كتاب عربي 21

المستبد والعبث بالدين.. المواطنة من جديد (66)

1300x600

يكشف خطاب المستبد حول الدين بين الآونة والأخرى عن استغلاله لكل ما يمكن له بما في ذلك الدين، للتعويم والتغييم على ممارساته وسياساته الاستبدادية، وهو يوظف الدين بأكثر مما انتقده الكواكبي في الاستبداد، ويكرس زخفا على الدين تأميما لمساحاته وهيمنة على ساحاته وتسييسا لأدواته.

فالدين هو جراب المستبد، والظهير الرئيس، كما ينشغل بكيفية إلهاء الناس بالحديث حول مسائل دينية ليس له فيها. فالمستبد يتحدث في ما لا يجب أن يتحدث به ويترك ما يجب أن يتحدث فيه، وهو يمارس من خلال حديثه في الدين زحفا على الإنسان وحقوقه وعلى المواطن ومعاشه وضروراته، سعيا نحو إقرار طبعته الاستبدادية في تصوراته حول الدين والتدين.

لا يهدف خطاب السلطة المستبدة ونصوصها إلى الوضوح، بل على العكس، يسعى خطاب السلطة إلى تعتيم وتضبيب الرسالة عن طريق خلق الصيغ اللغوية المضادة والملتبسة، من أجل قطع الطريق على كل جدل عقلي أو معارضة منطقية؛ وذلك لأن هدفه الرئيس ليس الإقناع والمجادلة وإنما الانصياع والخضوع والطاعة العمياء

لا يهدف خطاب السلطة المستبدة ونصوصها إلى الوضوح، بل على العكس، يسعى خطاب السلطة إلى تعتيم وتضبيب الرسالة عن طريق خلق الصيغ اللغوية المضادة والملتبسة، من أجل قطع الطريق على كل جدل عقلي أو معارضة منطقية؛ وذلك لأن هدفه الرئيس ليس الإقناع والمجادلة وإنما الانصياع والخضوع والطاعة العمياء لصالح المتكلم.. فخطاب السلطة شامل ونهائي ولا يحتاج إلى تعليق، فكلما "تقلصت قيمة الرسالة الدلالية، زادت قدرتها عن الإقناع".. ولذلك كانت السلطة في ممارسات استبدادها مؤسسة على السكوت لا على الحوار، ويبقى المستبد دائم الحضور والمراقبة لتوزيع الكلام، وتحديد المواطن الصالح، وشكل العملية السياسية والتعامل. فحضور القائد رمزيا في كل مناسبة يزيد من وزنه، ويجعله أكثر قدرة على السيطرة والاستمرار.

صاحب السلطة الطاغية لا يمنع أن ينظر إلى أولئك الذين هم أدنى منه على أنهم مجبرون على التوسل إليه وسؤال خاطره في كل لحظة؛ بمعنى أنهم لا يتعين عليهم وحسب أن يفعلوا ما يأمرهم به، بل عليهم كذلك أن "يفكروا كما يريدهم هو أن يفكروا، وفي أغلب الأحيان يكون من الواجب عليهم أن يستبقوا أفكاره استجلابا لمرضاته..". كيف يمكن فهم زحف السلطة على الدين، زحفا غير مقدس، تحاول احتكار مساحته أو تلوينها أو تهميش فعالياته؟ إن تحجيم الفاعليات الدينية أو تهميشها، تلوينها أو اختصارها، حرقها أو الاستيلاء عليها، هو قمة تحريك الدوائر من سلطان الدين إلى دين السلطان.

