قضايا وآراء

الثورة التي نريد (8)

قصاص أم انتقام؟- جيتي
ختمت مقالي السابق برسالة إلى "الفرقاء" السياسيين، بعبارة هذا نصها:

"أيها الفرقاء على اختلاف مرجعياتكم الفكرية..

إذا أردتم الحوار؛ كي نمضي (معا) نحو "ثورة" تستنقذ مصر من بين أنياب هؤلاء المخرِّبين الذين ساقوا المصريين إلى مستنقعات الجهل والتخلف والفقر والمرض، فليس لنا إلا مطلب واحد، ألا وهو: الالتزام بتنقية التشريعات القائمة، من كل ما يخالف الشريعة الإسلامية، وعدم إصدار أي تشريع مخالف لها مستقبلا، ولندَع للأزهر الشريف مهمة تعريف "الشريعة"، وليس للإخوان ولا للسلفيين ولا غيرهم! عدا ذلك، فهو محل أخذ ورد، وسنكون معكم أليَن مما تتصورون. فإذا قبلتم، فأهلا وسهلا، ولنبدأ من الآن، وإذا أبيتم، فليمض كل صاحب فكر في سبيله، وينجز "ثورته"، إذا استطاع إلى ذلك سبيلا".

لكن "الفرقاء" لا يقرأون.. فهُم بالبثوث المباشرة مشغولون، وفي تدبيج المنشورات "الفيسبوكية" منهمكون، وفي لُجج المعارك الجانبية غارقون، وبعضهم عن المتابعين و"اللايكات" يبحثون، وجُلهم بآرائهم معجبون.. أما سواد المصريين، فخلف الكفاف يلهثون، وبين ضروس الفقر يُطحنون، ومن الجوع يتضورون، وتحت وطأة "الإتاوات" يئنون، وبالأمراض والرصاص وحوادث الطرق يُقتلون.. ولا حول ولا قوة إلا بالله العليِّ العظيم!

الخلاف بين "الإسلاميين" و"العَلمانيين" جِد عميق. وإذا قلنا "الإسلاميين" فإن الأذهان تنصرف (من فورها) إلى جماعة الإخوان المسلمين التي أضحت "ثلاث جماعات"! ويظهر في الصورة (من بعيد) الجماعة الإسلامية أو حزب البناء والتنمية المنبثق عن هذه الجماعة

عليَّ الاعتراف بأن الخلاف بين "الإسلاميين" و"العَلمانيين" جِد عميق. وإذا قلنا "الإسلاميين" فإن الأذهان تنصرف (من فورها) إلى جماعة الإخوان المسلمين التي أضحت "ثلاث جماعات"! ويظهر في الصورة (من بعيد) الجماعة الإسلامية أو حزب البناء والتنمية المنبثق عن هذه الجماعة.

أما أصحاب مقولة "وإن أخذ مالك، وجلد ظهرك" فهؤلاء منحازون (دائما وأبدا) لكل سلطة مستبدة فاجرة، يغطون سوءتها بفتاوى هي أبعد ما تكون عن روح الإسلام ورسالته. وأما الصوفيون فهم في حلقاتهم يتمايلون، وبحمد الحاكم (أيا كانت ملته) يسبحون، وأما إذا قلنا "العَلمانيين" فنجد أنفسنا أمام طيف يجمع كل من له موقف معادٍ، أو كاره، أو رافض للإسلام، وللإخوان المسلمين، أو "الإسلام السياسي" كما يُفضل أن يشير علمانيونا إلى "المسلمين" المشتغلين بالسياسة!

هذا الطيف العَلماني يضم على سبيل المثال لا الحصر: الليبراليين، واليساريين (ماركسيين ولينينيين وتروتسكيين)، والنسويين، والمثليين، والدولجية من العسكر والبلطجية، بالإضافة إلى الملحدين، واللا دينيين، والبهائيين، وربما بوذيين أيضا.. كل هؤلاء يرفعون شعار "الدولة المدنية" في مقابل "الدولة الدينية" التي لم تعرفها مجتمعاتنا المسلمة، منذ ظهور الإسلام وحتى يوم الناس هذا.. ومن عَجبٍ أن ينحاز رافعو شعار "الدولة المدنية" هؤلاء، إلى "الديكتاتورية العسكرية" سيئة السمعة (في العالم كله) ويلوذون بها؛ لإسقاط أول رئيس مدني منتخب، في تاريخ مصر!

