كتاب عربي 21

معركة مأرب أعادت توجيه بوصلة الحرب.. ولكن!

1300x600
لا يفتأ الإعلام الشيعي يتحدث عن سقوط وشيك لمأرب بيد جماعة الحوثي المسلحة، مستنداً إلى شراسة وقوة المعارك والتضحيات الهائلة التي تقدمها الجماعة دونما اكتراث للخسائر البشرية، لأن الهالكين في معارك هذه الجماعة هم من عموم الشعب اليمني غير المأسوف عليه!

لا تزال المنظومة الشيعية بقيادة إيران وإعلامها يتكئان على الفرص الثمينة التي أتيحت للحوثيين، وحولتهم من جماعة مسلحة محشورة في صعدة لم تنجح في إسقاط معهد الحديث في دماج، والذي كان مقاتلون سلفيون مدعومون من السعودية يدافعون عنه بأسلحة تقليدية، إلى سلطة أمر واقع تتحكم بمصير الكتلة السكانية الأكبر في اليمن.

في محافظة مأرب هناك بؤر صمود أسطورية تتأسس كل يوم، منجزةً نطاقاً دفاعياً محكماً عن عاصمة المحافظة وتمكين الجيش الوطني والمقاومة من خوض معارك مؤثرة في نطاق أبعد من مدينة مأرب. وهناك تتجلى بحق معركة الوجود والمصير بالنسبة لليمنيين الذين تحصنوا في عاصمة المحافظة، ويقومون بذات الأسلحة التقليدية التي ردعت الحوثيين في صعدة؛ بصد الهجمات الحوثية التي تتوسل مختلف أنواع الأسلحة بما فيها الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، وينفذ من خلالها الحوثيون ضربات مقصودة في بنيان الصمود الملحمي الأسطوري لمئات الآلاف من السكان ولمئات المقاتلين الذين رفع عنهم التحالف غطاء الدفاع الجوي؛ فترك ساحة المحافظة خالية من الأسلحة النوعية ومضى يدير معركة استنزاف يعتقد أنها ستخلصه من الجميع.
أعادت معركة مأرب توجيه بوصلة حرب التحالف في مأرب واليمن بشكل عام، بما يعنيه ذلك من تركيز على القدرات الحيوية والاستراتيجية للحوثيين وتدميرها، والمحافظة على شريان تغذية عسكري متواضع وغير كاف

أعادت معركة مأرب توجيه بوصلة حرب التحالف في مأرب واليمن بشكل عام، بما يعنيه ذلك من تركيز على القدرات الحيوية والاستراتيجية للحوثيين وتدميرها، والمحافظة على شريان تغذية عسكري متواضع وغير كاف؛ لكنه يسمح بوصول الحد الأدنى من الإمدادات العسكرية للجيش الوطني والمقاومة.

غير أن ما يمكن وصفه بتحولٍ في مسار المعركة لا يزال إلى اللحظة يلبي الأولويات السعودية، فالضربات النوعية لأهداف في العاصمة صنعاء تشير إلى أن الهدف هو التقليل من قدرات هذه الجماعة المدعومة من طهران في ضرب العمق السعودي.

لقد خسر المدافعون عن الدولة اليمنية بفعل التقديرات السعودية الإماراتية الخاطئة؛ الكثير من المكاسب التي كان يمكن أن يجنوها من كونهم يدافعون عن قضية عادلة في الأساس، إذ أنهم يدافعون عن دولة المواطنة وعن عملية سياسية كانت تمضي بنجاح نحو تأسيس واحدة من أهم الديمقراطيات الناشئة في شبه الجزيرة العربية، ومع ذلك لا يأبه العالم بقضيتهم بل يمضي قدماً في شرعنة سلطة الأمر الواقع المنبوذة في صنعاء.

فمن ذات الزاوية الإنسانية، حاول سفراء الاتحاد الأوروبي زيارة صنعاء، إلا أن المبعوث الأممي طلب منهم عدم القيام بهذه الزيارة قبل أن يُجبَر الحوثيون على التعامل معه. وما من حجة لدى الأوروبيين سوى تمرير ما أرادوا تمريره منذ العام 2013 و2014، وهو خلق سلطة مرتبطة بإيران في اليمن، ساعدتهم على ذلك الرغبة المجنونة السعودية الإماراتية في إنهاء ربيع اليمن بأي ثمن، وقد كان للأسف ثمناً لا يعرف طرف في هذا العالم غير السعودية كم هو باهظ ومكلف وخطير.
خسر المدافعون عن الدولة اليمنية بفعل التقديرات السعودية الإماراتية الخاطئة؛ الكثير من المكاسب التي كان يمكن أن يجنوها من كونهم يدافعون عن قضية عادلة في الأساس

لقد تورط التحالف السعودي الإماراتي في تكريس السردية المقيتة للحرب التي وضعت الديمقراطية وقواها في الجانب الأسوأ، بل ووصمت هذه القوى بالاتصال الفكري بالإرهاب، وذلك لعمري مفارقة مضحكة مبكية، لأن تلك الجماعات هي نتاج إعادة تخليق مذهبية أشرف عليها كبار المراجع الوهابية في المملكة الذين ينفذون بالأساس أجندة سلطوية مكشوفة.

