اقتصاد دولي

هل الأموال وحدها كافية للقضاء على الجوع؟.. "نموذج ناجح"

القضاء على الفقر لا يقتصر فقط على تحويل الأموال المباشرة بل مجموعة مبادرات متكاملة- عربي21

لم يكن التحدي المشروط للملياردير الأمريكي والرئيس التنفيذي لشركة السيارات الكهربائية "تسلا"، ببيع حصة من أسهم شركته والتبرع بعائداتها للقضاء على أزمة الجوع التي تهدد 42 مليون إنسان حول العالم مجرد سجال عابر بينه وبين المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة ديفيد بيزلي.


بدأ السجال بمقابلة أجراها المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي خلال مع شبكة سي إن إن، قال فيها إن أثرياء العالم مثل إيلون ماسك وجيف بيزوس وريتشارد برانسون يستطيعون حل مشكلة الجوع في العالم بجزء صغير فقط من ثروتهم.


وأضاف: "هناك 42 مليون شخص في العالم يمكن أن يتضوروا جوعا الآن، في حين أن 6 مليارات دولار والتي تشكل 2 بالمئة فقط من ثروة ماسك يمكن أن تقضي على مشكلة الجوع. وبحسب مؤشر "بلومبيرغ" فإن صافي ثروة ماسك بلغت 311 مليار دولار ليصبح أغنى رجل في التاريخ.


ورغم أن دعوة بيزلي أصحاب المليارات بالمساهمة في القضاء على الجوع في العالم متكررة، إلا أن ماسك التقط دعوته الأخيرة ونشر تغريدة على حسابه بموقع التواصل الاجتماعي "تويتر" قائلا: " إذا تمكن برنامج الأغذية العالمي من شرح تلك المسألة، والتوضيح كيف ستحل 6 مليارات دولار الجوع في العالم، فسوف أبيع أسهم تسلا في الحال وأتبرع بها".


لكن بيزلي عاد وعلق على شرط ماسك قائلا: "يمكنني أن أؤكد لكم أن لدينا الأنظمة المطبقة للشفافية والمحاسبة مفتوحة المصدر. ويمكن لفريقك المراجعة والعمل معنا لتكون واثقا تماما من ذلك".


وأوضح بيزلي أن برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة لم يقل أبدا إن 6 مليارات دولار "ستحل الجوع في العالم"، وهي الصياغة التي استخدمها ماسك على تويتر.


وتابع: "هذا تبرع لمرة واحدة لإنقاذ حياة 42 مليون شخص خلال أزمة الجوع غير المسبوقة هذه".
وعجت مواقع التواصل الاجتماعي، على مدار الأيام القليلة، بتعليقات وردود فعل متباينة على سجال ماسك وبيزلي، وهو ما دفع "عربي21" إلى فتح ملف أزمة الجوع في العالم وطرح تساؤلات حول كيفية القضاء على الجوع في العالم.

 

 

 

 

وقال المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي: "أكبر 400 ملياردير في الولايات المتحدة بلغت الزيادة في صافي ثرواتهم 1.8 تريليون دولار في العام الماضي. كل ما أطلبه أنا هو 36 بالمئة من صافي ثروة الأشخاص الذين لديهم الكثير من المال، لكن الله يعلم أننا نعمل من أجل مساعدة الأشخاص الذين هم في أمس الحاجة الآن؛ العالم في مأزق".. فهل الأموال وحدها كافية للقضاء على أزمة الجوع في العالم؟

ونشرت منظمة الأغذية والزراعة العالمية للأمم المتحدة (الفاو) كتابا في عام 2017، تحت عنوان "الطريق إلى القضاء على الجوع.. 1945-2030"، استعرضت فيه جهود المنظمة المتواصلة لمساعدة الدول الأعضاء لتحقيق هدف "القضاء على الجوع" في عالم متغير يواجه تحديات ملحة، من الهجرة إلى تغير المناخ.

لكن الملفت في هذا الكتاب ما ذكره أنريكي يفيس مدير الاتصالات بالمنظمة عن برنامج برازيلي ناجح للقضاء على الجوع في أفقر ولاية بالبرازيل وهي ولاية بياوي، أدى إلى اختفاء البرازيل من خريطة الجوع السنوية الخاصة بمنظمة "الفاو" على الرغم من أن البرازيل تمثل أكبر دولة في أمريكا اللاتينية ويوجد بها أكبر فجوة في العالم بين الأغنياء والفقراء.

