كتب

عن تقسيم فلسطين والثورة والنكبة.. تاريخ يأبى النسيان

يعالج هذا الكتاب الدور الكارثي الذي أداه مشروع تقسيم فلسطين خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي

الكتاب: "تقسيم فلسطين من الثورة الكبرى 1937- 1939م إلى النكبة 1947- 1949م"
الكاتب: وليد الخالدي
الناشر: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، عام 2021م
عدد الصفحات: 338 صفحة


يعالج هذا الكتاب الدور الكارثي الذي أداه مشروع تقسيم فلسطين خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، حول سياسية كل من بريطانيا والولايات المتحدة الهادفة إلى إنشاء الوطن القومي، بموجب الوعد الذي كانت الأولى قد قطعته للمنظمة الصهيونية العالمية خلال الحرب الكونية الأولى عام 1917م، والذي باركته الولايات المتحدة الأمريكية قبل صدوره، هذا الكتاب ييسر على القارئ إلقاء أضواء على الخلفية التاريخية للأوضاع المهولة، التي مرت بها القضية الفلسطينية، وخصوصاً بعد دخول دونالد ترامب البيت الأبيض، فلم تكن المواقف الأمريكية، وما سمي بالتحول الأمريكي تجاه القضية الفلسطينية وليد لحظة تقلد ترامب الرئاسة الأمريكية، بل كان تواطؤ بين الدولتين الأنغلوسكسونيتين، الأولى تقر، والثاني تشرعن وتبارك، وتدعم القرارات البريطانية فعصبة الأمم المتحدة، التي تألفت نهاية الحرب الكونية الأولى بمبادرة من الرئيس الأميركي ولسون، هي من جعلت صك الانتداب دستور للبلاد تحت الحكم البريطاني.

لولا الضوء الأخضر الساطع من ترومان بعد الحرب العالمية الثانية 1939- 1944م بتأييد مشروع التقسيم، وتقطيع أوصال فلسطين العربية، والاعتراف بالدولة اللقيطة على أشلائها، لما تجرأت المنظمة الصهيونية العالمية على ما أقدمت عليه، لذلك فإن رؤساء البيت الأبيض يسيرون على خطى أسلافهم.

قسم الكاتب دراسته إلى بابين، الباب الأول بريطانيا تقترح التقسيم وتتراجع عنه، وأمريكا تتبناه 1937- 1947م، وسبق له في كتاب تحت عنوان "خمسون عاماً على تقسيم فلسطين"، وجاء عنوان الباب الثاني حرب النكبة أولى الحروب النظامية الإسرائيلية العربية 1948- 1949م، والثاني أيضا سبق نشره "خمسون عاماً على حرب 1948م، أولى الحروب الصهيونية العربية"، وكلا الكتابين سبق نشرهما قبلاً أيضا في سلسة مقالات على متن صفحات جريدة الحياة اليومية، كما أوضح الكاتب في مقدمته.

أثارت بريطانيا فكرة تقسيم فلسطين أول ما أثارته سنة 1937م، أي بعد عشرة أعوام قبل القرار الذي أصدرته هيئة الأمم المتحدة عام 1947م بتقسيم البلاد بضغط الولايات المتحدة الأمريكية (ص3)، بعد تغول الهجرة اليهودية الجماعية، الأمر الذي أدى لاندلاع الثورة الفلسطينية عام 1937- 1939م، ومع تخلي بريطانيا عن المشروع الصهيوني عام 1939م، ومن ثم تبني الولايات المتحدة له، وهو ما أدى لاندلاع الثورة الفلسطينية الثانية ضدها عام 1947م، التي أدت بدورها إلى أولى الحروب الصهيونية العربية عام 1948- 1949م، ووقوع نكبة العرب في فلسطين.

لم تكن الصهيونية لتحلم يوما بما أعطاه لها اللورد بيل في مشروع التقسيم، من حيث سعة الدولة اليهودية المقترحة، وموقعها، وترابط ترابها، إضافة إلى مطالبته بنقل السكان الفلسطينيين قسراً أي طردهم منها، وهو مشروع لا يزال يدغدغ التفكير الصهيوني من أعلى مستوياته.

يجمل الكاتب نقلاً عن المؤرخ الفلسطيني محمد عزة دروزة، وهو أعرف العارفين لصلته الوثيقة بتنظيم الثورة آنذاك، ما أصاب الفلسطيني على يد بريطانيا، فيقول إن" عدد المعتقلين بلغ خمسين ألفاً، وعدد الشهداء سبعة آلاف، وعدد الجرحى عشرين آلفاً، وعدد البيوت المنسوفة ألفين" (ص7)، لم تكتف بريطانيا بكل هذا وذاك بل أردفته بتدابير خطرة ثلاث:
 
 ـ أولاً حلت جميع التنظيمات السياسية الفلسطينية، بما فيها اللجنة العربية العليا، واعتقلت من استطاعت منهم.
 
