كتاب عربي 21

الإخوان بعد السيسي!

1300x600
نجح السيسي بقبضته الأمنية في ترحيل كل أمر إلى ما بعده، فلا أحد الآن يتحدث عن مستقبل في وجوده!

وفي ظل "المناكفات السياسية"، فقد قرأت مؤخراً لمن يؤكد على العودة القوية للإخوان في مرحلة ما بعد السيسي، مستدعياً التاريخ، فحملة الإبادة التي تعرضوا لها في عهد عبد الناصر لم تنجح في القضاء عليهم، وعادوا بعد ذلك قوة لا يستهان بها، مكنتهم من أن يكونوا حزب الأغلبية عندما سنحت الفرصة لانتخابات حقيقية، وهي أزمتنا مع التاريخ الذي لا تُطرح أحداثه على جدول الأعمال، وعندما يُستدعى يكون بقراءة سطر وترك سطر، لخدمة موقف لحظي!

عقب الانقلاب كانت المقارنة حاضرة في ذهني، فعبد الناصر قدم خدمة العمر للإخوان، عندما حملهم استبداده على مغادرة البلاد، فانتقلوا في الأصقاع، وهذا ما تسبب في انتشار الجماعة في كثير من دول العالم، على العكس من جماعات أخرى كثيرة لم تتح لها هذه الفرصة وظلت تنظيمات محلية، غير معروفة خارج حدود البلد الذي تعيش فيه. وهذه الهجرة القسرية هي التي أنتجت ما سمي بالتنظيم الدولي للإخوان!
في ظل "المناكفات السياسية"، فقد قرأت مؤخراً لمن يؤكد على العودة القوية للإخوان في مرحلة ما بعد السيسي، مستدعياً التاريخ، فحملة الإبادة التي تعرضوا لها في عهد عبد الناصر لم تنجح في القضاء عليهم، وعادوا بعد ذلك قوة لا يستهان بها، مكنتهم من أن يكونوا حزب الأغلبية عندما سنحت الفرصة لانتخابات حقيقية

ولأن التقييم كان مبكراً فلم أنتبه إلى الفروق الجوهرية بين التجربتين، فمن هاجر في التجربة الأولى هناك دعاة كبار، وحتى من ترك منهم الجماعة كتنظيم، فإن حضوره بخلفيته السابقة مثلت دعوة لهم، وعندما نقارن بين من هاجروا في أيام عبد الناصر ومن هاجروا الآن سنقف على الهوة الشاسعة، من حيث القيمة. فمن في الخارج بحجم الغزالي، والقرضاوي، وسيد سابق، ثم إن التعاطف من ناحية والخصومة مع عبد الناصر من ناحية أخرى، في دول المهجر، سمحت للمهاجرين بحرية الحركة وبالحماية، وهو أمر ليس قائماً الآن. فحتى البلدان التي كانت مفتوحة، بدأت في التقارب مع نظام السيسي، ليفقد القوم حاضنتهم. ثم إنهم مع وجودها، لم يكن لديهم ما يقدمونه أو يفعلونه، إلا تصدير مشكلاتهم للعلن!

وفضلا عن هذا، فإن المهاجرين الأوائل لم تحدث بينهم معارك تكسير العظام، على النحو الذي يحدث مع المهاجرين الجدد. فالجماعة انشقت في البداية إلى فريقين، جمّد أحدهما الآخر، ثم انشق الفريق القوي على نفسه. وربما مثّل قيمة مضافة أن المهاجرين السابقين لم يهاجروا بالتنظيم وخلافاته للخارج، رغم أن من بين من هاجروا من انشقوا على المرشد العام للجماعة، والشيخان سيد سابق والغزالي من هذه النماذج، وذلك لأن اعتقال المرشد أسقط هذه الخلافات، ومن انتقلوا للخارج كانوا مع الفكرة، وقد انتهى التنظيم بالنسبة لهم، فلما عاد أهل التنظيم وجدوا تربة مهيئة لزرعهم!

أزمة التعذيب:

وبوفاة عبد الناصر، كانت السلطة الجديدة حريصة - عادة الأنظمة في بدايتها - على التعامل على أساس أن ما سبق لا يخصها، مع أن السادات كان نائباً لعبد الناصر. ومع أنه عضو في المحكمة العسكرية التي حاكمتهم وحاكمت غيرهم، لكنه قرر فتح صفحة جديدة معهم، لأن اليسار هم خصومه، وإذ ترك الحضور الإسلامي ينمو في الجامعات وفي الشارع، لأسباب عدة بعضها يرتبط بطبيعته، لم يكن لديه مانع في التقنين القانوني لوضع الجماعة، التي دخل قادتها في خلافات بيزنطية حول عدم وجود قرار حل من قبل عبد الناصر وبالتالي فلا معنى لهذا التقنين!