من عَجبٍ أن ينحاز رافعو شعار "الدولة المدنية" هؤلاء، إلى "الديكتاتورية العسكرية" سيئة السمعة (في العالم كله) ويلوذون بها؛ لإسقاط أول رئيس مدني منتخب، في تاريخ مصر!

فإذا كانت المدنيِّة تعني احترام الدستور، والقانون، وحقوق الإنسان التي نصت عليها "وثيقة حقوق الإنسان"، إبَّان الثورة الفرنسية، فإن الإسلام (بهذا المعنى) هو المدنيِّة بشحمها ولحمها وعظمها، فضلا عن كونه الأسبق إلى التأسيس لها، قبل ثلاثة عشر قرنا كاملة.. فهو الذي رفع من قدر الإنسان عموما، ومن قدر المرأة خصوصا، وحمى الطفل، وحض على تحرير العبيد، فجعل عتق الرقبة "كفَّارة" لبعض الذنوب، وأعلن المساواة بين البشر، فلا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، وجعل الحاكم "أجيرا" لدى الأمة، يخضع للمحاسبة، ولم يجعل له حصانة تحميه من المساءلة، وأوصى المسلمين خيرا بأهل الذمة من أهل الكتاب (الأقليات)، وغير ذلك الكثير الكثير!

فماذا بقي من المدنيِّة التي يتشدق بها العَلمانيون، يجعلهم في عداوة مع الإسلام، ويحثهم حثا على رفع شعار "الدولة المدنية"، مقابل "الدولة الإسلامية"؟!

وللتنبيه! لن أملَّ من تكرار تلك الحقيقة التي تقول: "لا وجود لمصطلح الدولة المدنية في القاموس السياسي الغربي"، فهذا المصطلح لا وجود له إلا في بلاد العرب والمسلمين حصرا.

ممدوح حمزة

في 13 كانون الأول/ ديسمبر 2022، كتب المهندس الاستشاري الدكتور ممدوح حمزة منشورا "فيسبوكيا" على صفحته، هذا نصه:

"لو كنت أعلم الغيب، وما أصاب مصر وشعبها حتى الآن، ما كنت شاركت في 30/6 عام 2013.. أعتذر وأندم عن مشاركتي، وأرجو أن يغفر الله لي".

وقد تفاعل مع هذا المنشور نحو ثمانية آلاف شخص، وعلق عليه ألفان.. ومن الطبيعي أن تكون التعليقات بين مرحب، ومؤنب.. لكن الترحيب كان أكثر من التأنيب..

أما ملاحظتي على هذا المنشور فهي أن حمزة لم يأتِ على ذكر الرئيس المنتخب المغدور محمد مرسي، ولم يُشِر إلى ضحايا مجازر الانقلاب (رابعة وأخواتها) وهم بالآلاف، ولا إلى مئة ألف معتقل، في سجون الانقلاب! ولو أراد حمزة (وهو السياسي المخضرم) أن يفعل لفعل، لكنه لم يفعل، رغم أنه (ما غيره) هو الذي استأجر ذلك "البلدوزر" الشهير؛ لخلع باب قصر الاتحادية؛ كي يتمكن "الثوار" من اقتحام القصر، وقتل الرئيس على غرار ما حدث، مع الديكتاتور الروماني نيكولاي تشاوشيسكو وزوجته! فكيف لمثلي وأنا من أولياء الدم، فضلا عن كوني كنت عضوا في فريق الرئيس مرسي الرئاسي، أن يقبل هكذا اعتذار، خالٍ من الاعتذار، لمن يستحق الاعتذار؟!

هذا الأسلوب "الالتوائي" الممزوج بالتعالي والتذاكي، لا يداوي جروحا، ولا يشفي صدورا، ولا يبعث على الثقة في صاحبه، ومن على شاكلته في "التيار العَلماني" على اختلاف أطيافه التي ذكرتُها آنفا، كما لا يجمع "الفرقاء" على كلمة سواء، بأي حال!