الإرهاب، ذلك البعبع المصطنع، جنّدت له الولايات المتحدة قوتها العسكرية وذكاءها الصناعي وجبروتها العابر للحدود، في استعراض مبالغ فيه للقوة كانت محصلته النهائية حزمة من الادعاءات القضائية أمام المحاكم الأمريكية من قبل العائلات اليمنية، تطالب بتعويضات عادلة ومستحقة للضحايا الأبرياء الذين حصدتهم طائرات الدروز الأمريكية نتيجة الاستباحة المفتوحة لأجواء اليمن من قبل هذه الطائرات.

كان يمكن للحرب التي تخوضها السعودية على الساحة اليمنية أن تخرج بانتصارات مبهرة، لكن انتصارات كهذه لن تتحقق إلا عبر شراكة حقيقية مع الشعب اليمني، فالنصر إذا لم يتطابق بشكل كامل مع مصالح الشعب اليمني لن يكون نصرا ولن يتحقق أصلا.

رأت الرياض أن بإمكانها حرف مسار الحرب باتجاه إنتاج سلطة زيدية يهيمن عليها حوثيون في صنعاء، مع إمكانية حقنها بشخصيات تنتمي للعائلة الإمامية المتوكلية التي انتهى بها المطاف للعيش في السعودية بعد سقوط الإمامة الزيدية في 26 أيلول/ سبتمبر 1962.

ورأت الرياض كذلك أن بوسعها التخلص من السلطة الشرعية واستحقاقاتها السياسية؛ عبر إعادة إنتاج قوى ميدانية وتأمين المشروعية اللازمة عبر حشد الناس وصياغة الاتفاقيات السياسية ذات الكلفة الثقيلة على الدولة اليمنية، كاتفاق الرياض.
لم يفت القطار بعد، وبإمكان السعودية أن تعود إلى الأسس الأخلاقية لهذه الحرب عبر العمل الجاد والسريع لحسمها، استنادا إلى شراكة قوية وحقيقية ومخلصة مع السلطة الشرعية وقواها السياسية والعسكرية، والحسم الذي يفترض هزيمة الأطراف الخارجة على الشرعية

والآن وبعد تطورات سيئة محلية وإقليمية ودولية تزاحمت في الفضاء السياسي السعودي والمنطقة - تتصدرها جريمة اغتيال الصحفي الشهير جمال خاشقجي في إسطنبول - وهددت بعمق مشروع التوريث العمودي للسلطة الذي يتصدره ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، تبدو الرياض في أمس الحاجة إلى استعادة اليمن كشريك إقليمي وجار جغرافي لصيق مكافئ من حيث الوزن الديمغرافي والجيوسياسي، بعد أن تحول إلى ورقة متاحة في يد المفاوض الإيراني يلوّح بها بخيلاء على طاولة مفاوضات فيينا.

لم يفت القطار بعد، وبإمكان السعودية أن تعود إلى الأسس الأخلاقية لهذه الحرب عبر العمل الجاد والسريع لحسمها، استنادا إلى شراكة قوية وحقيقية ومخلصة مع السلطة الشرعية وقواها السياسية والعسكرية، والحسم الذي يفترض هزيمة الأطراف الخارجة على الشرعية؛ لا تحركه رغبة محضة في استخدام القوة العسكرية، بقدر ما يفرضه التعنت الواضح من جانب الحوثيين، إلى جانب ما يستند إليه من مبررات كافية تجعل من إمكانية الحديث عن التسوية السياسية للحرب مع بقاء تحدياتها دون تغيير؛ نوعاً من العبث الذي يعمق مأساة اليمنيين، في الوقت الذي يعتقد فيه دعاة خط التسوية أنهم ينتصرون للشعب اليمني، الذي لن يكون أكثرَ إحساسا بالأمان إلا في ظل سلطة الشعب، وليس في ظل سلطة دكتاتورية دينية تستند إلى ادعاءات وقحة بالأحقية الإلهية في الحكم.

twitter.com/yaseentamimi68