 ـ ثانياً طبقت خطة محكمة لنزع السلاح من الفلسطينيين، استمرت في تطبيقها حتى عام 1945م، حتى غدا الشعب الفلسطيني أعزل بكل معنى الكلمة، بعد أن استولت على(71,617 بندقية)، و(4,891 مسدساً)، و(1,376 قنبلة يدوية)، و(695 بندقية صيد)، و(347,375 طلقة). 

ـ ثالثا تغاضت بريطانيا كليا عن وجود القوات الصهيونية العسكرية المنضوية في الهاغاناة، بل دعمتها ودربتها وزادت من عددها (ص9- 10).

 

أثارت بريطانيا فكرة تقسيم فلسطين أول ما أثارته سنة 1937م، أي بعد عشرة أعوام قبل القرار الذي أصدرته هيئة الأمم المتحدة عام 1947م بتقسيم البلاد بضغط الولايات المتحدة الأمريكية (ًص3)، بعد تغول الهجرة اليهودية الجماعية، الأمر الذي أدى لاندلاع الثورة الفلسطينية عام 1937 ـ 1939م،

 



لقد نسفت لجنة التحقيق الأمريكية البريطانية عام 1946م، عملياً توصية هجرة 100 ألف يهودي، وتوصية الأراضي، سياسة الكتاب الأبيض لعام 1939م نسفاً، حسب ما جاء في تقرير اللجنة، بيد أن استبعاد كل من الدولة العربية واليهودية، كان يشير إلى دولة موحدة ثنائية القومية كان افترضها الكتاب الأبيض ضمناً (ص33).

قبيل نهاية الانتداب في 15 أيار (مايو) 1948م، سقطت المدن الفلسطينية تباعاً طبرية، فحيفا، يافا، القدس الغربية، وذلك بعد مجزرة دير ياسين، التي كانت محور المناسفة بين قيادات الأرغون وليحي والهاغاناة للاستيلاء على القسطل حيث يقول " قررت قيادتا الأرغون وليحي المنشقتان عن قيادة الهاغاناة، القيام بعملية مشتركة بينهما سرقت الأضواء عن عمليات الهاغاناة، فقد أصبح القتل والتنافس على دم الفلسطيني محور عمل تلك المنظمات الإرهابية، تحركت القوات الصهيونية نحو دير ياسين الساعات الأولى من يوم 9 أبريل بنحو 120 مقاتلا، ثلثهم من منظمة ليحي والثلثان من منظمة الأرغون والتقى المهاجمون عند مداخل القرية، فأخذوا ينتقلون من منزل إلى آخر يلقون القنابل اليدوية عبر النوافذ والأبواب، ويطلقون النار، وتصدى لهم عدد من رجال القرية، وجرت اشتباكات فردية كثيرة، وتحولت القرية لساحة حرب، دون أن يستطيع اليهود التقدم، الأمر الذي اضطرهم لجلب كميات كبيرة من المتفجرات لنسف البيوت بيتاً بيتاً على من فيها (ص97).

ناقش الخالدي في الباب الثاني حرب النكبة الفلسطينية أولى الحروب النظامية الإسرائيلية العربية 1948-1949م، حيث تسارعت أحداث جسام لتبدل خلال ساعات قليلة معالم مشرقنا، ومصير أمتنا منذئذ، فعند منتصف ليل 14-15 مايو عام 1948م، انتهى الانتداب البريطاني على فلسطين؛ لتعلن الهيئة التنفيذية لمجلس الشعب الصهيوني في تل أبيب قيام دولة اسرائيل، التي اعترف بها الرئيس ترومان غير المنتخب الطامح في البيت الأبيض بعد 11 دقيقة من ظهورها، ويعلق الخالدي" كان أخطر ما في اعتراف ترومان عدم تحديده لحدود الدولة اليهودية فهل نعجب من أن يدون بن غوريون في مفكرته في اليوم ذاته " لنأخذ اعلان استقلال أميركاً مثلاً، فهو لا يذكر حدوداً أرضية (Territorial)، ونحن كذلك غير مضطرين إلى أن نحدد حدود دولتنا" (ص 131).

اندلعت أولى الحروب النظامية بين الصهيونية والدول العربية عام 1948م، وعنها يقول تحت عنوان دنيا الأساطير ودينا الواقع " عكست روايتا الطرفين لمجرى القتال وموازين القوى بينهما مسار الحرب، أساطير حاكها كل منهما توكيدا لرفعة موقفه الأدبي والمعنوي تجاه الأخر، شأنهما في ذلك شأن حل المتنازعين في الثورات والحروب عبر التاريخ، وظهرت أساطير الصهيونية على أساطيرنا، ظهور جيوشها في ساحة القتال، ولفت العالم الغربي، وترسخت في ضميره ووجدانه لما سبقه من شواهد على سموها الخلقي في نظر الغرب علينا" (ص 159).