 

اقرأ أيضا: شرط إيلون ماسك لحل أزمة الجوع في العالم يثير جدلا

 

برنامج ناجح.. كيف تم تطبيقه؟


بعدما فاز زعيم نقابة العمال لولا دا سيلفا بالانتخابات الرئاسية في البرازيل في نهاية العام 2002، تبنت حكومته الجديدة قضية معالجة الجوع والفقر من خلال برنامج معقد وطموح أطلق عليه اسم "fome zero" (القضاء على الجوع باللغة البرتغالية)، تضمن مجموعة تدابير حكومية منها الاستثمار في البنية التحتية مثل الطرق والكهرباء والمياه الجارية، وفي مجال التعليم والصحة مدعومة بنظام دعم مع تحويل نقدي مباشر للأشخاص الأكثر احتياجا.


ووفقا لـ"يفيس"، استطاع البرنامج البرازيلي إنقاذ 36 مليون مواطن من الفقر المدقع على مدى عقد فقط من الزمان وقلل من معدل وفيات الأطفال 45 بالمئة خلال 11 عاما وخفض عدد الأشخاص الذين يعانون من نقص التغذية بنسبة 82 بالمئة.


وقال "يفيس": "في اليوم الأول الذي قضاه في مكتبه بعد فوزه بالانتخابات في نهاية عام 2002، قام الرئيس الجديد للبرازيل إناثيو لولا دي سيلفا بتلخيص أولوياته الأساسية بقوله: إننا سنقوم بخلق ظروف يمكن فيها لشعبنا أن يتناول ثلاث وجبات لائقة كل يوم دون الحاجة للحصول على منح من أحد".


وأضاف المسؤول الأممي: "بالفعل تم تحويل الحلم إلى حقيقة، وكان مهندس البرنامج حينها هو وزير الأمن الغذائي والخبير الزراعي جوزيه غرازيانو دا سيلفا (يشغل حاليا منصب مدير عام منظمة الأغذية والزراعة "الفاو)".

 

تحويل الأموال إلى الأسر خلق اقتصاد محلي لم يكن موجودا في البرازيل من قبل


وكان البرنامج البرازيلي عبارة عن مظلة شاملة ضمت عددا من المبادرات المختلفة التي تم تنفيذها بصورة متبادلة على المستوى المحلي وعلى مستوى المناطق (الولايات) وعلى المستوى الوطني، منها: برنامج تحويل النقود، والماء للجميع، والكهرباء للجميع، ونظام مشتريات الغذاء، والبرامج الاجتماعية التي تستهدف المزارعين من أصحاب الحيازات الصغيرة والمشروعات التعليمية، وبرنامج منزلي هو حياتي، وهو برنامج إسكاني للقطاع العام.


وأطلق على البرنامج في البداية اسم "القضاء على الجوع"، ثم تم تعزيزه من قبل حكومة الرئيسة ديلما روسيف التي خلفت لولا وأطلقت عليه اسم "البرازيل بدون فقر مدقع".


وكانت الدعامة الأساسية تتمثل في التحويل المباشر للأموال لأكثر الأسر احتياجا بشرط أن تفي بمتطلبات معينة مثل ذهاب أطفالهم للمدارس، وأن يقوموا بإجراء فحص طبي في مركز الصحة المحلي مرة شهريا. وبصفة عامة، تم تخصيص بطاقة سـحب نقد للمرأة المعيلة لضمان وصـول الأموال إلى كل أفراد الأسرة.


وأصبح بإمكان أي امرأة مستفيدة من هذا البرنامج الحصول على 50 دولار شهريا لشراء الطعام، ومن أجل أن تصبح أي امرأة مؤهلة لأن تكون إحدى المستفيدات من البرنامج يجب وضع خاتم المدرسة على بطاقتها (حيث يحصل الأطفال على وجبات يومية) بما يؤكد أنهم يذهبون للمدرسة إلى جانب وضع خاتم المركز الصحي بما يشير إلى أنها تذهب للمركز لإجراء الفحص الطبي مرة كل شهر، وهو ما مكن أكثر من 13 مليون أسرة استفادت من هذا البرنامج من الحصول على تعليم ورعاية صحية وليس الحصول على طعام كاف فحسب، وهو ما أدى إلى خفض مستوى سوء التغذية في البلاد.

 

التعليم والرعاية الصحية كانتا الدعامتين اللتين اعتمد عليهما تقدم البرازيل

وأوضح المسؤول الأممي أن التعليم والرعاية الصحية كانتا الدعامتين اللتين اعتمد عليهما تقدم البرازيل، لافتا إلى أن تحويل الأموال إلى الأسر خلق اقتصاد محلي لم يكن موجودا في البرازيل منذ عقد مضى.


