آراء ثقافية

#آن_للنكبة_ألا_تستمر: دعوة للتحرر

النكبة

للفلسطيني يومه الأسود يستقبله في كل عام مرة، تتجمع حوله قصص الماضي المحبوكة بذكرياته المشؤومة وجراحه العميقة. اعتاد الفلسطينيون في ذكرى النكبة على تذكر جرائم الاحتلال منذ ما قبل عام 1948، واستدعاء الإبادات الجماعية وتهجير المئات من ديارهم وتدميرها وسرقتها.

 

يلتقي زخم الذاكرة الفلسطينية بمشاريع التطهير العرقي وواقع يعيشه الفلسطيني كل يوم مؤكداً له على أن النكبة لا تزال مستمرة. مستمرة بجرائم الاحتلال الباقية ضد الإنسانية وتمدده الاستيطاني، واستمرار اغتراب ملايين الفلسطينيين الذين لا يزالون متمسكين بحقهم في العودة إلى هذا اليوم. 

ويستقبل الفلسطينيون ذكرى النكبة الـ 73 في ظل أحداث استثنائية تشهدها كل فلسطين اليوم وحرب تقودها المقاومة في غزة. دفعت هذه الأحداث الفلسطينيين لإعادة التفكير في النكبة، فاندفعت مجموعة من الناشطين والمؤثرين حول العالم للكتابة والتغريد تحت وسم #آن_للنكبة_ألا_تستمر شاع منذ لحظة انطلاقه في جميع منصات التواصل الاجتماعي. فما الذي يعنيه هذا الوسم وما دلالته في ظل الأحداث التي تعيشها فلسطين اليوم؟

أحيت الصرخة التي أطلقتها عائلات حي الشيخ جراح منذ الأشهر الماضية ذكريات التهجير والطرد ونكبة الفلسطينيين المستمرة. فمنذ عام 1948، والاحتلال الصهيوني يحاول السيطرة على هذا الحي الواقع شمال البلدة القديمة للقدس منذ أن وقع تحت احتلالها عام 1967. ظلت محاولات الاحتلال الصهيوني مستمرة للاستيلاء على جميع ممتلكات هذا الحي، ما أدى إلى تهجير ثلاث عائلات إلى الآن، بينما لا يزال يواجه نفس المصير أكثر من 550 فلسطيني يقطنون الحي.

بعد أن تحول هذا الخطر إلى قرار بيد محاكم الاحتلال بلا أمل منها، أطلق ناشطون حملات للتضامن مع أهالي الحي مستعينين بوسم #أنقذو_حي_الشيخ_جراح الذي لا يزال منتشراً حتى اللحظة في جميع وسائل التواصل الاجتماعي. كان المتفاعلون مع الحدث لا يزالون يتساءلون حينها عن هذا الحي، ما قصته، ولماذا علينا إنقاذه. استمرت الجهود الفردية في الحشد لدعم هذه القضية وبث الوعي حولها إلى أن تحول الحي مع بداية شهر رمضان إلى مركز يتجمع حوله الفلسطينيون ويتكلم عنه العالم. 

من هذا الحي وتزامناً مع عوامل أخرى تتعلق بسيطرة الاحتلال واعتداءات المستوطنين المستمرة على القدس، اشتعلت هبة المسجد الأقصى التي انتقلت شرارتها إلى أراضي فلسطين المحتلة عام 1948 والضفة الغربية. أما غزة، فقد حولت شرارة المسجد الأقصى إلى وابل من الصواريخ اليومية التي تلقن بها الاحتلال درساً جليلاً في التصدي والمقاومة. 

اليوم تقدم فلسطين ثمن وقفتها الشامخة، إلى هذا اليوم هناك أكثر من 188 زهرة سقطت من أرض غزة، و15 زهرة من الضفة الغربية، ومئات المصابين والجرحى، بالإضافة إلى الاعتداءات والاعتقالات المستمرة لفلسطينيي الداخل المحتل والضفة الغربية.

جاءت سلسلة المواجهات والتضحيات لتؤكد للفلسطيني أن هويته تتجاوز بؤرته الجغرافية التي بدأ الاحتلال بتحديدها منذ النكبة ولا يزال يقتطع منها ويحاصره من خلالها. فكانت لحظة توحد الهم الفلسطيني نحو مقاومة الاحتلال بكل ما يملكه من إمكانيات، هي لحظة تحرره من وهم الجغرافيا واتصاله بهوية تتجاوز كل الحدود. اتسع أفق التحرر أيضاً بانضمام فلسطينيي الشتات وكثير من أحرار العالم والتفافهم حول فلسطين كقضية واحدة تخصهم جميعاً. وربما لم يعبر عن هذا الالتحام كما فعل مشهد حشود الأردنيين واللبنانيين قرب حدود الأراضي الفلسطينية المحتلة وهم يطالبون بفتح الحدود والانضمام إلى قافلة المناضلين. يمثل هذا المشهد تدريباً فعلياً على التحرر من الجغرافيا ووهم قيودها، وتحول معاكس لمسيرة النكبة التي دائماً يُرسم نهايتها بعودة اللاجئين واسترداد حقهم في فلسطين.

قدمت مجموع هذه الأحداث المتتالية والمتسارعة في تطورها فرصة ليتعرف الفلسطينيون على أنفسهم كفاعلين ولو من خلال وسم. يعبر الوسم عن شكل جديد للمشاركة ومحاولة التأثير في كثير من القضايا، وباستطاعته اليوم أن يأخذ دور بيان سياسي مختصر يتفاعل مع الميدان بشكل مباشر دون كيان تنظيمي. وعند انتشار وسم ما، فإنه يتحول إلى نداء موحد لحوح وأداة ضغط يمكن لكل شخص استخدامها والتعبير عنها بطريقته الخاصة. 

ولأن الوسم يكثف التركيز على لحظة معينة، حمل وسم #آن_للنكبة_ألا_تستمر دعوة إلى الالتفاف والمرابطة حول لحظة تاريخية قادرة أن تكون نقطة تحول لحدث النكبة. فهذا هو الوقت الذي كشف لنا عن معجزات المقاومة وقدرات مواجهة الاحتلال وإنهاء أسطورة الجيش الذي لا يقهر. وفي هذا الإدراك تنشيط لوعي كل من يؤمن بالحرية ليكون حلمه بإنهاء النكبة فعلاً حقيقياً وليس مجرد أمنيات.

بعد أن اقتصرت ذكرى النكبة على مشاهد بكائية تتبنى دور الضحية محتفية بالكوفية وأطعمة تقليدية وحكايا فلكلورية، آن الأوان أن تكون هذه ذكرى تقربنا للتحرير. هذا هو الوقت الذي علينا أن نتحرر فيه من ثقافة الهزيمة التي ترسخت بيننا والتخلص من دور الضحية. وفي المقابل، هناك دور يتطلب منا إنتاج ثقافة تعترف بالنصر وتفتخر بالمقاومة وتسرد قصص البطولة وتنتج الأفلام التي ترسم لنا صور هذا النصر، لكي نكون أوفياء لدماء الشهداء وتضحيات المخلصين وحلمهم في توقف عداد النكبة.