قضايا وآراء

هل على الجميع "تذوق السم" لأجل مصر؟

- جيتي
نمت خلال نحو 10 سنوات تنقص حتى حين تمنينا ألَّا تفيض؛ قاعدة ليست حياتية، أو بديهية، أو حتى سياسية، بل تكاد تكون "سُنَّة كونية": ما لا تقوم به في وقته لا ينتهي خطره بل يتمادى حتى ليكاد يعصف بعد حين غير قليل باستقرار حياتك، خاصة عندما يتعلق الأمر بمستقبل الملايين واستقرار وطن خلال التاريخ والمحن والأزمات الكبرى بنجاح عبر آلاف السنوات.

فقد تسلم الوطن "صغار" للأسف، فتمكنوا منه، وباعوا غاليه بأقل الأثمان، تاجروا حتى برفات الشهداء، ذهب البعض حتى بيع رفاق الدروب وأقران المحن وتركهم يذوبون أسى وحسرة في سجونهم، يتساقطون بمرارة كما تزال الشمعة عن دروبها. يكاد الجميع ينجو بنفسه إلا القليل ممن أبقاهم رب العزة ملحا للحياة، وهذه الدروب يكاد الجميع من متورطين في الحكم والنظام الحالي خلف قامة الجنرال المتقازمة، أيضا خلف قادة مقاومين سلميين مفترضين.

يكاد الجميع يبحث عن لقمة عيش تكفيه وأحفاده، أي أنهم باختصار يُعدون للأسف الشديد "عبادا للسكن" برأي "الرفيق ماركس" الذي خالفه أكثرهم واتبعوا دربه، ويبقى الوطن هناك وحيدا مخطوفا خلف دموع وأنّات الرجال الحقيقيين ونساء قُهرن وغُلب على أمرهن رغم أنهن من أشرف مَنْ أنجب الوطن. خلف ظلمات الإصابة وبين أنّات الفقد والترويع وانعدام الأمان فضلا عن الطعام يقبع أولاء. ورأينا خلال الفترة الماضية شرفاء منعمين يكادون يمدون أيديهم لتكسب ما يكفي أود صغارهم بعدما أقصاهم الجنرال ورفاق درب الوطنية المفترضين!

أهدر الجميع كرامة أنفسهم قبل الطريق، ورفات الآباء والفاتحين العظام لأبواب الحرية على مصراعيها، وإلا فمن ذا الذي أتى بالجنرال لسدة الحكم في مصر؟ من مهّد الطريق له ووسّعه ورقّاه ترقيتين دفعة واحدة مذكّرا بما فعله عبد الناصر جزئيا مع عبد الحكيم عامر؟ من ابتلى الجميع بالحاكم المتغلب اليوم برأي شيخ الأزهر؟

ترن في الحلق مرارة كلمات الكاتب الوطني فهمي هويدي في 2013م وعقب أحداث 3 تموز/ يوليو المجنونة؛ التي باع فيها "المناضلون المفترضون المناكفون" وجه الوطن وأنفه من أجل الخلاص من خصوم سياسيين للأسف لم يدركوا عمق الأزمة ولا ما يفعلونه بأنفسهم قبل الوطن. أبحر الأخيرون خلف حس مرير بالإمساك بالسلطة تحت دعاوى الصندوق الانتخابي وهاجس تحرك الشارع ووقوف رب العزة من خلفهم، دون احترام حتى للسنن الكونية فيها. ولا ندري اليوم مَنْ كان أكثر إساءة، فمع الاحترام لأصحاب الموقف فإنه لا موقف أو حق لمن لا يحميه بقوة، ومع الألم مما فعلته "جبهة الإنقاذ وأشباهها" فما جدوى اللوم أو الشغف بما قالوا ولم يفعلوا؟ فقد أهدر الجميع كرامة أنفسهم قبل الطريق، ورفات الآباء والفاتحين العظام لأبواب الحرية على مصراعيها، وإلا فمن ذا الذي أتى بالجنرال لسدة الحكم في مصر؟ من مهّد الطريق له ووسّعه ورقّاه ترقيتين دفعة واحدة مذكّرا بما فعله عبد الناصر جزئيا مع عبد الحكيم عامر؟ من ابتلى الجميع بالحاكم المتغلب اليوم برأي شيخ الأزهر؟

