قضايا وآراء

تقدم(نا) المتعثر ونكسات(نا) المتكررة (3- 3)

1300x600
أفردت الجزءين السابقين لمصر، وفي مخططي أن أخصص هذا الجزء للعرب بصفة عامة، فالمعضلة واحدة تقريبا، مخصوصة عند النظر بالتفصيل للتاريخ المصري في القرنين الماضيين، وعامة عند الحديث عن تاريخ الأمة العربية. وهذه الكتابة في مجملها ليست سوى مقدمة لازمة للبحث في الراهن.

ولذلك يمكن القول إن الأمة العربية ظلت تراوح طوال القرنين الماضيين بين محاولات للتقدم؛ حققت في وقت قصير نسبيا بعض المنجزات المادية، وبعض "التحديث"، وربما "الحداثة" في صورتها الأولية، ما بعث الأمل في جسر الهوة بيننا وبين العالم المتقدم، بعد أن تكشف لنا اتساع وعمق هذه الهوة، وبين انتكاس لتلك المحاولات، أو تعثرها، بفعل تدخل عنيف من الخارج، في أغلب الأحوال.

سنجد في العديد من المراكز الحضارية التاريخية على امتداد الوطن العربي تجارب مشابهة للتجربة المصرية، تجارب أو محاولات/ انتكاسات كبرى: فإزاء تجربة محمد علي (1805- 1840) يمكن الإشارة لتجارب داود باشا في العراق (تولى ولاية بغداد عام 1816، وكانت تساوره نوازع استقلالية وآمال، كتلك التي شرع محمد علي في تحقيقها في مصر، ولكن السلطان محمود الثاني وجه إليه حملة عسكرية عام 1830 لعزله). وهكذا بإزاء كل المحطات التاريخية التي أشرنا لها في الجزءين السابقين، سنجد ذلك التعاقب، وتلك الدائرة: تقدم(نا) مجهض دائما، تقطعه "نكسات" متكررة ذات أبعاد متباينة، لكنها جميعا تؤكد أن تاريخ القرنين الماضيين بالنسبة للعرب كان بحثا عن تقدم مفقود؛ بينما النكسات هي العلامات الفارقة فيه.

وكان النصف الثاني من عام 1990 بداية إدراكي لضرورة تفكيك تلك المعضلة ودراستها، وانشغلت بتجميع ما يهديني في خطتي الطموحة، ولم أتبين ضخامة المهمة إلا بعد سنتين تقريبا، وكانت آثار أزمة الخليج قد أربكتني للغاية.

ما أريده الآن أن أستعيد من الذاكرة بعضا مما قرأت في تلك الأيام، متصلا بعنواني العريض.

أستعيد من الذاكرة فقرات من مقدمتي كتابين ليسا بين يدي الآن: "خروج العرب من التاريخ"، للدكتور فوزي منصور، و"مستقبل النظام العربي بعد أزمة الخليج"، للدكتور محمد السيد سعيد.

كتاب منصور جاء استجابة لدعوة من منتدى العالم الثالث، كجزء من دراسة أشمل عن موضوع الأمة والدولة والديمقراطية في مناطق العالم الثالث الرئيسية، ونُشر عام 1990 باللغتين الفرنسية والإنجليزية تحت عنوان: "مأزق العالم العربي: دراسة تحليلية تاريخية".

وكما يذكر منصور في تقديمه للترجمة العربية (تموز/ يوليو 1990)، فإن كتابه كان في الحقيقة محاولة غير مقصودة لتقصّي المراحل المتتابعة لخروج الأمة العربية من التاريخ، كما يتمثلها في موضوعات ثلاثة، هي: دور العامل القومي، وطبيعة الدولة في أقطار الوطن العربي، وغيبة الديمقراطية عنه.

وصف منصور حال العرب في تلك الأيام بأنهم يعيشون كابوسا، وأن طريق الخروج من هذا الكابوس يبدأ بإخضاعه للتحليل العلمي الصارم مهما طالت حبال هذا التحليل أو ارتدت إلى أعماق الماضي. وهذا ما يمضي في بحثه طوال الكتاب، لكنه في المقدمة يؤكد أنه كان وهو يكتب يظهر له جليا الرابط بين خروج الأمة العربية المتزايد السرعة من التاريخ، وبين استمرار العرب في الخضوع لأنظمة حكم قد تتعدد صورها وأشكالها وادعاءات "الشرعية" التي تستند إليها، بينما هي في الواقع الفعلي تنتمي إلى عصور غاربة. وكذلك يتبدى له عجز العرب عن أن يشهروا في وجه حاكميهم في كل مكان قسم أحمد عرابي العظيم: "والله الذي نفسي بيده إننا لسنا عبيد أحد ولن نورث بعد اليوم"، وأخيرا تحول الرابطة القومية على أيديهم من عامل عزة ومنعة إلى عامل فرقة واستضعاف.

