قضايا وآراء

مؤتمرُ حركة النهضة بين صراع القيادات ورهانات السُّلطة

هل ينعقد مؤتمر النهضة في موعده؟- جيتي
في الوقت الذي تمر فيه تونس بأزمة سياسية ألقت "بظِلالها/ ضَلالها" على مختلف الأصعدة المجتمعية، ورغم تهافت المطابقة بين حركة النهضة و"العشرية السوداء" أو معارضة "تصحيح المسار"، يبدو أن هذه الحركة ما زالت تحتل -كما كانت منذ ترحيل المخلوع- محور الخطابات المتنازعة و/ أو المتضامنة؛ قصد إدارة الدولة وشرعنة هيمنتها، أو قيادة المعارضة من خارج "جبهة الخلاص"، أي ما زالت محور الاستراتيجيات السلطوية لتشكيل رأي الجماهير وإعادة هندسة المجال العام.

فالسلطة بمكوّناتها المختلفة -أي بمولاتها الكلية أو "النقدية"-، لم تصل بعد إلى "توافق" واضح حول كيفية التعاطي السياسي مع ملف النهضة، رغم كل محاولات سحبه إلى دائرة الملف الأمني-القضائي، فرغم إغلاق مقرات الحركة وسجن أغلب قياداتها التاريخية، ما زالت النهضة حزبا سياسيا قانونيا يتمتع بقاعدة شعبية وازنة، وهو ما يجعل من صراعاتها الداخلية حول إنجاز المؤتمر رهانا وطنيا، يتجاوز الشأن الحزبي الخالص.

السلطة بمكوّناتها المختلفة -أي بمولاتها الكلية أو "النقدية"- لم تصل بعد إلى "توافق" واضح حول كيفية التعاطي السياسي مع ملف النهضة، رغم كل محاولات سحبه إلى دائرة الملف الأمني-القضائي. فرغم إغلاق مقرات الحركة وسجن أغلب قياداتها التاريخية، ما زالت النهضة حزبا سياسيا قانونيا، يتمتع بقاعدة شعبية وازنة، وهو ما يجعل من صراعاتها الداخلية حول إنجاز المؤتمر رهانا وطنيا يتجاوز الشأن الحزبي.

وقد جاءت "الموجات الارتدادية" التي أثارها التسريب الأخير المتعلق برئيس الحركة بالنيابة الدكتور منذر الونيسي لتؤكد هذه الحقيقة، كما جاءت تلك الموجات الارتدادية لتثبت أن مكونات المنظومة الحاكمة، ليست على قلب جل واحد فيما يتعلق بـ"الحل النهائي"، سواء أفهمنا هذا التعبير بمعناه اللغوي العادي، أي البحث عن حل عقلاني وبأقل كلفة ممكنة، أم فهمناه بدلالاته الحافة التي ترتبط بالحسم الأمني الاستئصالي.

لعل أعظم ما يواجه المحلل السياسي، مسألة المعلومات الموثوقة التي يمكنها أن تؤسس لطرح مطابق لموضوعه. فالحديث عن "صراع الأجنحة" أو مراكز النفوذ يفترض وجود معرفة "علمية" بمكونات السلطة، بل يفترض قبل ذلك حيازة أدلة لا تقبل الدحض، تؤكد وجود تلك "اللوبيات" بصرف النظر عن تسميتها. فرغم أنه يستحيل من جهة الاستقراء تخيل منظومة سلطوية لا تناقض أو صراع بين مكوناتها، فإن من العسير تحديد تلك المكونات في لحظة تاريخية ما تحديدا "علميا".

ولو عدنا إلى الشأن التونسي، فإننا سنجد إجماعا من لدن المشتغلين بالشأن العام على وجود "أجنحة" سلطوية مختلفة في مراكز القرار، ولكنّ هذه "البداهة" تفقد الكثير من جاذبيتها عند محاولة تحديد تلك الأجنحة، وطبيعة علاقاتها وأجنداتها وموازين القوى بينها داخليا وخارجيا، ورغم أن المسألة النهضوية تبدو مرتبطة بصراع الأجنحة، فإننا لا نستطيع الجزم فيما يتعلق بالغايات النهائية لكل جناح منها، فهل تتصارع الأجنحة كلها حول كيفية إنهاء الوجود القانوني لحركة النهضة بأقل كلفة ممكنة (إعادة هندسة الحقل السياسي دون وجود النهضة)، أم هناك صراع بين طرح يدعو إلى الذهاب بالمقاربة الأمنية-القضائية للأقصى، وبين طرح آخر يدعو إلى الإبقاء على النهضة، لكن بشروط المنظومة وبعد التخلص من قياداتها التاريخية (تحويل النهضة إلى حزب كرتوني مطبع مع الواقع السياسي الجديد)؟

