قضايا وآراء

الثورات لا تموت..

1300x600
ربما تذبل الثورات، تتراجع، تخفت، تخمد، ولربما يستنجد الاستبداد المتمسك بالسلطة في وجه الثوار بقوى احتلالية قريبة أو بعيدة، لكن يظل جمر الثورات والثوار تحت الرماد.. هكذا علمنا التاريخ، ولا يزال يعلمنا، فالثورة فكرة، والفكرة لا تموت.

في الحالة الإيرانية رأينا هبّات كثيرة بدأت بالاعتراض على انتخابات عام 1999، وتواصلت في عام 2009، ثم في عام 2019، و2020، ولكن تم قمعها بعنف وشراسة معهودة، لكن جذوة الثورة ذاتها لم تمت، ولم تنته، وإنما بقيت جمراً تحت الرماد؛ ظهر ذلك عند أول شرارة وقعت بقتل زينة أو مهسا أميني، الكردية الإيرانية (22 عاماً)، على يد قوات الأمن الإيرانية بحجة أنها لم تتحجب بحسب مواصفات الملالي، فألهب قتلها النسوة في إيران، لتتحول اليوم ثورة عارمة لم تشهدها إيران من قبل، بعد أن التحق بالثورة طلبة المدارس والجامعات والمحامون والمعلمون، وحتى البازار، وزادت نقاط التظاهر والاحتجاج على 350 نقطة تظاهرة وهو ما لم يُعهد من قبل.

ثورة إيران ستُشكل بلا منازع مركز زلزال حقيقي للثورات العربية التي تكفّلت إيران بقمعها نيابة عن العالم كله، فقد رأينا كيف نفرت في الأشهر الأولى للثورة السورية مع حلفائها وعصاباتها الطائفية في لبنان ممثلة بحزب الله، وفي ألوية فاطميون الأفغاني، وزينبيون الباكستاني، بالإضافة إلى عصابات الحشد الشعبي العراقي وتفرعاته وعصابات طائفية عراقية أخرى؛ من أجل قمع ثورة السوريين. وفي اليمن لجأت إيران إلى دعم حلفائها الحوثيين للانقلاب على الثورة اليمنية وخطفها في المهد، ولم تأْلُ جهداً في التحالف مع المنقلبين على ثورة الليبيين في طرابلس الغرب يوم دعمت المجرم خليفة حفتر، وحتى في المساندة للنظام المصري بطريقة أو بأخرى، والتآمر بشكل عام على ربيع العرب.
الانشغال الإيراني بقمع ثورته اليوم، تماماً كالانشغال الروسي بكابوسه ومستنقعه في أوكرانيا، هذان الانشغالان سيخفّفان على الربيع العربي، وسيمنحانه فرصة قد تكون ذهبية للثوار في مواقع الربيع العربي في أن يتنفسوا الصعداء ثانية، وينظموا صفوفهم من جديد من أجل توجيه ضربات مسدّدة، وعنيفة لأنظمة الاستبداد

الانشغال الإيراني بقمع ثورته اليوم، تماماً كالانشغال الروسي بكابوسه ومستنقعه في أوكرانيا، هذان الانشغالان سيخفّفان على الربيع العربي، وسيمنحانه فرصة قد تكون ذهبية للثوار في مواقع الربيع العربي في أن يتنفسوا الصعداء ثانية، وينظموا صفوفهم من جديد من أجل توجيه ضربات مسدّدة، وعنيفة لأنظمة الاستبداد والإجرام، قبل فوات الأوان، فالفرص كالريح، وقد لا تتكرر، وما على الثوار إلاّ أن يكونوا قناصين حقيقيين من أجل قنص لحظة ذهبية قادمة، وربما تكون وشيكة.

الظاهر تماماً أن ما يسمى بجيل (Z) مختلف تماماً عن الأجيال الإيرانية السابقة التي عهدها نظام الملالي، فهذا الجيل لم يُتقوْلب بمؤسسات إعلامية، ولا تعليمية ملالية محددة، ولا سياسية، وإنما تقوْلب لوحده على منصات السوشيال ميديا، وأتقن معها ألعاب الفيديو على هذه المنصات التي لا تفهم إلاّ أن تنتصر، ولا تعرف الهزيمة مهما تأخرت، وتلكأت، وتعثرت. فهذا الجيل بحسب أستاذ الإعلام شاهند كوت خرازمي، "لا يعرف الحدود ولا القيود، وهو جيل مستعد أن يذهب في فكرته حتى النهاية". وما يميز هذا الجيل أنه لم يكن له أي دور في صناعة النظام الحالي، وإنما يرى نفسه ضحية لهذا النظام في ظل حرمانه من هوياته، وحياته الاقتصادية وحتى السياسية. وكل هذا وقود حقيقي للاستمرار في الانتفاضة والثورة التي يراها الكثير من الخبراء على أنها مختلفة عن سابقاتها، بعد تمددها لشرائح مختلفة، وانتشارها كالنار في الهشيم إلى كل المدن والبلدات الإيرانية، فضلاً عن العنف والإصرار التي اتسمت به في مواجهة قوات الأمن الإيرانية بخلاف ما كان عليه الأمر في الثورات السابقة.
بعض المؤشرات التي رصدتها بعض فصائل الثورة السورية تحدثت عن تحريك بعض الوحدات التابعة لحزب الله من سوريا، وربما لذلك علاقة بما يجري في إيران، والبعض تحدث عن خروج بعض القوات التابعة لعصابات طائفية أخرى، وقد تكون وجهتها إلى إيران

بعض المؤشرات التي رصدتها بعض فصائل الثورة السورية تحدثت عن تحريك بعض الوحدات التابعة لحزب الله من سوريا، وربما لذلك علاقة بما يجري في إيران، والبعض تحدث عن خروج بعض القوات التابعة لعصابات طائفية أخرى، وقد تكون وجهتها إلى إيران، فمثل هذه المليشيات الطائفية تم تجريبها في سوريا، وليس لديها مشكلة في القتل والقمع، بينما ربما قوى الأمن الإيرانية الموجودة في إيران، قد تتعرض للانشقاقات حين تؤمر بقتل أهلها، ولذا ربما تلجأ القيادة الإيرانية للقوات الموجودة في سوريا لمثل هذا العمل.

يُقال إن الحروب تصنع تحالفات جديدة، ولكن الحروب في حال انشغال بعض أطرافها في قمع ثورات ربما تُفكك مثل هذه التحالفات وتُضعفها، وهو ما نراه ونلمسه اليوم في سوريا حيث انشغل الحليف الإيراني بقمع ثورته، وانشغل المحتل الروسي بعدوانه على أوكرانيا. وقد تجلى ذلك بوضوح مع سحب قادة وجنرالات الحرب الروسية من سوريا إلى أوكرانيا، والذي كان آخرهم الجنرال سيرجي سوروفكين الذي يصفه السوريون بجزار حلب، واستطاع بخديعة خفض التصعيد أن يسيطر على أكثر من ثلاثة أرباع الأراضي التي كان يسيطر عليها ثوار سوريا، واليوم يتم سحبه إلى أوكرانيا، التي التهمت أكثر من 10 جنرالات روس أجرموا بحق الشعب السوري ومن قبله الشيشاني.

وهي فرصة أخرى أيضاً ليستغلها أصحاب الثورات التي تتعرض للغارة الروسية والإيرانية، ولعل هذا ما يفسر سرعة تحرك قوى دولية وحتى الوسيطين الأمميين في سوريا واليمن من أجل طرح صيغ جديدة لتسوية الأوضاع، قبل أن تحين فرصة للثورة والثوار.