ولست أدري إن كان حمزة يعلم أو لا يعلم (وهو المسلم) أن التوبة إلى الله، في أمر يخص العباد، لا تغني عن طلب العفو من العباد أصحاب الحقوق! فالله يعفو عن حقه، ولا يعفو عن حق العباد إلا إذا عفوا.. فإذا كان يعلم، فقد "تعمد" أن تكون توبته واعتذاره بهذه الصيغة "الملتوية" التي تجاهلت أصحاب الحقوق والمظالم، وإذا كان لا يعلم، فعليه أن يعلم، قبل أن يوافيه الأجل المحتوم، فيلقى الله بكل هذه الدماء التي شارك في سفكها، عن سابق قصد وتصميم، ولم يبخل (في سبيل ذلك) بجهد أو مال، وأحاديثه التلفزيونية شاهدة على ذلك!

إن هذا الأسلوب "الالتوائي" الممزوج بالتعالي والتذاكي، لا يداوي جروحا، ولا يشفي صدورا، ولا يبعث على الثقة في صاحبه، ومن على شاكلته في "التيار العَلماني" على اختلاف أطيافه التي ذكرتُها آنفا، كما لا يجمع "الفرقاء" على كلمة سواء، بأي حال! ومن ثم، فإن ليلنا طويل طويل، وبؤسنا سيدوم إلى أمد لا يعلمه إلا الله، ويوم يأتي جيل بريء من هذه الأحقاد والضغائن، فلن يكون هناك مصر! وإنما ستكون هناك إقطاعيات خليجية وصهيونية، لكل إقطاعية "ناظرها"، و"جيشها"، و"حدودها"، وساعتها لن يكون الحديث عن "الثورة"، وإنما سيكون عن "التحرير" من الاحتلال الأجنبي.. كان الله في عون ذلك الجيل الذي سيشهد هذه الأيام المظلمة، وأرجو منه سلفا أن يغفر لجيلنا هذا صبيانيته، وتشرذمه، وانعدام المسؤولية لديه!

هشام صبري

في سياق متصل، غرّد ضابط أمن الدولة المتقاعد، المعارض لنظام ياسر جلال، المقيم في أمريكا الدكتور هشام صبري، في يوم 4 كانون الثاني/ يناير الجاري، قائلا:

"حل نصف مشاكل مصر الاقتصادية في إلغاء التجنيد الإجباري، وحل نصف مشاكلها السياسية، في أن ينسى الإخوان الرغبة المحمومة (والمفهومة) في الانتقام!".

وكان ردي عليه:

"رغبة الإخوان "المحمومة" في الانتقام، لا توجد إلا في رأسك، يا سيادة اللواء! الإخوان وغير الإخوان لا يريدون سوى تحقيق العدالة؛ المظلوم يرجع له حقه، والظالم ياخد عقابه! فهل لديك اعتراض على هذا المبدأ؟

ثانيا: لماذا لا تطالب النظام (أي نظام) بالتوقف عن تشويه الإخوان واضطهادهم؟ تحياتي..".

وكان الرد "غير المتوقع" من أستاذ القانون، و"المتوقع" من ضابط أمن الدولة السابق.. جاء صبري بصورة شاشة من ردي الذي قرأتَه توا (عزيزي القارئ) ووضعه إلى جانب صورة من رد إحدى لجان ياسر جلال الإلكترونية، هذا نصه:

"إتلهي ياض [يا ولد، ولكن بلغة السوقة].. منتا [ما إنت] لو دخلت الجيش، كنت هتعرف معنى الرجولة، ومتكتبش الكلام دا.. منتا لو دخلت الجيش كنت هتعرف يعني إيه العقيدة المصرية وثوابتها، في دفاعها عن الوطن.. منتا لو دخلت الجيش، كنت عرفت إن مصر (من بداية التاريخ) شعبها جنود.. اتلهي واركن جنب الجركن [تعبير سوقي يعني: اجلس بجانب الجركن، فأنت لا وزن لك.. الجركن: عبوة زيت السيارات].. بدل مقولك [ما أقول لك] كلام يزعلك".. وختم الرد برمز قبضة اليد في حالة تسديد اللكمات!

وعلق هشام صبري حامل الدكتوراه في القانون، على الصورتين، بهذه العبارة:

"ولما نقول العسكر والإخوان وجهان لعملة واحدة، يرجعوا يزعلوا! نفس الدماغ، نفس المنطق ونفس رد الفعل"!

