مقالات مختارة

الضربات الأمريكية الأخيرة بعثت بالرسالة الصحيحة إلى طهران

1300x600

شنَّت المقاتلات الأمريكية يوم الخميس الماضي، هجوما بالقنابل الموجهة فائقة الدقة ضد مجمع للبنية التحتية يقع عند مفترق الطرق في شرق سوريا، ذلك الذي تستخدمه المليشيات المدعومة من إيران. وبحسب التقارير التي وردت أنَّ الغارة قد أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن فرد واحد، ولا يزيد على 20 فردا من المليشيات مع سقوط جرحى آخرين، واشتملت على استخدام 7 من قنابل الهجوم المباشر المشترك فائقة الدقة.


تعد الغارة الأمريكية، من حيث مستوى القوة العسكرية المستخدمة، من قبيل الاختيارات المعتدلة من جانب الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن، وكان الغرض منها واضحا للغاية، ويتمثل في البعث برسالة إلى الحكومة الإيرانية، بدلا من التسبب في إلحاق الأضرار الفادحة والخسائر الجسيمة. عكست الهجمة الأمريكية الأخيرة الردَّ العسكريَّ المناسب والمبرر على الهجمات الصاروخية التي شُنت أخيرا على القواعد الأمريكية في العراق، والتي تعمل فيها القوات الأمريكية وقوات التحالف جنبا إلى جنب مع المتعاقدين المدنيين على تدريب القوات العسكرية العراقية. وتسببت تلك الهجمات الصاروخية في مقتل وإصابة جندي أمريكي واحد على الأقل.


وبصفة عامة، يمكن اعتبار الأمر برمته جزءا من جولة التصعيد التي بدأت باغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني في يناير (كانون الثاني) من العام الماضي، الذي كان قد وجَّه كثيرا من الضربات والهجمات التي أسقطت كثيرا من القوات الأمريكية في المنطقة. وأظن أنَّ رسالة الإدارة الأمريكية تفيد: «إنكم تحصدون ما زرعتم في النهاية».


وقال جون كيربي المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع الأمريكية؛ إنه قد تمَّت الموافقة على شن الغارة ردا على الهجمات الأخيرة، التي تعرضت لها القوات الأمريكية وقوات التحالف في العراق، فضلا عن التهديدات المستمرة على أرواح هؤلاء الجنود. ثم أضاف قائلا: «جرى تنفيذ هذا العمل العسكري المتناسب بالتنسيق مع الإجراءات الدبلوماسية المعهودة، بما في ذلك التشاور مع شركاء التحالف.

وتبعث الغارة الأخيرة برسالة واضحة للغاية: الرئيس جوزيف بايدن معنيٌّ تماما بالتحرك لحماية جنود الولايات المتحدة وقوات التحالف. وفي الوقت نفسه، تصرفت الإدراة الأمريكية بصورة متعمدة وحازمة، تهدف إلى تهدئة التصعيد على الموقف بأكمله في شرق سوريا وفي العراق». ما التفكير وراء الهجوم الأمريكي الأخير، وهل سيؤدي فعلا إلى خفض التصعيد وتهدئة حدة المواجهة مع إيران في المنطقة؟


كنت قد وجَّهت الأوامر بشن كثير من الضربات، بصفتي قائدا عسكريا على مدار سنوات خدمتي في القوات البحرية الأمريكية، غير أنَّ حالة واحدة منها هي الأكثر أهمية بالنسبة لي. وكان ذلك في أواخر صيف عام 1998، ضد أحد معسكرات التدريب التابعة لتنظيم القاعدة في باكستان، وذلك عندما كنت قائدا قتاليا بحريا في المجموعة القتالية الضاربة المرافقة لحاملة الطائرات لينكولن. وجاء الهجوم انتقاما لتفجير السفارات الأمريكية في شرق أفريقيا آنذاك. وفي حين أنَّ صواريخ توماهوك الموجهة قد دمَّرت الهدف المقصود، فإنها أخطات في اغتيال عدد من قادة تنظيم «القاعدة» المهمين. ولقد سمعنا عن تنظيم «القاعدة» مرة أخرى في هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) لعام 2001، وكنت على وشك أن أكون بين القتلى في مبنى وزارة الدفاع الأمريكية ذلك اليوم، إذ وقع الهجوم في مكان بالقرب من مكتبي على جانب المبنى الذي اصطدمت به الطائرة.


