سياسة عربية

ما دلالة دور مصر في لبنان.. ولماذا دعمت الحريري؟

زار الحريري السيسي قبل يوم واحد من اعتذاره عن تكليفه بتشكيل الحكومة- حسابه بتويتر

أخذت علاقات رئيس الحكومة المعتذر عن التكليف سعد الحريري الخارجية منحى جديدا بعد اتضاح نتائج لقائه بعبد الفتاح السيسي والدور المصري المستجد في الساحة اللبنانية.

 

وخالف الحريري ما هو متبع من قبله منذ وراثته لزعامة تيار المستقبل خلفا لوالده رفيق الحريري الذي اغتيل في 14 شباط/ فبراير 2005 إثر انفجار كان له وقعه وتداعياته الكبيرة بالنسبة للبنان والمنطقة، فإطلالة سعد الحريري الأولى أظهرت محافظته على خط والده المرتبط بوثاق متين مع المملكة العربية السعودية وهو الذي يحمل جنسيتها وصنع من خلالها إمبراطورية مالية ضخمة، لكن المتغيرات في المشهد اللبناني والعربي والدولي دفعته لأخذ خيارات داخلية لبنانية لم ترق للإدارة السعودية يضاف إلى أن الكثيرين تحدثوا عن أن التغيرات التي حدثت في العهد السعودي الحالي والعلاقة السيئة بين الحريري الابن وولي العهد السعودي محمد بن سلمان منذ عهد الحريري الأب أضعفت ثقل الحريري وكشفت ظهره السياسي. 


ما الذي تغير؟
تعرض الحريري لما يشبه الصفعة عندما أجبر عام 2009 على زيارة سوريا والجلوس مع من يعتبره سعد الحريري شريكا في اغتيال والده وهو الرئيس بشار الأسد، حينها كان ثمة محاولة سعودية -كما يؤكد مقربون- لنزع سوريا من الحصن الإيراني وقتذاك، وجاء ذلك من خلال المغامرة السعودية بزعيم تيار المستقبل والتي أحدثت شرخا في جماهيرية سعد الحريري بالنسبة لطائفته ومناصريه.


وجاءت السنوات التالية بمثابة مرحلة استنزاف لعلاقة الحريري مع السعوديين، وجاء تبني الحريري لترشيح ميشال عون ومن ثم انتخابه رئيسا للبلاد بمثابة القشة التي قصمت ظهر العلاقة ودفعت بولي العهد إلى التفكير جديا بإزاحة سعد الحريري عن زعامة تيار المستقبل من خلال أخيه الأكبر بهاء، وترجم ذلك حين أجبر الحريري -وفق معطيات من تيار المستقبل- على تقديم استقالته من رئاسة الحكومة من الرياض ورجحت المعطيات حينها وضع الحريري تحت الإقامة الجبرية قبل أن يتدخل الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والمصري عبد الفتاح السيسي لإعادة الحريري إلى بيروت حيث سحب استقالته.


الدور المصري
هنا بدا الدور المصري قويا في المشهد اللبناني، لكن الحريري أزاح اهتمامه عن القاهرة وحاول بعدها ترميم العلاقة مع الإدارة السعودية التي أدارت الظهر له لحساب أخيه بهاء الذي بات ينشط في الساحة اللبنانية والسنية تحديدا بشكل كبير، وبدا سعد في أزمته الراهنة وحيدا من دون اكتراث عربي والأهم سعودي، وفي غمرة أزمته الراهنة أنعش السيسي الحريري باستقباله له ودعمه ومبادرته التي أطلقها لحل الأزمة الحكومية.


واعتبر القيادي في تيار المستقبل مصطفى علوش أن الحضور المصري جاء إعادة لدور عربي هو مطلوب في الساحة اللبنانية، وكذلك بهدف دفع المجموعة العربية للعب دورها الإيجابي في دعم لبنان وعدم تركه وحيدا يتخبط في التجاذبات وتعريضه لمخاطر كبيرة محدقة به.

 

وأضاف في تصريحات لـ"عربي21": "يعيد الدور المصري التوازن إلى علاقات لبنان العربية ويدفع بالأمور إلى اتجاهات إيجابية جديدة من خلال بث الروح الجديدة التي تهدف إلى خدمة لبنان وتحصينه، ولا بد لنا من الانتظار لمعرفة محصلة هذا الدور ومدى إسهامه في معالجات الأزمات المتنوعة التي تعصف بلبنان".


ونفى علوش أن يكون الدور المصري بديلا للحضور السعودي في المشهد اللبناني، وقال: "لطالما كان للمملكة العربية السعودية إسهامات وأياد بيضاء بالنسبة للبنان وهي دفعت في جميع الاستحقاقات والمحطات الهامة لتأمين الاستقرار وللحيلولة دون تدهور الأوضاع بنواحيها كافة في البلاد".

 

وأوضح: "الدور المصري يشكل داعما إضافيا وهو بمثابة إحياء لدور الجامعة العربية المغيب مؤخرا، ولا بد من معرفة أن الإسهام المصري يهدف إلى الدفع تجاه إزالة العراقيل أمام تشكيل الحكومة والتمهيد للبدء في المعالجات المالية والاقتصادية اللازمة".