وقد حظيت هذه التغريدة بنقد وهجوم واسعين، ممزوجين بالاستنكار، والاندهاش، والإهانة لشخص صبري، واتهامه بالجهل، وسيطرة العقلية الأمنية المعادية للإسلاميين على أسلوبه.. إلخ!

وجاء ردي:

"شيء مؤسف أن تقول ذلك يا سيادة اللواء! لا أعرف بأي عين تقرأ، ولا بأي عقلية تقارن؟! لم تُجب عن أسئلتي! ورأيتَ أن تضع ردي إلى جانب هذا الرد البذيء! ولا أدري ما الرابط بين الردين؟! رد منطقي مهذب، والآخر أرعن رديء! ألهذا الحد لا يمكنك التمييز؟! هل هذه عقلية حامل دكتوراة؟!".

فكان رد صبري:

"حاضر، أول ما أفضى بكره، هعرَّفك وجه الشبه بين تدليس حضرتك المنمق، وتدليس الآخر العربجي".. ثم أعلن عن بث مباشر، في مساء اليوم نفسه، بعنوان عجيب "ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين، بل ملائكة تمشي على الأرض هونا"!

تدليس حضرتي المنمق؟! الحكم لك عزيزي القارئ..

كان "الانتقام" مما أفاض صبري في الحديث عنه، في بثه المباشر، باعتباره "رغبة طبيعية" تتملك أي إنسان مظلوم.. أما وأن الإخوان تعرضوا لظلم دام ثمانين عاما، وبلغ ذروته في العشرية الأخيرة، فلا بد أن تتملكهم الرغبة في الانتقام؛ لأنهم بشر وليسوا ملائكة!

طيب يا سيد صبري.. بما أن الإخوان بشر، فمن الطبيعي أن يفكروا في الانتقام، باعتبار "الرغبة في الانتقام" غريزة بشرية كامنة لدى كل مظلوم، فما معنى أن تطالبهم بالتخلي عنها، وهو أمر فوق طاقة البشر؟! وإذا قالوا نحن لا نطلب سوى العدل، ولا رغبة لنا في الانتقام، فأنت لا تصدقهم؛ لأن هذا السلوك (في نظرك) سلوك "ملائكي" لا يصدر عن بشر! أو هو "ضحك على الذقون"، ولكن "اللي في القلب، في القلب"! عجيب أمرك يا سيد صبري!

وقد رددت على صبري في ثريد، أكتفي بهذه الفقرة منه:

هل يستطيع العَلمانيون التخلص من هذا العداء غير المبرر تجاه الإسلام، و"الإسلاميين"، وفي القلب منهم الإخوان المسلمين؟ ذلك العداء الذي لا يصب إلا في صالح هذا المستبد الذي أتى على أخضر مصر ويابسها؟!

"أؤكد لك وللجميع، أن الإخوان (بأجنحتهم الثلاثة) لا يفهمون كلمة "الانتقام"، وليست في قاموسهم؛ ذلك لأن الانتقام (عندهم) سلوك بدائي، وهمجي، وجاهلي، وليس من ديننا في شيء؛ لأنه لا يمكن حسابه ولا قياسه.. ديننا يعرف "وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل".. العدل ولا شيء غير العدل.. ويعرف "وإذا عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين"، القصاص العادل.. ولا شيء غير القصاص العادل.. فهل هذا كاف لطمأنة المتخوفين من "انتقام الإخوان" إذا جدَّ في الأمور أمور؟

بناءً على ما تقدم، فالمطلوب منك ومن الجميع، الكف عن ترديد نغمة "الإخوان أصل العنف"، و"الإخوان حاولوا قتل عبد الناصر".. فكل ذلك عار من الصحة تماما، ولا أصل له".. ورد الرجل مشكورا، بالشكر على ردي..

فهل يستطيع العَلمانيون التخلص من هذا العداء غير المبرر تجاه الإسلام، و"الإسلاميين"، وفي القلب منهم الإخوان المسلمين؟ ذلك العداء الذي لا يصب إلا في صالح هذا المستبد الذي أتى على أخضر مصر ويابسها؟!

(يُتبع)..

twitter.com/AAAzizMisr
aaaziz.com