كتاب عربي 21

الديكتاتور ليس دوما من تظنونه كذلك

1300x600

في محاولة لفك العزلة التي يبدو أنها صارت خبزه اليومي في الداخل والخارج، بعد أن انفض من حوله كثير ممن هللوا له دعما وهو يستهل إجراءاته "الاستثنائية" و"التاريخية" بتعطيل البرلمان وإسقاط الحكومة، قبل أن تزين له نفسه خطيئة السعي لوضع اليد على القضاء والصحافة، وغيرها من السلطات والقطاعات التي لا يتنفس الشعب الحرية إلا من خلالها، وباسمها يواجه شطط السلطة وانحرافات نظام الشخص الأوحد، لم يجد قيس سعيد غير بروكسيل لتحتضنه وهو يشارك في فعاليات الدورة السادسة للقمة الأفريقية الأوروبية قبل أيام. 

ولأن الرجل تعود منذ اليوم الأول لانقلابه على تحويل اجتماعاته، أيّا كان مسرحها، لمجرد محاضرات يستعرض فيها ما تجود به القريحة بلغة عربية مقعرة قد لا يفهمها إلا هو، فقد كان لزاما أن يستظهر له إجابة محددة منتقاة بعناية ليواجه بها السؤال المنتظر: كيف ترد على اتهامات المعارضة بالسير بتونس في اتجاه الحكم الديكتاتوري؟ 

سعيد، بعد أن تقمص دور المدرس، قناعه الذي يتخفى خلفه عاجزا قليل الحيلة مفتقدا للمبادرة والإقدام، وهو ينظِّر لضرورة تجاوز فكر غرامشي وهيغل، ومن ثم تبنى أفكاره الطلائعية والنهل من علمه الغزير ليكون العالم على موعد مع التاريخ، لم يجد غير استحضار الجنرال شارل ديغول ليبني ردّه على تصريح تاريخي له مفاده؛ أن ليس في مثل هذا العمر يتحول المرء إلى ديكتاتور.

لقد تعود قيس سعيد على استحضار الشعر والنثر العربي أو الفارسي لتفسير نزوعاته الديكتاتورية الواضحة، بل بتحوير الآيات القرآنية لأجل تبرير خطواته ودوسه على الدستور والقانون، فالهدف عنده أسمى من أي قدسية للآيات وللأحاديث. ولأن لكل مقام مقال، فالنهل من التراث السياسي الأوروبي، بانتقائية لا تخطئها العين، كان ضرورة في مواجهة أسئلة صحافة لا تتورع عن السؤال ولا قدرة على إسكاتها برغم محاولات الحراس وربما المضيفين التشويش على السؤال.

ينسى المنقلب على الدستور والطامع لتغييره بطريقة إلكترونية لم يسبقه إليها أحد من العالمين، أن شارل دوغول، الذي سعى لممارسة الديكتاتورية وفشل في مسعاه، صاحب تاريخ في الحرب والتحرير، وهو بذلك مكتسب لـ"شرعية" الطموح لقيادة فرنسا المنهكة في احترام تام للمؤسسات وللرأي العام. وعندما انطلقت انتفاضة ماي 1968 من حرم الجامعات، قبل أن يدعمها العمال، في أكبر إضراب عام في التاريخ الفرنسي، ويلتحق بها مفكرون وفلاسفة وكتاب وصناع رأي، كان رده واضحا لا يختلف في شيء عن ردود ابن علي ومبارك وعبد الله صالح والأسد والقذافي وبعدهم ممن سار على الدرب كالبرهان والسيسي، وكل من واجهوا تحركات وانتفاضات. 

 

سعيد، بعد أن تقمص دور المدرس، قناعه الذي يتخفى خلفه عاجزا قليل الحيلة مفتقدا للمبادرة والإقدام، وهو ينظِّر لضرورة تجاوز فكر غرامشي وهيغل، ومن ثم تبنى أفكاره الطلائعية والنهل من علمه الغزير ليكون العالم على موعد مع التاريخ، لم يجد غير استحضار الجنرال شارل ديغول ليبني ردّه على تصريح تاريخي له مفاده أن ليس في مثل هذا العمر يتحول المرء إلى ديكتاتور.

 



لقد كان أول رد للجنرال المعتز بنياشينه، التي حازها على أرض المعركة عن اقتدار، وصفه الانتفاضة بكونها مجرد أعمال شغب يقودها طلاب متطرفون في الفكر وعنيفون في الممارسة، فدعا شرطته للرد عليها بالقوة الغاشمة وتطهير الجامعة وسحق تحرك المخربين، بعد أن اطمأن إلى دعم قطاع من الجيش متمركز في ألمانيا الغربية، وقتها، حيث الجنرال جاك ماسو قائد القوات الفرنسية في برلين. هي ذات الوصفة يتناقلها العسكر ومن يحن للبذلة والنياشين دون قدرة على تملكها، فيطوع القانون والدستور تعويضا عن البندقية والدبابة المفقودين. دوغول اضطر في النهاية إلى الاستقالة رغما عن هيبته العسكرية وتاريخه "المجيد".