وحالة السماح للحضور الإسلامي في الجامعات مثّلت قوة ضخ كبيرة لمن أعادوا للجماعة شبابها، وبواسطة شباب متحمس لم يتعرض لتعذيب أو يمر بمحنة القادة!

لندخل هنا في أزمة جديدة، فالتعذيب الذي تعرض له الإخوان (تعرض لمثله غيرهم) أثار تعاطفاً واسعاً معهم، وهو التعاطف الذي لم يجعل من خضعوا له مطالبين بمراجعات للمرحلة السابقة، لأن تجربة السجون مثلت امتيازاً لمن دخلوه!

ولا أعتقد أنه في مرحلة ما بعد السيسي يمكن أن يكون السجن معياراً مهما، أو مبرراً لتجاوز الأخطاء التي أدت بالجماعة إلى أكبر نكبة في تاريخها، لأنها كررت أخطاء التجربة الأولى!

ثمة نقطة مهمة هنا، وهي أن صِدام الإخوان في التجربة الأولى كان مع السلطة، ولم يكن مع أطراف في المجتمع، أو مع القوى السياسية، وكانت مصر بكتابها ونخبتها (عدا القلة من اليسار) في معركة مع نظام عبد الناصر بعد رحيله، وبدأت في تصفية حساباتها معه، وهذا خلق حالة من التعاطف الجماهيري معهم. ثم إن هذه النخبة لم تكن في مشكلة مع الإخوان كجماعة، حتى في عهد مبارك الذي لم يبدأ العداء للإخوان إلا في وقت متأخر؛ عندما فرغ من الجماعات المسلحة، وقد كانوا لفترة طويلة فزّاعة يُخيف بها الغرب، باعتبارهم البديل له!
صِدام الإخوان في التجربة الأولى كان مع السلطة، ولم يكن مع أطراف في المجتمع، أو مع القوى السياسية، وكانت مصر بكتابها ونخبتها (عدا القلة من اليسار) في معركة مع نظام عبد الناصر بعد رحيله، وبدأت في تصفية حساباتها معه، وهذا خلق حالة من التعاطف الجماهيري معهم

وفي هذه الأجواء لم يجد كاتب منتم للسلطة مثل إبراهيم سعدة حرجاً في أن ينعى "عمر التلمساني"، بمقال طويل في صدر الصفحة الأولى من أكبر صحيفة مصرية من حيث التوزيع، "أخبار اليوم"، وأن يصدر كاتب مثل محسن محمد كتاباً عن حسن البنا واغتياله، الذي كانت قيمته فوق أي سجال مع الإخوان، وهي قيمة لم تعد قائمة الآن، والعداء لم يعد قاصراً على السلطة يسقط بسقوطها! فضلا عن أن الإخوان كانوا في الأزمة الأخيرة أقرب إلى المجتمع على العكس من الأزمة الأولى التي كانت على مستوى السلطة. وكان المجتمع شاهداً على الفشل في الحفاظ على السلطة، بل والفشل في إدارة مرحلة ما بعد الانقلاب!

الخيارات:

بدون الدخول في خيارات كثيرة، فإن نهاية عهد السيسي ستكون إما بوفاته، أو بالانقلاب العسكري عليه، والخيار الشعبي يكون بالثورة.

وإذا خرجت ثورة (وهي الخيار المستبعد حاليا)، فلن تكون على قواعد ثورة يناير، ولن يكون الإخوان شركاء فيها، وإذ أوقفوا الحراك بقرار، فقد بدا واضحاً أنهم ليسوا مستعدين للمشاركة في أي دعوة للخروج على النظام، وعندما كانت الدعوة للانتصار للتراب الوطني، كانت اللجان الالكترونية تروج لثنائية غريبة، وهي: الأرض أم الدم؟ بمعنى أيهما كان الأولى للخروج على نظام السيسي، تفريطه في التراب الوطني أم بسبب مذابحه؟ وعندما دعا محمد علي للخروج كان الشعار المرفوع أن هناك اتجاها داخل النظام للقيام بانقلاب، ولهذا فليفعلوا ذلك بعيداً عنا. وأثبتت الأيام أنه شعار لتبرير عدم المشاركة، فلا انقلاب هناك ولا يحزنون!