وأشار يفيس إلى أن معدل الفقر في البرازيل انخفض من نحو 22 بالمئة إلى 8 بالمئة في الفترة من 2001 إلى 2013، بينما انخفضت نسبة الفقر المدقع من 14 بالمئة إلى 3.5 بالمئة وبلغت نسبة المواطنين البرازيليين الذين يحصلون على غذاء كاف 98 بالمئة، وفي نفس العقد تضاعف دخل أفقر 20 بالمئة من السكان ثلاث مرات بالمقارنة بدخل أغنى 20 بالمئة من السكان.


وأضاف: "البرازيل دولة معقدة بها أكثر من 200 مليون مواطن، وقد شهد لها على المستوى العالمي بأنها طبقت أحد أكثر التجارب نجاحا في خفض معدل سوء التغذية في السنوات الأخيرة، وأصبحت البرازيل مصدر إلهام للدول الأخرى"، مستطردا: " وقد تبنى المجتمع الدولي برمته عام 2015 هدف الأمم المتحدة للقضاء على الجوع على المستوى العالمي بحلول 2030".

 

 


"خريطة الجوع"


وفي 24 حزيران/ يونيو 2021، حذرت دراسة للأمم المتحدة من استمرار ارتفاع معدلات الجوع في المنطقة العربية على نحو يهدد الجهود التي تبذلها بلدان المنطقة لتحقيق خطة التنمية المستدامة لعام 2030، بما في ذلك هدف القضاء على الجوع.

  

وأكدت الدراسة التي جاءت تحت عنوان "نظرة إقليمية عامة حول حالة الأمن الغذائي والتغذية في الشرق الأدنى وشمال أفريقيا"، أن أكثر من 51 مليون شخص في المنطقة يعانون من الجوع.


وأرجع مساعد المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) والممثل الإقليمي للمنظمة في منطقة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا، عبد الحكيم الواعر أسباب تدهور حالة الجوع إلى استمرار النزاعات والأزمات الممتدة، وإخفاق النظم الغذائية ككل بالمنطقة في توفير غذاء متنوع وآمن ومغذ وبأسعار معقولة للجميع".


وقال برنامج الأغذية العالمي، الشهر الماضي، إن ما يصل إلى نحو 811 مليون شخص، 1 من كل 10 من سكان العالم، لا يحصلون على ما يكفي من الطعام.


ونشر برنامج الغذاء العالمي "خريطة الجوع" عبر العالم، والتي أظهرت أن معظم دول القارة الإفريقية يعاني مواطنوها من الجوع.

 

اقرأ أيضا: انتشار الفقر في الوطن العربي بسبب الفساد وفشل التنمية (2من2)

وكان البنك الدولي قد توقع في تقرير له ارتفاع أعداد الفقراء إلى 735.7 مليون شخص بنهاية 2021، في أسوأ الأحوال، أما السيناريو المتفائل فيتكهن بوصول عدد الفقراء إلى 697.2 مليون فرد.. في الوقت الذي قدر أن 88 و115 مليون شخص في جميع أنحاء العالم سيقعون في غيابات الفقر المدقع في عام 2020.


في كانون الأول/ديسمبر الماضي، كشفت دراسة للأمم المتحدة عن أن أكثر من مليار شخص ربما يعيشون في فقر مدقع بحلول عام 2030 بسبب الآثار طويلة المدى لجائحة فيروس كورونا.


وذكر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أنه يمكن الوصول إلى هذا الرقم إذا استمرت الأزمة الاقتصادية، مما يدفع 207 ملايين شخص إضافي إلى دائرة الفقر. وترى الدراسة بناء على معدلات الوفيات الحالية وتوقعات النمو من جانب صندوق النقد الدولي، أن 44 مليون شخص آخرين سيندفعون تحت خط الفقر على مدار الأعوام العشرة المقبلة.


ونشر برنامج الغذاء العالمي "خريطة الجوع" عبر العالم في 2021، والتي أظهرت أن معظم دول القارة الإفريقية يعاني مواطنوها من الجوع.


وأظهرت الخريطة في قارة إفريقيا أن الجزائر صنفت الدول الإفريقية الوحيدة التي تحقق استقرارا غذائيا بالمرتبة الأولى ثم تلتها كل من تونس والمغرب مصر والسودان وموريتانيا ومالي ونيجيريا والسنغال في المقابل صنفت مدغشقر والصومال من أشد الدول الإفريقية جوعا.