صدق الله: "ضعف الطالب والمطلوب" (الحج: 73)، لكن المواجهة المؤلمة الأكثر من قاسية التي كسبها الجنرال وأعداء الأمة بالضربة القاضية والنقاط؛ علّمت الوطنيين الذين نجوا من السجون.. علّمتهم بعد حين اتباع "ماكينة الكلام" حتى ما لا نهاية، وربما كان دربا للعناد لا أكثر، وهو مريح بادعاءات انتصارات مزيفة متوهمة حتى نهاية الدرب، فصارت لديهم ماكينة إعلامية عملاقة تطحن لا شيء. وبعد 10 سنوات على استيلاء الجنرال على مصر، لا السلطة فقط، يخرج منذ أيام أحد الزعماء المفترضين للحراك الذي برد تماما وأُطفئ، وأجاد المتحدث غزل الأماني ومعايشة الأوضاع ليقول في حوار تلفزيوني مؤلم: إن مراكز غربية للأبحاث السياسية تؤكد قرب عودة المعارضة للحكم في مصر؛ وإن الناس ما تزال تفضلهم وتريدهم وتفسح الطرقات إليهم!

إننا أمام مأساة تكاد تضيع فيها مصر حرفيا بين الديون واحتجاز جزء عزيز من النيل، وأقاويل عن بيع لقناة السويس.. تنهار العملة بطريقة تبدو متعمدة، تباع البلاد ومقدراتها قطرة فقطرة، يخرج الجنرال وكأنه فتوّة أوحد جمع السلطات كلها في يمينه وشماله كـ"عرائس الماريونت"، يتحدث عن عدم تركه البلاد لتضيع، يتحدث بعجرفة وقلة وعي كأنه مغيّب أو موكل إليه إفناء كل أخضر، فيما أقطاب الحراك المضاد يستولون على الأموال والخلافات بتجردِ مَن ليس له علاقة بقضية أو حتى وجود.

في خلفية المشهد تبدو الولايات المتحدة الأمريكية خلف جون بايدن غير مهتمة بمصر أو المنطقة على نحو كافٍ، وجدت أعداء يشغلونها وتشغلهم، يهمها أن الماكينة في مصر وأغلب بلاد العرب تدور في الإطار، تتناسى سوريا والعراق واليمن وليبيا، يشاهد العدو الصهيوني وطنا يراه يجب أن يكون وحدة واحدة لئلا ينهار فوق رأسه، لكن حتى الصهاينة لا يحركون أنوفهم جزعا مما قد يحدث وشيكا في مصر.

يتخبط الجميع، فلا الشعب المصري فيه نفس للحراك، ولا حتى "الدعاوى الوهمية الكرتونية للخروج" صارت تفيد أو حتى تساوي الحبر المكتوبة به، ولا سياسيين أو حقوقيين أو أكاديميين أو مفكرين أو مبدعين في المشهد المصري إلا القليل النادر، يكاد المشهد يكون معتما!

هل أفلتت البلاد من قبضة الجنرال ومدعي المعارضة والأنظمة المهتمة؟

تهتم بعض العواصم المحيطة بأرباحها، لذلك تنهمر الأموال على معارضين بغزارة لتحييدهم وإيجاد بديل الجنرال في نفس الوقت لإبقاء اللجام حوله مشدودا. وصلنا لمرحلة تدفق الأموال واستلامها واستعذاب المخاوف بل وبيع ضمائر بسلام. باختصار غير مخل، يتخبط الجميع، فلا الشعب المصري فيه نفس للحراك، ولا حتى "الدعاوى الوهمية الكرتونية للخروج" صارت تفيد أو حتى تساوي الحبر المكتوبة به، ولا سياسيين أو حقوقيين أو أكاديميين أو مفكرين أو مبدعين في المشهد المصري إلا القليل النادر، يكاد المشهد يكون معتما!

ترى مَنْ يأخذ خطوات للخلف، يستعد لتجرع السم لأجل الأجيال المقبلة وبلاده والدعوة والوطنية والنضال والحراك؟

إذا كان النظام صار كالمجنون الذي يسير ببلد لأقصى سرعة نحو إهلاكها والتخلي عن كل قيمة، فهل يدرك الطرف الآخر أن عليه نبذ الملذات والراحة، والسهر والحمّى لإنقاذ أنفسهم وأداء دورهم، يبيعون أوهام العودة للسلطة، يتخلون عن الأموال والأرصدة، يعصفون ذهنيا، ينيرون الدروب للشباب، يخاطبون النظام بما تبقى لهم من دور عالمي أهدروه بجدارة خلال 10 سنوات، يضيئون شمعة ولو من أرواحهم بعدما عز شعاع من أي نوع نحو الغد؟

ترى هل يفيق مخلصوهم لأجل الوطن قبل فوات الأوان؟!