كتاب عربي 21

تتويج "أميرة": أهكذا يفعل بالعروس؟

1300x600
يحمد مخرج فيلم أميرة "المعجزة" التعاون الثلاثي المصري الأردني السعودي على إنتاج هذا الفيلم الخارق الذي رُشّح لصنم الأوسكار العظيم، وما اجتمعت هذه النظم على خير شعوبها قط.

باركتْ مذيعة الحياة الضاحكة للمخرج المنوّر على نجاح "أميرة" في تطبيع النطف والذراري، وعلى انتصاره للقضية الفلسطينية، وعلى عطفه على المعتقلين المحرومين من الوقاع والمباضعة.

وذكرت المذيعة السعيدة بالفيلم أنَّ الجمهور في مهرجان فينيسيا صفقوا للفيلم سبع دقائق سمان. وكنا نصفق في مهرجانات الجامعة، عندما تظهر فرقة دبكة فلسطينية من وراء أستار الكواليس لتناضل ضد العدو بالرقص، فنشارك الفرقة الاستشهادية بالرقص في مقاعدنا ضرباً بالسوق والأقدام.

أسهبت الحسناء نادية لطفي في فيلم الناصر صلاح الدين في الحديث عن خوفها من ركوب الخيول، فأركبوها كديشاً من خيول عربات القمامة، فلم تقدر، ثم حماراً، ولم تذكر صلاح الدين بكلمة. أما المخرج حاتم علي، لله دره، في حوار مع قناة العربية المناضلة، فقد أشفق على عمر بن الخطاب (لأنه مغمور)، وعمل عنه مسلسلاً، وتحدث طويلاً عن فيل الفُرس الذي دهنوه بالأبيض حتى يوافق صورته في التاريخ، ولم أسمعه على مدى ساعة يذكر كلمة عن عمر بن الخطاب الذي أشفق عليه، فلولا حاتم علي ما عرفنا عمر بن الخطاب!

فكرة حكاية فيلم أميرة هي من أخوات حصان طروادة، حصان النصر هذه المرة إنسان، وهي على منوال قصة موسى عليه الصلاة والسلام الذي عاش في قصر فرعون، ويوسف عليه السلام الذي عاش في قصر العزيز، لكن معكوسة.. قصة موسى في قصر فرعون لم تكن فيها كل هذه الأحابيل والمكائد، فلم تجاوز أسرة فرعون التبني إلى السفاح وانتهاك الأعراض والأنساب، وتنسب موسى للأسرة الفرعونية، أو تدسَّ فرعوناً في أسرة من أسر بني إسرائيل.

إنّ قوم فرعون كانوا يذبحون ذكور قوم موسى ويستحيون النساء، النساء لطيفات رقيقات يملن إلى العطور والجمال والرقة والسلام، ولسن مثل الرجال المحاربين، ولهذا تطالب أمريكا بالثلث المعطل في برلمانات الدول العربية، وأفغانستان، فقد لاقت الأهوال من الأفغان، وهي لا تفعل ذلك دفاعاً عن حقوق النساء كما يُظن، إنما لحرب الرجال بجمال النساء. ليس في برلمان أمريكا نفسه ثلث من النساء.

قانون اغتصاب العرائس:

يمكن أن نعود إلى التاريخ للدراسة والعظة والاعتبار، وإن عدنا إلى "التيجان في ملوك حمير" سنجد أن عمليق ملك طسم أتته امرأة من جديس، وزوج لها قد كان فارقها، فأراد قبض ولده منها، فأبت عليه حتى دار بينهما كلام، فارتفعا إلى الملك عمليق. وكان اسم المرأة هزيلة واسم زوجها قاشراً، فلما وقفا بين يدي الملك سألهما عن حججهما، فقالت له هزيلة: أيها الملك إني امرأة حملته تسعاً، وأرضعته سبعاً، ولم أر منه نفعاً، حتى إذا تمت أوصاله واستوى وصاله أراد أن يأخذه كرهاً ويتركني ورهاً.

قال زوجها: أخذت المهر كاملاً ولم أصب منها طائلاً، إلا وليداً جاهلاً، فافعل ما كنت فاعلاً. قال: فأمر الملك بالغلام أن يُقبض منها وأن يُجعل في غلمانه، وقال لهزيلة: أبغيه ولداً ولا تنكحي أحداً؟ قالت هزيلة: أما النكاح فبالمهر، وأما السفاح بالقهر، وما لي فيها من أمر! فأمر عمليق عند ذلك أن تُباع هزيلة وزوجها، ويردّ على زوجها خمس ثمنها، ويسترق ويردّ على هزيلة عشر ثمن زوجها ويسترقّ. فقالت هزيلة في ذلك:

أتينا أخا طسم ليحكم بيننا   فأبرم حكماً في هزيلة ظالماً

لعمري لقد حكمت لا متورعاً   ولا كنت فيما يبرم الحكم عالماً

فلما بلغ قيلها عمليقاً أمر ألا تتزوج بكر من جديس حتى يبدأ بها فيفترعها قبل أن يتصل بها زوجها. قال: فأصاب القوم من ذلك ذلٌ ذليل، فلم يزل ذلك الملك يفعل بهم حتى تزوجت امرأة منهم يقال لها عفيرة ابنة عفار الجديسية، أخت الأسود بن عفار، فلما كانت الليلة التي يهدى بها إلى زوجها انطلقوا بها إلى عمليق ليبدأ بها قبل زوجها ومعها القيان يغنين.

