كتب

إسرائيل والبحث عن استراتيجية عسكرية جديدة.. هل ينجح سيناريو النصر الحاسم؟

إن جهود "إسرائيل" لإصلاح استراتيجيتها العسكرية ردا على تهديد المقاومة، يسلط الضوء على تطور المنافسة الاستراتيجية في الشرق الأوسط..
في خضم الحرب الدائرة الآن في غزة، فإن علينا أن نقرأ الاستراتيجية التي تعتمدها إسرائيل في هذه الحرب، وما الذي تغير فيها عن الحروب السابقة. لذا، نقدم اليوم هذه الدراسة، وعنوانها: "إسرائيل والبحث عن استراتيجية عسكرية جديدة" التي نشرها "مجلس سياسة الشرق الأوسط" في مجلته الفصلية: "سياسة الشرق الأوسط"، عدد خريف 2023:

كاتب الدراسة هو "جان لوب سمعان": زميل في مبادرة سكوكروفت الأمنية للشرق الأوسط التابعة للمجلس الأطلسي، ويركز على الشؤون الاستراتيجية في الشرق الأوسط وعلى وجه الخصوص: الصراع بين إسرائيل وحزب الله. عمل محللا للسياسات في مديرية الشؤون الاستراتيجية بوزارة الدفاع الفرنسية من عام 2008 إلى 2011، ومستشارا للأبحاث في كلية الدفاع التابعة لحلف الناتو من 2011 إلى 2016، ثم أستاذا مشاركا في الدراسات الاستراتيجية التي أعدها مركز الشرق الأدنى وجنوب آسيا لكلية الدفاع الوطني الإماراتية من 2016 إلى 2021.

وناشر الدراسة هو مجلس سياسة الشرق الأوسط: مركز بحثي أمريكي له صلة قوية بجهات صنع القرار في أمريكا، وله دور مهم في صنع السياسات المتعلقة بالشرق الأوسط.

موجز الدراسة

في عام 2020، أعلن الجيش الإسرائيلي عن تطوير مفهوم عملياتي جديد يسمى "النصر الحاسم" الذي يهدف إلى تغيير الطريقة التي تخوض بها إسرائيل الحروب، وإعادة تعريف النصر في ساحة المعركة. لذا، يحتاج الجيش الإسرائيلي إلى إصلاح واسع في كافة المجالات. والسبب الجذري لهذا التغيير هو تطور تهديدات المقاومة في غزة ولبنان. وقد أظهرت دورة الصراعات مع المقاومة منذ 2008 ما يلي:

ـ عدم قدرة الجيش الإسرائيلي المتزايدة على ادعاء النصر في ساحة المعركة. أو ربما لم يكن النصر هو التوصيف الأكثر وضوحا لمهام الجيش الإسرائيلي.

ـ التحسن المطرد لأداء حماس في ساحة المعركة. وقد أظهرت قدرة كبيرة على إطلاق الصواريخ على أهداف إسرائيلية، سواء مأهولة بالسكان أو مواقع عسكرية. كما أثار قلق الخبراء الإسرائيليين انتشار الصواريخ والقذائف ودقتها على مما قد يضر بفعالية القبة الحديدية.

بعد أربع سنوات من إطلاق كوخافي هذه الاستراتيجية وما يترتب عليها من تغيير الطريقة التي تقاتل بها إسرائيل وإعادة تعريف مفهوم النصر، كانت النتيجة غير مؤكدة عندما أنهى ولايته. وبالنظر إلى الوقت اللازم لتنفيذ مثل هذه الإصلاحات، فإن الخطة لا يمكن أن ترقى إلى ثورة عسكرية حقيقية. كما أن هناك تحديات كبيرة تتطلب الحذر، مثل: تأثير السياسة على الإصلاح، الموارد المالية اللازمة، والآثار المترتبة على هيكل قوة جيش الدفاع الإسرائيلي:

الفرق بين النصر الحاسم والأفكار السابقة

في مواجهة التهديدات المتطورة على الحدود مع غزة ولبنان، قام رؤساء الأركان السابقون بتنفيذ أفكار إصلاحية، مثل إنشاء "فيلق العمق" لشن عمليات خاصة داخل أراضي العدو، ومفهوم "الضاحية" ومعناه استخدام القوة الساحقة مثلما ما حدث في حي الضاحية ببيروت عام 2006. وقد اعترف الجيش الإسرائيلي في 2015، أن هذه العمليات لا يمكنها تدمير العدو؛ إنما إضعاف قدراته فقط. ومن هنا جاءت فكرة الحملة بين الحروب، أو عمليات "جز العشب"، بما يعني التخلي عن الميل التاريخي للعقيدة الهجومية.