أما ما حفرته مرارة تلك الأيام عميقا في ذاكرتي في تشخيص منصور، لأسباب حكمه - تحذيره للدقة - بأن العرب يسرعون الخطى للخروج من التاريخ، فهي ملاحظته أنه في النصف الثاني من القرن العشرين، قرن تصفية الاستعمار في أشكاله كافة والتحرر الوطني للشعوب في كل مكان، فإن الوطن العربي هو الوحيد الذي ينشأ فيه ابتداء ويستقر في قلبه استعمار استيطاني، عنصري، ظلامي، توسعي، إذلالي، فاشي النزعة، يعرف كل عربي في قرارة نفسه أن هدفه النهائي هو بسط هيبته العسكرية والسياسية والاقتصادية على سائر البلدان العربية، وتنصيب نفسه سيدا عليهم، يستغل خيراتها ويحطم طموحات شعوبها، ويرى كل عربي ذي عينين أن كل عقد من العقود الخمسة الماضية قد أتى لتلك المغامرة الاستعمارية الفريدة بنصر جديد، وجعلها أدنى إلى تحقيق كامل أهدافها.

الدقة التي قد يلاحظها القارئ الخبير قد تدفعه للظن بأنني أنسخ من الكتاب، أو من ملاحظات منسوخة عنه. في الواقع تأتي الكلمات من الذاكرة، وهي تشير إلى عمق ما حفرته في وعيي هذه الكلمات، عمق انطلق من شعور داخلي بأن الدكتور فوزي منصور يكتب ما أردت كتابته، أو بلمسة شعرية: كأنه يكتبني، خصوصا في الفقرة التالية: ليس ذلك وحده هو الذي يخرج العرب من المجرى العام للتاريخ، فالتاريخ قد يصبر على قوم في هزائمهم، وقد يمد يده لمن يتخلف عن الركب، أما الذي لا يتسامح التاريخ فيه أبدا، فهو أن يدير القوم ظهورهم له ويمضوا متباعدين عنه، وذلك تحديدا هو ما يفعله العرب.

يذكر منصور أنه ود لو فصل البحث في بعض الموضوعات التي مر بها مرورا سريعا أو أغفلها تماما، وأذكر هنا موضوعين: أولهما لم أعره اهتماما كان يستحقه وسجلته الذاكرة بغية نقده، ولكنني الآن أعتذر من الراحل الكريم، فقد كان مصيبا للغاية حين نوه إلى أنه كان يريد التوسع في بحث الأسباب المجتمعية التي حالت دون إنجاز ثورة حقيقية في الفكر الديني، بمعنى الامتناع عن فتح باب الاجتهاد المغلق منذ العصور الوسطى. كان منصور يرى أن هناك ضرورة لـ"ثورة" في الفكر الديني المحاصر والمحجوب والمقصى عن المشاركة في مهام العصر، "ثورة" تحوله من قيد على التطور الاجتماعي إلى واحد من أهم منابعه. وقتها كنت أظن أن هناك ما هو أهم من ذلك، ولكنني أعتذر فتلك المهمة باتت مسألة حياة بالفعل، الآن.

الموضوع الثاني وافقته فيه تماما، فقد لاحظ أمراض الثورة الفلسطينية، محاولا التفريق بين أمراض الطفولة الطبيعية في كل ثورة ناشئة تواجه من التحديات والظروف ما تواجهه الثورة الفلسطينية، وبين تلك الأمراض التي تنقل إليها تباعا وبإصرار عنيد من الأجواء العربية المحيطة بها.

قرأت "خروج العرب من التاريخ" في نفس الشهر الذي قرأت فيه "مستقبل النظام العربي بعد أزمة الخليج"، أذكر ذلك جيدا فزهر البرتقال كان يتفتح وبدأت رائحته الفواحة تتسلل إلى شرفات منزلنا في الريف، إنه ربيع عام 1992، وها هو وقع كلمات مقدمة محمد السيد سعيد تستعيد آثارها الأولى عليّ: "شقت أزمة الخليج الضمير العربي إلى نصفين". لحظتها تعلقت بالجملة التالية وظلت تسيطر عليّ لأعوام: "ومهما كان هذا الشق غائرا فربما يكون بوسعنا أن نأمل استعادة الضمير العربي لوحدته مع الوقت".

وقد أكون تجاهلت تحذيره التالي، وإن لم أنسه مطلقا: "علينا أن نتحرز مما قد تدفع إليه الآلام الكبيرة من تشققات في الضمير قد تفضي في النهاية إلى انسلاخات جسيمة على نحو ما حدث مرارا في التاريخ العربي من انشقاقات بين الفرق. فالأمر في النهاية معلق بالتحصيل العقلي للتجربة أكثر بكثير مما هو معلق بانطباعات الوجدان.. إذا لم نستنبط الدروس الحقيقية والعميقة لأزمة الخليج بالسرعة الواجبة قد لا يسعفنا الوقت لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تعصف بنا أعاصير التغير في الساحتين العالمية والإقليمية. في هذه الأوقات بالذات قد تصاب الأمم بحالات من الهستيريا الجماعية التي يضيع معها صوت العقل".

ثلاثة عقود كاملة منذ أعلن الراحلان تحذيراتهما الصارخة، حدث الكثير مما يبرهن على دقة ملاحظاتهما، وبراعة منهجهما، حدث خلالها - العقود الثلاثة - الكثير من الاهتراء في النظام العربي، وخطا العرب خطوات بعيدا عن مجرى التاريخ المعاصر، وحدثت ثورات هائلة البطولة، عظيمة التضحيات، أيقظت الآمال المدفونة حتى الرماد، ثم وقعت النكسات الشاملة.