وهو اتجاه لن يجعل منهم طرفاً في أي ثورة قادمة، وبالتالي فلن يكونوا طرفا في الحضور بعد أي ثورة، ليس هم فقط، ولكن كل من شاركوا في ثورة يناير باعتبارهم المثال الذي من لحم ودم على الفشل!
الخيارات الأخرى، وهي التي تحقق الانتقال للسلطة من السيسي إلى دائرة حكمه، وهي وإن كانت لن تستمر في إقصاء الإخوان تماماً، فلن تمكنهم من حضور كبير، ولو على مستوى الدعوة، لسبب مهم، وهو أن الدولة القائمة لديها تصور مكتمل عن الإخوان، أنهم من إذا أعطيت لهم يدك طمعوا في ذراعك

أما الخيارات الأخرى، وهي التي تحقق الانتقال للسلطة من السيسي إلى دائرة حكمه، وهي وإن كانت لن تستمر في إقصاء الإخوان تماماً، فلن تمكنهم من حضور كبير، ولو على مستوى الدعوة، لسبب مهم، وهو أن الدولة القائمة لديها تصور مكتمل عن الإخوان، أنهم من إذا أعطيت لهم يدك طمعوا في ذراعك. إنهم يتمسكنون في زمن الشدة، لكنهم إذا تمكنوا فسيكون من الصعب احتواؤهم!

السيسي لا يطبق رؤيته هنا، فهو تصور آل إليه، ربما كان السبب في زيادة مستوى القسوة إلى حد الإبادة أنه جاء بانقلاب عليهم، وبعد ثورة أفصحوا فيها عن أنفسهم، فليسوا هم من يلعبون في الحدود المرسومة لهم كما كان يتصور نظام مبارك، وإنما قد يذهبون بعيداً لو وجدوا الفرصة سانحة!

وإذ استخدم مبارك الإخوان فزاعة للغرب، بانتخابات عام 2005 التي أفرزت 88 نائباً من الجماعة، فبحلول سنة 2010 أدرك أنه آن الأوان لطي صفحتهم، فكان القرار ألا ينجح منهم أحد. وهذه رؤية كان يمكن أن تستمر لو جاء جمال مبارك، ولا خلاف بينه وبين السيسي في نوع العقوبة ولكن في درجتها.

وإلى مرحلة ما بعد الثورة كانت هناك رؤية أمنية لشل حركة الإخوان، طرحها وزير الداخلية على المشير محمد حسين طنطاوي قبل إجراء جولة الإعادة على الانتخابات الرئاسية سنة 2012، لكن المشير استبعدها بحجة أن الأمريكان لن يوافقوا على تزوير الانتخابات، تتمثل هذه الخطة في اعتقال ما لا يتجاوز الثلاثة آلاف شخص من قيادات الجماعة والعناصر المهمة، ولم يكتف السيسي بهذا العدد فقط، لأنه جاء بانقلاب كما قلنا!

ويبقى خيار الانتخابات لو تم اللجوء إليها لأي سبب من الأسباب، فلا أعتقد أن الإخوان فقدوا نواتهم الصلبة في الشارع المصري رغم كل ما حدث، لكن هذه النواة لا يمكن أن تكرر التجربة من جديد، لتكون النتيجة هزيمة جديدة لا تصيبنّ الذين فشلوا خاصة!
يبقى خيار الانتخابات لو تم اللجوء إليها لأي سبب من الأسباب، فلا أعتقد أن الإخوان فقدوا نواتهم الصلبة في الشارع المصري رغم كل ما حدث، لكن هذه النواة لا يمكن أن تكرر التجربة من جديد، لتكون النتيجة هزيمة جديدة لا تصيبنّ الذين فشلوا خاصة!

وسمة هذه الكتلة أنها لا تتأثر بالدعاية المضادة ولو كانت قائمة على أساس حقيقي، ومن ثم فالخلاف على الزعامة والأموال كما هو الحال الآن؛ لا تهتم به الجماهير المستعدة للخروج على أي قيمة دينية للدفاع عن الجماعة في مواجهة من يتعرض لها، وهذا مكمن قوة الإخوان: الأشياع وليس الأتباع!

ولهذا فالأزمات مع الأفراد تظل خاصة بهم، والأشياع ليسوا مستعدين لتصديقها. والمعنى فلن يضعف الإخوان بشكل كامل إلا بأمرين:

الأول: بإقامة حياة سياسية سليمة، تسمح بوجود أحزاب وزعامات، تنافس منافسة حقيقية، وهذا لن يكون إلا في ظل نظام ديمقراطي.

الثاني: باختبار الإخوان لدورة انتخابية كاملة، بدون إفشال، فقد تكون نهايتهم نفس النهاية التي سيمنى بها حزبهم في المغرب، وتقلص شعبية حزب النهضة في الانتخابات الأخيرة عن شعبيته في الانتخابات الأولى!

إنني أدرك أن الإخوان لو ردوا فلن يقدموا على المنازلة الانتخابية مرة أخرى على الأقل في الأمد المنظور، لكن تظل المعضلة قائمة، ما لم يُمكّنوا من هذه الدورة!

فالجماهير تحكم بما رأت وليس بما سمعت!

twitter.com/selimazouz1