 

 

 

 


وقالت منظمة مكافحة الفقر البريطانية "أوكسفام"، في تقريرها السنوي لعام 2021، إن حوالي 11 شخصا قد يموتون خلال كل دقيقة بسبب الجوع أو سوء التغذية بحلول نهاية السنة الجارية مقابل 7 وفيات ناتجة مباشرة عن وباء كوفيد 19".


ودعت المنظمة، الدول الغنية والمانحين إلى توفير مساعدات غذائية عاجلة من أجل وضع حد لهذا "الفيروس" الأكثر فتكا في العالم، معبرة في الوقت ذاته عن مخاوفها من ظهور بؤر جديدة للمجاعة في دول تتمتع باقتصاد متزن.


وتعد النزاعات المسلحة من بين الأسباب الرئيسية التي تؤدي إلى المجاعة حسب "أوكسفام" التي ذكرت أن حوالي 155 مليون شخص في العالم يعيشون في حالة من انعدام الأمن الغذائي، أي بزيادة تقدر بـ20 مليون شخص مقارنة بالعام 2020، مشيرة إلى أن انتشار وباء كوفيد 19 زاد من مشكلة المجاعة تعقيدا ونموا.  


ومن بين الدول التي تعاني بشكل أكبر من المجاعة الحادة، خصت منظمة "أوكسفام" خصت بالذكر كلا من أفغانستان واليمن وجنوب السودان وسوريا. وهي دول تعاني معظمها من نزاعات مسلحة طويلة أدت إلى تدهور البنية التحتية والاقتصادية فيها حسب المنظمة البريطانية. أما في منطقة الساحل، فالدول التي تعيش صراعات مسلحة طويلة الأمد كبوركينا فاسو مثلا ارتفعت فيها نسبة المجاعة بنسبة 200 بالمئة بين عامي 2019 و2020.


وتحتل جائحة كوفيد 19 المرتبة الثانية، بعد النزاعات المسلحة، من حيث الأسباب التي أدت إلى ازدياد المجاعة في العالم. فمنظمة "أوكسفام" أشارت في تقريرها إلى أن 520.000 شخص تعرضوا إلى مشكل المجاعة منذ بدء انتشار فيروس كورونا في العالم. ولم تستثن كذلك مشكل التغير المناخي باعتباره عاملا ثالثا في اتساع فجوة المجاعة لا سيما في الدول التي تتميز بطبيعة صحراوية أو شبه جافة.

 

اقرأ أيضا: غوتيرش: 40 في المئة من البشر لا يستطيعون توفير الغذاء الصحي

"ثروات الأغنياء"


وفي المقابل، كشف تقرير نقله "إيكونومي بلس" عن وكالة "بلومبيرغ" الأمريكية، ارتفاع ثروات أغنى 25 عائلة في العالم إلى 1.7 تريليون دولار نهاية آب/أغسطس الماضي، بزيادة سنوية 22 بالمئة، احتلت العائلة المالكة في السعودية (آل سعود) المركز الخامس في القائمة، بثروة بلغت 100 مليار دولار.


وجاءت عائلة "هيرميس"، في المركز الرابع بثروة بلغت 111.6 مليار دولار، سبقتها عائلة "مارس" التي احتلت المركز الثالث، فيما احتلت عائلة "كوش" المركز الثالث بثروة تعادل 115 مليار دولار، وعائلة "مارس" المركز الثاني بثروة تقدر نحو 141.9 مليار.


وتصدرت عائلة "والتون" قائمة "بلومبيرغ" للعام الرابع على التوالي بصافي ثروة قدرها 238.2 مليار دولار، ونمت ثروتها بمقدار 23 مليار دولار في الأشهر الـ 12 الماضية، على الرغم من بيع الأسرة ما قيمته 6 مليارات دولار من الأسهم منذ شباط/فبراير الماضي. وتستحوذ عائلة "والتون" على ما يقرب من نصف شركة البيع بالتجزئة "Walmart" التي تمتلك أكبر سلاسل سوبر ماركت في العام.


وفيما يتعلق بالسؤال: هل أموال الأثرياء وحدها كافية للقضاء على الجوع في العالم؟، فإن الإجابة تكمن في النموذج البرازيلي الناجح للقضاء على الجوع، وهي أن القضاء على الفقر لا يقتصر فقط على تحويل الأموال المباشرة بل يتطلب برنامج شامل يتضمن مجموعة مبادرات متكاملة تضمن الاستثمار في مجالات البنية التحتية (مثل الطرق والكهرباء والمياه الجارية)، والتعليم والصحة مدعومة بنظام تحويل مباشر للأموال للأشخاص الأكثر احتياجا.