقد خاض في التيار يوسف ذاهلاً      ولم يكُ ذا عَومٍ ولا راكب الفلكِ

ومن مواقفه المشهورة أيضاً، هجاؤه للقضاة والمسؤولين وبعض الوجهاء في فلسطين في أواخر العهد العثماني، ولا سيما من عُرِفوا بأخذ الرشوة. ولم يكن مهادناً في حياته، بل كان جدياً شديداً (كان حنبلياً)، وهذا ما جلب له بعض العداوات. وقد كان الشيخ محمود ينتقد أهل نابلس بسبب تعصبهم لمدنيتهم وتقليلهم من شأن أهل القرية. وكان بينه وبين رئيس بلدية نابلس عمر زعيتر (والد عادل وأكرم زعيتر) مطارحات شعرية، حُفظ بعضها وضاع أكثرها.

وكان واضحاً أن الشيخ عبد الحليم أولى عائلته اهتماماً ثقافياً، ونبغ من أبنائه الشاعر عبد الرحيم محمود (1913- 1948) حيث أحاطه والده بمظاهر العطف والرعاية ـ كما ذكر كامل السوافيري في مقدمته لديوان عبد الرحيم محمود ـ فعلمه في القرية ثم في مدينة طولكرم ثم في مدينة نابلس، فكان له تأثير مهم على موهبة ابنه.

وللشيخ محمود قصيدة طويلة بعنوان "الرحلة اللبدية"، نسبة إلى قرية كفر اللبد، القريبة من عنبتا، حيث تجمّع الشيوخ والعلماء والأصدقاء، وساروا متجهين إلى شمال فلسطين، ونزلوا في القرى الكثيرة التي مروا بها، وكتب في هذه الرحلة وصفاً لانطباعاته عن كل ما رأى، مع تعرّض لأسماء شخصيات بارزة ومعروفة في ذلك الوقت.

وللشيخ محمود قصائد كثيرة ضاع معظمها، لدرجة أن كثيراً من محبي شعر ابنه وأقاربه، لا يعرفون هذا الجانب في حياته.

عاش الشاعر 99 سنة مليئة بالحيوية العلمية والأدبية والسياسية، وخلف 14 ولداً، وذرية كبيرة كان من نجومها الشاعر عبد الرحيم محمود. وتوفي سنة 1919، بعد سنتين من الاحتلال البريطاني، ولم تكن قد تبلورت أشكال مقاومة الاحتلال في فلسطين.

 

*كاتب وشاعر فلسطيني