قال: فدخلت العفيرة على عمليق فافترعها وخلّى سبيلها، وخرجت إلى قومها شاقة ثيابها ودرعها عن دبرها وهي تقول في ذلك:

لا معشر أذل من جديس   أهكذا يفعل بالعروس

لكل قرن أشوس عبوس   عدمتكم يا سِقط النفوس

عائد إلى حيفا:

وفي أدب النكبة قصة لغسان كنفاني صارت فيلماً من إخراج قاسم حول، يروي حكاية سيدة خلفت ابنها الرضيع خلدون في البيت إبان حرب 1948، وخرجت تبحث عن زوجها وسط حشود الناس المذعورة، يحول القصف دون عودتها. وتمر الأيام والسنون وتعود الأسرة إلى البيت بعد حرب عام 1967 لتعلم أنّ خلدون أصبح شاباً مجندا في جيش الاحتلال واسمه دوف، وقد تبنته أسرة يهودية استوطنت البيت بعد نزوح 1948، يعرف دوف الحقيقة ويفضّل الأسرة اليهودية على أمه وأبيه. كان الأب يعارض التحاق ابنه المولود في المنفى بالعمل الفدائي، وبعد أن رأى ابنه البكر وقد مُسخ إلى "دوف" فتمنى لو أن ابنه خالد انضم للمقاومة.

القلب الشجاع:

ونجد في فيلم "القلب الشجاع" قصة ثالثة، سنّ فيها ملك إنجلترا إدوارد الأول، الشهير بلقب الساقين الطويلتين، "حق السيد" وإحياء عادة "البريما نوكتا"، وهو أن يفترع النبيل الإنكليزي كل عروس أسكتلندية في ليلتها الأولى، لإنتاج جيل من الإنكليز مختلطي الدماء، وإضعاف حماسهم في المقاومة، وإنجاب أولاد من الضحايا على سنّة طائر الوقواق الانتهازي.

أكثر ما يخشاه الاحتلال هو القنبلة الديمغرافية، فلو ظل الفلسطيني ينجب ويحبُّ زوجاته من غير حرب لانتصر من غير انتخابات، وقد علمنا أن أكثر من مئة طفل فلسطيني أُنجبوا بواسطة النطف المهربة. والحرب شرسة على التعدد في الصحافة والإعلام، فالفقهاء المسلمون "الكاثوليك" في مصر وسوريا مجندون هذه الأيام للحض على الاكتفاء بواحدة والدعوة إلى حدِّ النسل، وتعطيل التعدد أو الإشعار بكراهته، واستخراج الأدلة من السيرة النبوية ليس على توحيد الله، وإنما على توحيد الرئيس وتوحيد الزوجة، وعلى تعديد الديانات التي يطلق عليها اسم الإبراهيمية ظلماً، وقلَّ أن تجد صحابياً من صحابة النبي اكتفى بزوجة واحدة، فمن تزوج بواحدة كانت له إماء يتسرى بهن.

فيلم أميرة هو الحلقة الثانية من "عائد إلى حيفا"، لكنه أشد وأنكى، فإن كان "عائد إلى حيفا" تراجيدياً، فإن أميرة مأساوي ومهين، إنها قصة اغتصاب بالحيلة. الكارثة هي أنّ دوف الجديد هو صانع الفيلم.

الرأي قبل الشجاعة، والدهاء يدخل في الرأي. في فيلم "القلب الشجاع"، الأميرة إليزابيت، زوجة ولي العهد إدوارد، تهمس في أذن الملك إدوارد الأول وهو على سرير الموت عاجزاً عن الكلام: أنا حامل من عدوك ويليام والاس، ابن وليام سيرث عرش الملك، فتقتله بقولها كمداً كما قتلتنا أميرة غيظاً وهي تهمس في آذاننا لتقول لنا: ابنكم ابن العدو.

حمير طروادة:

بقي أن نشهد بأمر، وهو أن الإسرائيليين لم يعرف عنهم اغتصاب الفلسطينيات في أثناء الغزو أو في السجون كما في سجون الأسد، أو في هيئات كشف العذرية كما في مصر، ليس أدباً منهم وخلقاً وديناً، وإنما لأنهم استعلائيون ومستكبرون، فهم شعب الله المختار ولا يرتضون التلوث بأرحام الغوييم الأغيار. هناك حالات معدودة، وأقصى ما يؤذون به الفلسطينية تحت الاحتلال هو كشف شعرها، فالدين عندهم قومية، والقومية دين، حتى إنَّ "اغتصاب الأنبوبة" في الفيلم اغتصابٌ غير مباشر يجري من غير مسٍّ أو تماس، هو يعادل زرع شريحة في الرحم، سيتحول هذا الولد الحرام إلى ابن يتجسس على العائلة، ويحنُّ إلى أصله، فالعرق دسّاس.

الإسرائيليون يريدون الأرض، الأرض تعني المال، وهم يعبدون المال، والنطفة الثمينة يدّخرونها لزوجاتهم وخليلاتهم. الأرض أقل لدى المسلمين شأنا من الإنسان، قد تغصب الأرض وأرض الله واسعة، والإنسان أقدس من الأرض، فالإنسان هو بنيان الله، ولا يجوز اغتصابه أو تعذيبه.

نال قبل أيام فيلمٌ سقيمٌ وجودي وعبثي اسمه "ريش" جائزة، أطنبت الصحافة في مدحه والثناء عليه، وفيلم أميرة سينال جوائز، وربما ينال الأوسكار، فهو فيلمهم. لقد أطلق "ابننا" دوف اسم أميرة على ابنةٍ، أمها مطعونة في شرفها، ولها أبوان! دوف لم يعد ولداً واحداً، إنه ظاهرة، هو رئيس دولة ومخرج ومنتج ومطرب ومذيع، دوف في كل حارة ومدينة وفضائية.

وتمكن معرفة سقط النفوس من "لَحْنِ الْقَوْلِ"، ومن سيماهم وسينماهم.

twitter.com/OmarImaromar