كانت الضربة التي شنتها القوات تحت إمرتي في عام 1998، مثل تلك التي شنتها القوات الأمريكية يوم الخميس الماضي في سوريا، من حيث اتصافها بالملائمة، والمعقولة، والتنفيذ الجيد والضروري لإثبات أنَّ الإدارة الأمريكية لن تتسامح أبدا مع الهجمات ضد جنودها الذين يخدمون في الخارج. ومع ذلك، فإنَّ ضربتي الأولى لم تردع تنظيم «القاعدة»، بل ربما أنَّها حفزت التنظيم الإرهابي على شن مزيد من الهجمات، تلك التي بلغت ذروتها في عام 2001. ومما يؤسف له، وكقاعدة عامة معروفة في العلاقات الدولية، أنَّ الهجوم الأول غالبا ما يسفر عن هجوم آخر.

كان الإيرانيون يتسلقون سلم التصعيد بخفة ومرونة واضحتين. فلقد شنوا، أو هم أشرفوا، على شن الهجمات بالطائرات المسيرة ضد حقول النفط السعودية، ودعموا، ولا يزالون، المتمردين الحوثيين في اليمن الذين شنوا الهجمات الصاروخية بعيدة المدى ضد الرياض، ثم إنَّهم استولوا على كثير من سفن النقل التجارية، بما في ذلك ناقلة تابعة لكوريا الجنوبية لا تزال محتجزة عندهم حتى اليوم، وقد شجعوا مليشياتهم في سوريا والعراق على مهاجمة القواعد والمنشآت العسكرية الأمريكية هناك.


وإنَّهم مستمرون في شن الهجمات هنا وهناك، نظرا لأنَّهم يرزحون تحت وطأة العقوبات الاقتصادية الشديدة ويرغبون بشدة في الخروج من فوهتها الضيقة للغاية. وتشهد الأوضاع تفاقما مستمرا بسبب الضغوط السياسية الداخلية في إيران والناجمة عن قرب موسم الانتخابات الرئاسية المقرر انعقادها في يونيو (حزيران) المقبل.


ولا يعد فريق الرئيس بايدن غريبا عن استخدام القوة العسكرية في منطقة الشرق الأوسط؛ فلقد كان وزير الدفاع الأمريكي الحالي، وهو الجنرال المتقاعد لويد أوستن، قائد القيادة المركزية الأمريكية خلال الفترة التي شنَّت فيها وزارة الدفاع عددا لا حصر له من الضربات العسكرية في المنطقة. كما شهد وزير الخارجية أنتوني بلينكين كلا طرفي المعادلة العسكرية الدبلوماسية في إدارة الرئيس الأسبق أوباما، أولا بصفته مستشارا للأمن القومي لنائب الرئيس بايدن آنذاك، ثم بصفته نائبا لوزير الخارجية فيما بعد. وكان بايدن، باعتباره نائبا للرئيس أوباما، في مكان يطلع منه على كثير من المناقشات بشأن استخدام القوة العسكرية من ليبيا إلى سوريا، وحتى الغارة التي أسقطت أسامة بن لادن زعيم تنظيم «القاعدة». وهم ليسوا غافلين عن تبعات مثل هذه الضربات العسكرية، وليسوا مفرطين في التفاؤل بشأن ما يتمخَّض عنها من نتائج على المدى البعيد.


ينبغي أن يكون واضحا، سواء من واقع الهجمات الإيرانية على القواعد الأمريكية وهذا الرد العسكري المتواضع، أن المسار أمام إيران سوف يكون معقدا ومشحونا للغاية. ولقد قال كيربي، وهو أدميرال متقاعد وأحد أكثر المتحدثين الرسميين خبرة وكفاءة على الإطلاق في الصعود إلى منصة وزارة الدفاع الإعلامية، كل ما يمكن قوله من الكلمات الواصفة الصحيحة: «الرد الملائم»، و«التشاور مع شركاء التحالف»، و«الرسالة الواضحة للغاية». والرسالة التي جرى إرسالها بسيطة للغاية: أوقفوا التصرفات الرعناء ودعونا نبدأ الحديث معا.

 

(الشرق الأوسط اللندنية)