ليس غريبا أن يستحضر قيس سعيد الجنرال ديغول أو غيره من شخصيات الماضي ليتشبه بها، فالإحساس بالدونية والعجز على الإقناع ومواجهة السخط الشعبي، يدفع صاحبه للبحث في التاريخ عن الرمزية تعويضا للطموح المحدود بفعل إكراهات الواقع، والأنا المتضخمة بلا رصيد يمكنها الاقتيات منه في الماضي والحاضر، أو أمل يمكنها البناء عليه في المستقبل. 

فعندما انقلب السيسي بمصر كانت مكافأته من عدلي منصور ترقية لرتبة "المشير"، وكتابات جعلته أعظم قائد عسكري في التاريخ بعد آيزنهاور، وخرافات تغنت ببطولاته في أسر قائد الأسطول السادس الأمريكي، وغيرها من البطولات الوهمية التي لم نر منها غير قتل المدنيين بالميادين المصرية والتفريط في الأراضي، تسولا للشرعية وتحديد الخطوط الحمراء دون قدرة على التأثير كلما رمى بها "العدو" جانبا وتخطاها بلا اكتراث. 

لقد تعودنا على "الزعماء" العرب يحملون النياشين العسكرية على البذلات الأنيقة دون استحقاق. بطولاتهم مجرد بروفات تلفزيونية تبثها الأبواق الدعائية، ومعها الأغاني الممجدة على وقع كلام مرسل عن إنجازات وهمية لا يدعمها دليل. فالرئيس مجاهد فذ والأمير عطوف والملك موحد للأمة، والثلاثة بناة النهضة ومهندسو التنمية وضامنو الوحدة والرخاء. وفي الأخير، نكتشف أنهم يكدسون الأموال في باناما وباندورا وسويسرا، وفيها أيضا يعالجون إن مرضوا ويستجمون إن عطلوا أو رغبوا في الترفيه عن النفس أو الاستجمام. 

هم في البلدان التي يحكمونها، بالحديد والنار أو بالخرافة والسيطرة على العقول أسود. وعند اللقاء بالكفلاء يتراجعون القهقرى إلى الصفوف الخلفية، حيث تكتم الأنفاس وتخرس الألسن وتفقد الأنا تضخمها، في البيت البيضاوي أمام ترامب وفي القواعد العسكرية وراء بوتين، أو في قصورنا العربية مع ماكرون، وهو يتجول مع مضيفيه واضعا يده في جيب سرواله دون أدنى احترام.

في الكيان الصهيوني رؤساء حكومات ومسؤولون بتاريخ عسكري دموي فعلي. كانوا هناك حيث ترتكب المجازر وتقتلع الأراضي وتضم البلدات العربية. هم مجرمون خاضوا حروبا "قذرة"، لكنها في العرف الصهيوني إنجازات تمنحهم "الشرعية" على المنافسة على قيادة الكيان. فمن قتل وشرد واحتل الأراضي وشهِد كيف انتزعت بالدم والنار أهل للدفاع عنها. أما فلاديمير بوتين الذي تربى في أحضان الكي جي بي ورأى كيف تدار الحروب السرية قبل العلنية، وكيف يستهدف الأمن القومي للبلدان، فقد كان سيد قراره دفاعا عما يراه مصلحة حيوية لروسيا ولو كره الكارهون. بروكسل وغيرها من العواصم الغربية تخلت عن الحليف الأوكراني من أول ضربة، فمن يتزين بالبذلات المرصعة بالميداليات، مكانه حفلات عروض الأزياء لا ساحات القتال.

 

ليس غريبا أن يستحضر قيس سعيد الجنرال ديغول أو غيره من شخصيات الماضي ليتشبه بها، فالإحساس بالدونية والعجز على الاقناع ومواجهة السخط الشعبي، يدفع صاحبه للبحث في التاريخ عن الرمزية تعويضا للطموح المحدود بفعل إكراهات الواقع، والأنا المتضخمة بلا رصيد يمكنها الاقتيات منه في الماضي والحاضر، أو أمل يمكنها البناء عليه في المستقبل.

 



ديغول لم يعد رمزا للاستحضار، فحتى الفرنسيون صاروا ينزعون "القداسة" عن الرموز من الجنرال شارل ديغول إلى الامبراطور نابليون بونابرت، الذي وإن انبهروا بـ "عبقريته" فهم يناقشون اليوم "طغيانه واستبداده". إيريك زمور، المرشح اليميني الأكثر تعصبا في الانتخابات الرئاسية الفرنسية لم يجد، بالمناسبة، غير خطاب الجنرال الموجه للفرنسيين من لندن، حيث دعاهم لمواصلة القتال ضد النازية، لإعلان ترشحه، والهدف المعلن اليوم كما في عهد شارل ديغول "استرداد فرنسا"، ليس من النازيين بل المسلمين. 

يبدو أننا لن نخلف الموعد مع التاريخ، فنحن حلقة أصلية في فسيفساء التأسيس والتكريس لمرحلة الانتقال من نظام الشخص "الأقدر" لمرحلة الشخص "الأضعف"، اختيارا أوحد للقيادة والحكم. 

الديكتاتور ليس دائما من تظنونه كذلك.