يعد النصر الحاسم خروجا كبيرا على الممارسات السابقة التي كانت أهداف الحملات العسكرية فيها محدودة. وهو ما يذكرنا بنفور إسرائيل التاريخي من الصراعات الطويلة والممتدة.

يعيد مفهوم النصر الحاسم توصيف المقاومة فهي ليست جماعات متمردين يخوضون حرب عصابات؛ ولكن جيوش منظمة مدربة ومجهزة بصورة جيدة لمهامها. وقد أكدت حرب مايو آيار 2021 هذا التوصيف الجديد. إذ أطلقت حماس 4,300 صاروخ على أهداف إسرائيلية على مدار 11 يوما:

ـ 50%  من الصواريخ سقطت في مناطق مأهولة بالسكان، مقارنة ب 18% في 2014.
ـ تحسن المدى: استهدفت حماس بشكل متزايد تل أبيب والقدس، بالإضافة إلى غلاف غزة.
ـ تسارع الإطلاق: ففي 11 مايو، أطلقت حماس 137 صاروخا في أقل من 5 دقائق على تل أبيب.

خطورة تطوير المقاومة لسلاحها وأدائها العسكري

يتوقع مستقبلا، أن تحدث حماس أسلحتها بقدرات التوجيه الدقيق. وهي تعتمد بشكل متزايد على المُسّيرات. ففي حرب 2021، اعترضت القبة الحديدية 6 مسيرات، وإسقطت طائرة "إف 16" مُسّيرة أخرى كانت تستهدف البنية التحتية للغاز الإسرائيلي في البحر الأبيض المتوسط. ومع انتشار مُسّيرات أكثر تطورا، فالأمر مسألة وقت لتصبح حماس أكثر مهارة في حرب المُسّيرات. وقد تتبنى استراتيجية هجين: استخدام المُسّيرات في الموجة الأولى لاستهداف الأصول الدفاعية مثل القبة الحديدية، ثم تقوم الموجة الثانية باطلاق الصواريخ على المدن والبنى التحتية.

وهناك مشكلة أخرى هي الاختلال الكبير في التكلفة بين الهجوم والدفاع: يكلف صاروخ كاتيوشا 300 دولار، أما صاروخ القبة الحديدية فيكلف 50,000 دولار. وهذا يعطي حماس العديد من المزايا:

ـ محاولة إرباك النظام الدفاعي من خلال إطلاق وابل هائل من الصواريخ، وحتى لو لم يصب معظمها أهدافها، فستضطر إسرائيل إلى الرد. ومع الدقة المطورة للصورايخ، تصبح المشكلة أسوأ.

ـ وبما أن القبة الحديدية مصممة حاليا لاعتراض الصواريخ المتجهة إلى المناطق المأهولة بالسكان أو الأهداف العسكرية والمدنية فقط، فإن وابل الصواريخ سيضعها تحت ضغط كبير.

ونظرا للتقدم التكنولوجي المتزايد للفلسطينيين، فإن الاعتماد المفرط على القبة الحديدية سيؤدي إلى عقلية دفاعية مفرطة، وتصبح القبة الحديدية "خط ماجينو العصر الحديث"، وهو خط الدفاع الثابت الذي أثبت فشله في الحرب العالمية الثانية. لذا، فالخيارات الحالية معيبة، والقبة الحديدية لا يمكنها كسب الحروب؛ والعمليات السابقة في غزة لم تحقق أهدافها، مما يقوض مصداقية الردع الإسرائيلي.
التحضير لسيناريو متعدد الجبهات

هناك مخاوف إسرائيلية متزايدة من سيناريو حلقات النار: فتح جبهات متعددة في الوقت نفسه، فأي صراع مستقبلي في غزة قد يشعل الضفة وجنوب لبنان والجولان، ويُفترض أن إيران قدمت دعما ماديا وتقنيا للمقاومة، وأعدتها لهجمات منسقة لإرباك إسرائيل. لذلك، يستعد الجيش بالفعل لهذا السيناريو. فالحرب غير النظامية مع المقاومة هي التهديد الرئيسي الذي يقود إلى تطوير مفهوم النصر الحاسم. وحتى السيناريوهات التي تنطوي على مواجهة بين إيران وإسرائيل، من المرجح أن تنطوي على استخدام الوكلاء.