بعيداً عن طرح الرواية الصهيونية التي بلغت حدا لا يوصف من المبالغة، التي يمكن ايجازها بجملة واحدة أنهم كانوا بموقع المدافعين من دولتهم الوليدة أمام جيوش عربية جرارة، في حين حاولت الرواية العربية التقليل من شأن القوى الصهيونية، بوصفها أنها مجرد عصابات إرهابية اطبقت عليها الجيوش العربية في مرحلة القتال الأولى 15 مايو- 11 يونيو من كل صوب ولم يبقى سوى أيام معدودة، وتسدد الضربة القاضية فيها الى العدو ويحسم الأمر ناجزاً، وإذا بالضغوط الدولية تتراكم وتتصاعد وتصل حداً من التهديد والوعيد انقاذاً له، لا تترك سبيلاً للحكومات العربية سوى الرضوخ لها وينتزع الكيان الصهيوني النجاة  من فكي هزيمة محتومة لا مفر أخر له منها عبر الهدنة الأولى 11 يونيو 1948م، التي فرضت فرضاً (ص 161).

حول ذلك يقول الكاتب: "بيد أن دنيا الأساطير شيء، ودنيا الواقع المر شيء آخر كلياً، وهو ما أدركته في وقت مبكر عصبة من مفكري العرب على رأسهم قسطنطين زريق، وساطع الحصري، وموسى العلمي، وجورج حنا، في كتابات سبرت أغوار الخلل المجتمعي العربي سبراً محكماً، وهو خلل انبثقت من جذوره الدينية أسباب هزيمتنا الحقيقية، لكنها كتابات لم تتمكن على الرغم من رواجها من طمس أساطيرنا عما جرى في حرب عام 1948م، ودفنها إلى الأبد" (ص 162).

لم يكن الوليد الرضيع هشاً حسب الإسرائيلية، وإنما كان مجتمعا عصرياً غريبا صناعياً متماسكاً ينبض بالحيوية، مضى على تكونيه سبعة عقود من الاستيطان المخطط له وخلافاً للرواية الاسطورية العربية لم تكن الجيوش العربية عند نهاية مرحلة القتال الأـولى، وإعلان الهدنة الأولى، على وشك تسديد ضربة قاضية إلى الكيان الوليد، ولا هي كانت على أية مقربة من وضع كهذاً، صحيح أن بعضها توغلت بعيداً داخل فلسطين لكن تقدمها جميعاً كان عبر مناطق عربية صرفة لا يهودية حسب قرار التقسيم.

وصحيح أن القوات العربية نجحت خلال هذه المرحلة من القتال في احتلال بعض المواقع اليهودية الصعبة، فالقوات المصرية احتلت مستوطنتي نيريم ويادمردخاي القربتين من محور تقدمها على الساحل، والقوات الأردنية احتلت 7 مستوطنات، في محور القدس والبحر الميت، بينما كان الإنجاز الأهم والأبعد خطراً القدس الشرقية العرية، واحتلال الحي اليهودي في البلدة القديمة في القدس، وكذلك القوات السورية احتلت مستوطنتين مساده شاعر، هغولان أي أنها احتلت 12 مستوطنة فقط من نحو 300 مستوطنة دون المساس بالمعاقل اليهودية المدينية الكبرى في القدس وحيفا وتل أبيب، أو أية مدينة ريفية يهودية، مع بقاء المدن الفلسطينية التي سقطت قبل 15 مايو في أيدي اليهود، كطبريا وحيفا وعكا وصفد، اضافة إلى مئة قرية فلسطينية ونيف؛ لذلك لا يشكل كل ذلك انعطافاً استراتيجيا يوصل إلى عتبة امكان تسديد ضربة قاضية إلى الكيان.

ويضيف الخالدي "العبرة في الحرب ليست في احتلال مساحات شاسعة من أرض العدو... وإنما العبرة في تحطيم قوات العدو المقاتلة الرئيسية أو في تفتيت إرادته القتالية، وهذا وذاك لم يحدث قط"، (ص164)، هناك سمة أساسية صارخة لمنهج قتال الجيوش العربية، كما انجلت بوضوح تام للعدو في هذه الفترة، أن لكل جيش منها كان في حرب خاصة منفردة ضده (ص 239).

وبعد، لعل أفضل خاتمة أنهى بها الكاتب دراسته ما دون عن بن غوريون في "يوميات الحرب" بتاريخ 29 يناير 1949م، الذي اطلع على بيان لأحد العرب الفلسطينيين، إن الهزيمة في القضية الفلسطينية هزيمة القيادة العربية وخطها السياسي لا هزيمة الأمة العربية، وأن طاقات الشعب العربي وقدرته هائلة، ولكن ثمة بوناً شاسعاً بين إمكانات الأمة وبين الواقع وأن وحدة الأمة العربية هي أساس الأسس، فلا بد من ضمان حرية الفرد في مزاولة حياة نزيهة، وعيش كريم، من تعزيز الصناعة والعصرية، وإزالة الحدود الجمركية بين البلاد، وتوحيد قيادة الجيوش العربية، وفتح مصانع للأسلحة، وتنظيم دعاية فعالة "فيقول بن غوريون" هذا هو الطريق الذي ينشده العرب وأنا أتخوف طوال الوقت من أن يقوم زعيم عربي بقيادة العرب على هذا الطريق"!!.