تمارس السلطة في نصها "المركزي" و"الاستبدادي" أقصى درجات التحكم، جاعلة عناصر الرقابة عليها محض خيال، أو مساءلتها محض استحالة، والسؤال عن حسن حكمها أو سوئه من اللا مُفَكَّر فيه ولا في الخيال، ووقع كل ذلك في دائرة الممنوع، وفي سياق المكبوت. هذه الحالة من "التغوُّل" على ساحة الفاعليات لا بد أن تجد مادتها في المواطنة، ومنتجها الوحيد "المواطن". فماذا يعني الزحف على الدين والظواهر التي تتعلق به في ما يمكن تسميته بالظاهرة الدينية على تنوعها، وتعددها، أو الظواهر الدينية على تفردها وتعديدها؟ وماذا يمكن أن تشير صفة الزحف "غير المقدس" للسلطة على الدين، والذي كان ضمن جملة "تأميم السلطة للدين"؟!
تمارس السلطة في نصها "المركزي" و"الاستبدادي" أقصى درجات التحكم، جاعلة عناصر الرقابة عليها محض خيال، أو مساءلتها محض استحالة، والسؤال عن حسن حكمها أو سوئه من اللا مُفَكَّر فيه ولا في الخيال، ووقع كل ذلك في دائرة الممنوع، وفي سياق المكبوت

كما أشرنا مرارا وتكرارا، فإن الدين مع اتساع تفسير مساحاته وفضاءاته، ومع الزحف المضاد للسلطة التي وجدت "مواطنها" يُشرك بتأليهها، بل هو أكثر من ذلك وجدته يتعاطى مع توحيد إلهي: "لا إله الا الله"! وصارت هذه المساحات والمجالات محل تنازع، وصارت الصفات ومَن الحقيقُ بإطلاقها أو باحتكارها؛ مجال تنازع كذلك! وبدت السلطة تجور على مساحات مختلفة؛ لسببين:

- الخوف أن تخرج فاعليات من تحت يدها أو أن تخرج عن رقابتها وهيمنتها: النص الديني يزحف على ذات مساحة نص السلطة (الإنسان- المواطن).

- الخوف من أن تشارك فاعليات ذات المساحة، زاحفة على حياض السلطة، فتظهر عناصر قصور السلطة والدولة، في تعاملها مع المواطن.

بين هذا وذاك، أتمت السلطة مساحات كثيرة مظنة فاعليتها، ومظنة خروجها عن إطار ودائرة رقابتها، فماذا كان من استراتيجيات السلطة في فعل ذلك؟!
أولاً: هاجمت السلطة "تسييس الدين" في خطاب مانعٍ لأي قوى تدخل هذا المجال، ومنذرة كل القوى من مغبة توظيف الدين، وفي ظل خطاب نص السلطة، "التلاعب" بالدين.

ثانياً: حتى إذا ما استخدمت الدولة الاستراتيجية المانعة، بدت تزحف على تلك المساحات فاتحةً باب تسييسها من أوسع طريق، وهي في هذا المقام أرادت أن تطبق عناصر استراتيجية ذات مسارين:

1- اغتصاب مفهوم "صحيح الدين" في إطار تأويل ترتضيه السلطة.

2- اغتصاب مفهوم "التطبيق" ضمن سياسات احتكارية.

أما في سياستها الإيجابية ضمن عملية التسييس، فقد حركت عنصرين مهمين:

الأول: حركت بعض رموز التوجه العلماني ضد هذه القوى، متهمة إياها بالتسييس للدين أو بتديين السياسة، ودرجت تسمِّي ذلك "الإسلاموية" أو غير ذلك من تعبيرات مستحدثة، بينما أهملت هذه القوى العلمانيةُ حركة السلطة في تسييس الدين واغتصاب تطبيقه.

الثاني: برزت السلطة - وبصورة شديدة الانتقائية - تتعامل مع الدين بالقطعة، ضمن عملية تسييس واسعة. فما اعتبرته السلطة جُرماً وحراماً على القوى السياسية التي اتخذت من الدين مرجعية؛ اعتبرته لنفسها حلالاً وكلأً مباحاً، مستخدمة في ذلك "سلطة التأويل" و"سلطة التقييم".

وبالجملة فقد استولت السلطة المستبدة على البقية من الدين بدعوى "التنظيم"، ودعوى "منع عملية تسييس الدين" لأهداف آنية ومصلحية للقوى السياسية، وصارت عملية التأميم للفاعليات الدينية تتحرك نحو صياغة دين السلطان، في سياق يُحدث تآكلات في سلطة الدين. وهي أمور باتت تتكرر بين الآونة والأخرى؛ وزحفت على مجمل الأرض المفاهيمية، وفي ضوء ما أسماه سالم القمودي "اغتصاب التطبيق".