هل تتصارع الأجنحة كلها حول كيفية إنهاء الوجود القانوني لحركة النهضة بأقل كلفة ممكنة (إعادة هندسة الحقل السياسي دون وجود النهضة)، أم هناك صراع بين طرح يدعو إلى الذهاب بالمقاربة الأمنية-القضائية للأقصى، وبين طرح آخر يدعو إلى الإبقاء على النهضة، لكن بشروط المنظومة، وبعد التخلص من قياداتها التاريخية (تحويل النهضة إلى حزب كرتوني مطبع مع الواقع السياسي الجديد)؟

حتى لو افترضنا جدلا امتلاكَنا لمعلومات حول أجنحة المنظومة تسمح بترجيح إحدى الفرضيتين الواردتين أعلاه، فإن ذلك الترجيح سيظل ضربا من الرجم بالغيب والتخرّص، ما لم نمتلك معلومات "يقينية" حول مواقف القوى الإقليمية والدولية المتداخلة في الشأن التونسي، والقادرة على فرض إرادتها على جميع الفاعلين الجماعيين، مهما كانت مواقعهم داخل مؤسسات الدولة أو خارجها. فما هو مثلا الموقف الحقيقي للقوى الغربية أو لمحور الثورات المضادة أو للجزائر من "الملف النهضوي"؟ وهل يوجد موقف إقليمي ودولي موحّد أم توجد مواقف متناقضة قد تكون هي علّة تذبذب السلطة، وعدم قدرتها على الحسم في أي اتجاه كان -بحكم الكلفة الاقتصادية والسياسية المتوقعة لأي حسم قد يناقض مصالح بعض تلك القوى-؟ ونحن لم نتحدث عن تأثير المواقف الإقليمية والدولية في "القرار السياسي"، إلا لأننا نعلم أن ذلك القرار عندما يكون في دولة تفتقد مقومات السيادة، لا يمكن أن يكون قرارا حرا، مهما كانت ادعاءات السلطة (أي ارتباط قرارها بمحددات داخلية محض، لا علاقة لها بأي إملاءات خارجية) ومزايدات المعارضة (أي ارتباط مواقف السلطة منها بـ"نضالها" وعمقها الشعبي أو شرعية مطالبها).

بحكم غلبة الخطابات الاختزالية والسطحية على المشهد الإعلامي في تونس -سواء في ذلك الإعلام التقليدي والإعلام المرتبط بوسائل التواصل الاجتماعي-، فإن تحري الحق يوجب على المشتغل بالشأن العام أن يكون على مسافة نقدية من سرديات السلطة والمعارضة على حد سواء، كما يوجب عليه أن يصدع بما يراه حقا، وإن كسر انتظارات الجمهور وتحوّل إلى "صوت صارخ في البرّية". ومثال ذلك ما يجري من صراعات حول وجود النهضة وحول آليات إقصائها أو تدجينها.

كيفما جرت الأحداث، فإن مؤتمر الحركة -سواء آنعقد أم لم ينعقد-، سيكون لحظة مفصلية من لحظات المشهد السياسي التونسي بعد 25 تموز/ يوليو 2021، فهو سيعيد تشكيل المشهد العام، بصورة لا يمكن الجزم بمساراتها ومآلاتها في الوقت الحالي، إلا من باب الاستشراف الأقرب إلى الدجل.

فالقول بأن السلطة قد حسمت أمرها في المسألة، هو مجرد دعوى عريضة يبحث صاحبها -في الأغلب- عن التموقع السياسي أو عن الظهور الإعلامي، وكذلك الشأن في مسألة إنجاز المؤتمر الحادي عشر للحركة في شهر تشرين الأول/ أكتوبر القادم، بعد أن تأجل عن موعده الرسمي في أيار/ مايو 2020. فإنجاز المؤتمر وطبيعة مخرجاته هما أمران يرتبطان ارتباط وجود وعدم بمتغيرات لا يمكن الحسم في شأنها.

فما هي -مثلا- توازنات القوة الحزبية التي ستسمح بإنجاز المؤتمر أو ستمنع انعقاده؟ وما هي حسابات/اشتراطات السلطة -ورهانات القوى الإقليمية والدولية ومصالحها المادية والرمزية- التي ستحدد الموقف من الحركة ذاتها قبل انعقاد المؤتمر وبعده؟ وكيفما جرت الأحداث، فإن مؤتمر الحركة -سواء آنعقد أم لم ينعقد-، سيكون لحظة مفصلية من لحظات المشهد السياسي التونسي بعد 25 تموز/ يوليو 2021، فهو سيعيد تشكيل المشهد العام، بصورة لا يمكن الجزم بمساراتها ومآلاتها في الوقت الحالي، إلا من باب الاستشراف الأقرب إلى الدجل.

twitter.com/adel_arabi21