 

ولفت إلى أن "السعودية لا تريد أن تدفع بنفسها في أتون الخلافات الداخلية اللبنانية ومن هنا جاء التوافق والتناغم مع مصر من أجل معالجة الأزمة اللبنانية".


وحول طلب مصر من الحريري عدم الاعتذار عن تشكيل الحكومة، قال: "لا معلومات لدي حول ما جرى في اللقاء ولكن بالتأكيد تدعم مصر بقاء الرئيس الحريري لكونه شخصية وازنة باستطاعتها محاورة المجتمع الدولي وهو قادر على قيادة البلاد إلى سكة المعالجات والخروج من الأزمات"، وعن تشكيك البعض في غايات وأهداف الدور المصري، رأى علوش أن "الجهات التابعة للمحور الإيراني تشكك في أهمية وفعالية الدور المصري لأنه يهمها أن تبقى الساحة خالية لها، مع الأخذ بعين الاعتبار أننا لا يمكن مقاربة الدور المصري بأدوار سابقة منذ عهد الرئيس جمال عبد الناصر أو عهد أنور السادات، فالظروف والمعادلات تغيرت كثيرا".

 

اقرأ أيضا: الحريري يعتذر لعون عن تشكيل الحكومة: لن نستطيع التفاهم

 

وعن الدور التركي وعلاقة الحريري مع أنقرة، قال: "هو منفتح لأي علاقة تخدم لبنان وتزيل العراقيل الإقليمية أمام الحلول، وبالتالي يحرص الرئيس الحريري على بذل كل جهد في سبيل تدعيم علاقات لبنان الخارجية بما يخدم مصلحة البلاد".

وتحدث الكاتب والمحلل السياسي عماد شمعون عن أن اتجاه الحريري في خياراته نحو القاهرة يؤكد حقيقة "تردي علاقاته مع الخليج العربي وتحديدا مع السعودية، يضاف إلى أن الحريري يحاول نزع أي محاولة حضور تركي في الساحة السنية لأن ذلك يضعف من زعامته، وبالتالي التوجه صوب القاهرة يعطيه دعما سياسيا وعربيا ويحصن ساحته السنية من أي خرق تركي محتمل، ومن المعلوم بأن مصر وتركيا على وجهي نقيض حيث حارب النظام المصري وجود الإخوان في الحكم والمشهد المصري في حين احتضنت تركيا قادة الإخوان المسلمين ودافعت عنهم وأعطتهم مساحة للتحرك وتفعيل دورهم من خلالها".

وشدد في حديث لـ"عربي21" على أن الدور المصري يهدف إلى تحقيق إنجاز معنوي من خلال إعادة القاهرة إلى زخمها العربي الفاعل بعد إنكفائه منذ فترة طويلة، وبالتالي، فإن الدور المصري يحمل أهمية كبيرة بالنسبة للإدارة المصرية ويعيد تقديمها على أنها الدولة الوازنة ذات الثقل عربيا وإقليميا".

وحول عجز اللبنانيين عن حل خلافاتهم ومشاكلهم ذاتيا مما يثبت تبعية لبنان للمحاور الخارجية، قال: "بات مؤكدا أن لبنان ساحة مباحة للاعبين الإقليميين من دون اكتراث أبنائه لا بل بتشجيع من الطبقة السياسية الحالية، ولم يعد خافيا على أحد أن حل الأزمات الداخلية مفتاحه بأيد خارجية لأن الأطراف المعنية عاجزة عن التلاقي واتخاذ المبادرات اللازمة نحو تذليل العقبات وأن الحلول تأتي من الخارج وهذا ما يضعف جديا استقلالية لبنان ويظهره بمظهر التابع أو المحتاج دائما إلى وصاية خارجية".

 

وأبدى استياءه من إلقاء البعض للوم على الخارج وتحميله مسؤولية الأزمات في البلاد، فقال: "الحديث عن حرب الآخرين على أرضنا انتهى ولم يعد قائما، فاللبنانيون أنفسهم يستحضرون العناصر الخارجية من إيرانية ومصرية وأمريكية وسعودية وغيرها وهذا ما يفقد لبنان هيبته واستقلاليته".

وبالنسبة إلى دور النفط اللبناني في تأجيج الأزمة، قال: "عمد رئيس الجمهورية ميشال عون وصهره جبران باسيل إلى المبالغة من خلال هذا الملف الذي لا يمكن أن يشكل رافعة خلاص للبنان في ظل تزاحم الأزمات المتنوعة عليه، فالدين العام بلغ 300 مليار دولار والبلد في فوهة بركان يتفجر تباعا".

وتابع: "الخلاص للبنان يكون من نفطه الخاص وهو السياحة التي لو وفرت لها الظروف لكانت هي نقطة انطلاق نحو رفاهية وتقدم وازدهار لبنان، ولكان لبنان رغدا في بحبوحة على غرار دبي التي تعتمد على الخدمات والسياحة".