المفاهيم تُبنى على الأرض والسلطة في صياغة نصها المجتمعي، تتحرك نحو عالم المفاهيم لتأميمه في الممارسة، حتى غابت معانيه الإسلامية وبدا المفهوم مصنوعاً على أعين السلطة، وفق قواعد هي تحددها وربما تحتكرها. وضمن آلية التمويه، تحركت السلطة لتؤكد تارةً أنها تتحدث عن "صحيح الدين" أو "الدين الخالص" أو "الفهم الصحيح"، وتارة أخرى اختارت كلمات ذات طابع وشحنة تتعلق بالدين، فانخرطت في مجال تسييس تلك المفاهيم من أقرب طريق وفقاً لمصالحها وحركتها.

هذه بعض المؤشرات التي أردنا أن نخرج منها نماذج للمواطنة، أكدنا - ومن كل طريق - أن هذه النماذج لا تفرز بحالٍ نموذجاً سويّاً للمواطنة، ناهيك عن خطاب المواطنة الصالحة الذي لا يغادر أي مؤسسة وتجعله واحداً من أهم أهدافها.
بدا له بين الحين والآخر أن يتحدث بخطاب عن الدين وعن الإسلام والمسلمين ضمن تبكيتاته المتتابعة لعالم المسلمين؛ متهما إياهم بأنهم لا يعرفون دينهم ولا مقامهم، وأنهم لا يمارسون في الأرض إلا فسادا، وفي المعمورة إلا خرابا. وكأنه بأفعاله يسقط ذلك على غيره، وهو من أعتى الفاسدين والمفسدين

كل ذلك تداعى لنا من جانب تلك الأحداث التي تتوالى تترى، والخطاب الذي يخرج به علينا المستبد المنقلب، لابسا ثياب الواعظين، مدعيا الحكمة والدين، وهو أبعد ما يكون في سلوكه وممارساته عن ذلك، بتسييسه لتلك الأمور والتعامل معها بما يدعم بطشه وطغيانه ويحمي سلطانه. وتداعى له ذلك حينما بدا له بين الحين والآخر أن يتحدث بخطاب عن الدين وعن الإسلام والمسلمين ضمن تبكيتاته المتتابعة لعالم المسلمين؛ متهما إياهم بأنهم لا يعرفون دينهم ولا مقامهم، وأنهم لا يمارسون في الأرض إلا فسادا، وفي المعمورة إلا خرابا. وكأنه بأفعاله يسقط ذلك على غيره، وهو من أعتى الفاسدين والمفسدين، وأشد من يقوم بتخريب العمران والأوطان، ومع ذلك فهو بعد كل فترة يخرج بخطاب عن مسائل دينية؛ فسار يخترع من القضايا التي تشدد على هذا الأمر، ومن آخر بدعه وابتداعاته أن يقيّم الناس ويصدر الأحكام بـ"أن المصريين ليسوا إلا مسلمين بالبطاقة".

في هذا السياق وجب علينا أن نتتبع كل تلك الخطابات التي يمارسها ذلك المنقلب منذ انقلابه وتأثيره في إدراكاته للمسألة الدينية، وأكثر من ذلك التأثيرات التي يتركها على عالم المواطنة وحقوقها والالتزامات المتعلقة بها، فيعبث بالدين والمواطنة معا، ولذلك سنواصل الحديث في مقالين قادمين رأينا أنه من المهم أن نعالج - فيهما وفي تلك السلسلة "المواطنة من جديد" - علاقة الانقلاب بالظاهرة الدينية ومحاولة تأميمها أو الانحراف بها أو توظيفها، وربما تكون مؤشرا على سياسات الإخفاء والتعتيم، والإلهاء والتعويم.

 

twitter.com/Saif_abdelfatah