قضايا وآراء

وما زال المنع مستمرا

1300x600
كنا قد عرضنا في مقالة ماضية "محنة الفن بين المنع والمنح"، ولعل المتابعة في إطلاع القارئ على ما يجري تباعاً من المغالاة السافرة في ذلك المنع؛ مفيد.

يبدو أن صوت المنع أصابه السعار؛ فتوسع في شروطه. تفاجأنا بين ليلة وضحاها أن السفارة الألمانية قد سحبت مؤخراً الفيلم الألماني الأيقونة "الطبل الصفيح" من المهرجان الكولومبي المقام في القاهرة. بالطبع انبرت زعامات الثقافة الإعلامية العظيمة بتوجيه أقسى العبارات للسفارة الألمانية التي سحبت فيلمها المهم؛ اعتراضاً على تدخل الرقابة وحذفها لـ١٣ دقيقة من الفيلم. لم يكن هجوم هذه الأقلام والأصوات اعتراضاً على قرار الرقابة بالحذف، لكن المؤسف أن ما كُتب كان اعتراضاً على عدم تفهم السفارة الألمانية قرار الرقابة؛ بدلاً من احترام قرارها بالحذف.

بالطبع نحن أمام مشهد عبثي بامتياز. الفيلم الأيقونة "الطبل الصفيح" من إنتاج عام ١٩٧٩، وفاز بأوسكار أحسن فيلم أجنبي، وعُرض في القاهرة من خلال أندية السينما والمراكز الثقافية الأجنبية، وعلى رأسها مركز غوتة الألماني.

وما هو جدير بالذكر والمدهش أيضاً أنه لم تتعرض أي من مشاهد الفيلم وقتها للحذف أو البتر تحت أي مسمى؛ كتقليد وعرف ذلك الزمان الذي يتوجه لعدم المساس بالفيلم، مهما كانت جرأته، ما دام يعرض عروضاً ثقافية بنوادي السينما أو المراكز الثقافية الأجنبية.

في ذلك الحين كانت تلك لفتة حسنة من الدولة تدّل على احترامها للثقافة والفن؛ حتى ولو كان ذلك مجرد احترام شكلي أو مجرد بروتوكول لا أكثر. كان ذلك التقليد خطوة محترمة للمحافظة على التقاليد العالمية على أية حال.

لكننا نفاجأ اليوم بأن هذه الخطوة قد أصابها ما أصابها من عوامل تعرية وتآكل؛ بل وأصبحت كأنها لم تكن من الأصل، وكأنها لم تكن علامة هامة لتلك الفترة من تاريخ مصر. ذلك التاريخ الذي كان صاخباً ثقافياً وفنيا، تاريخ أوجد مكانة سينمائية لمصر وفرخت - بدورها - فيه أجيال كانت تمتلك وعياً جمالياً رفيع المستوى.

أحس شخصياً بالأسى لم آل إليه المشهد الثقافي والفني في بلدي، وأهيب بوزارة الثقافة أن تمارس حقها الثقافي المشروع في إعادة المشهد - على الأقل - لما كان عليه؛ وإلا سنصبح في خبر كان.