النصر الحاسم ومزالق الإصلاح العسكري

على هذه الخلفية، تم تقديم استراتيجية النصر الحاسم في يناير 2020. وبرغم أن الوثائق الرسمية ليست متاحة للجمهور، فإن ما كُتب عنه فيما بعد يوضح ملامح هذه الاستراتيجية:

ـ تقصير مدة الحرب وإلحاق هزيمة ساحقة بالعدو.
ـ الهجوم في عمق أراضي العدو لاحتلال المراكز العصبية الرئيسية.
ـ التدمير الساحق للعدو باستخدام القدرات الاستخباراتية، والنيران الدقيقة.
ـ قمع صواريخ العدو والقذائف التي تُطلَق في مكان قريب نحو الجبهة الداخلية. 

وبالتالي، فإن "النصر الحاسم" يعني: التصعيد في وقت مبكر جدا، عمليات هجومية سريعة تعتمد على وحدات أصغر ذات قوة نيران هائلة، عمليات متعددة الفروع، التأكيد على المناورة والعمليات المشتركة، والاعتماد الكبير على التكنولوجيا الجديدة لتسريع عملية صنع القرار.

خطة الزخم

في عام 2000، أطلق الجيش الإسرائيلي خطة مدتها 4 سنوات تسمى "خطة الزخم"، التي بُنيت على سيناريو حرب متعددة الجبهات، وتهدف إلى إعداد الجنود للاستخدام السريع والمكثف للقوة ضد العدو. كما تقوم أيضا على دمج الموارد البحرية والبرية والجوية والسيبرانية والاستخباراتية بشكل أكثر إحكاما.

على مستوى الإصلاح التنظيمي، أدخلت الخطة تغييرا في هيئة الأركان العامة. وتم تقسيم مديرية التخطيط إلى قسمين: مديرية تخطيط القوات المتعددة التي كُلفت بإعادة تنظيم الجيش الإسرائيلي؛ ومديرية الاستراتيجية وإيران التي تركز على التهديدات الإقليمية والردود المطلوبة. ويهدف هذا التقسيم إلى منع المشاركين في التخطيط طويل الأجل من التعامل مع حالات الطوارئ اليومية. وشملت التغييرات إنشاء فرقة مشاة للمناورة السريعة، وتقليص وحدات الدبابات.

كان لخطة الزخم آثار على مشتريات الجيش، فركزت على الأنظمة الالكترونية والذخائر الموجهة بدقة، وجعلت للذكاء الاصطناعي دورا رئيسيا في التنسيق بين الوحدات، وتم إنشاء قسم للتحول الرقمي.

وعلى المستوى التشغيلي تم إنشاء وحدة نخبة جديدة تسمى "وحدة الأشباح"، تجمع بين القدرات العسكرية التقليدية والمُسّيرات والعملاء السيبرانيين في وحدة واحدة تتمتع بالقدرات البشرية للكتيبة، ولكن بقوة نيران الفرقة. وإذا نجحت هذه التجربة، فسيكون لها تأثير كبير على الطريقة التي ينظم بها الجيش قواته لتنفيذ العمليات. ويمكن لهذه الوحدات العمل في مساحة واستقلالية أكبر بكثير في القتال ضد المقاومة. وقد ينطوي عليها تغييرات في تدريب القوات البرية والجوية حتى يعملوا معا بشكل أوثق.

وعلى المستوى التكنولوجي، تقوم الخطة على نشر موارد قيادة وتحكم أكثر فعالية، مما يسمح بعمليات سريعة وحاسمة. لم يتم نشر وحدة الأشباح، التي تسمى أحيانا "الوحدة متعددة الأبعاد"، في ساحة المعركة؛ لكن مشاركتها في العديد من التدريبات أظهرت قدراتها للوفود العسكرية للشركاء الأجانب. في أكتوبر/تشرين الأول 2020، حاكى رمز تمرين أطلق عليه اسم "السهم المميت" الصراع على جبهات متعددة، وشمل جميع أذرع الجيش التي نفذت ضربات منسقة، وتميز بدعم جوي. ونظرا لطبيعتها التجريبية، لا يوجد وضوح حتى الآن حول كيفية تكرار "وحدة الأشباح" عبر هيكل الجيش الإسرائيلي. وفي الوقت الحالي، من المخطط دمجها مع فرقة المظليين 98، قوة الكوماندوز الرئيسية في الجيش الإسرائيلي.

العقبات السياسية والمالية

هناك من يرى مفهوم النصر الحاسم ثورة عسكرية حقيقية لمواجهة التهديدات المتطورة التي تواجهها إسرائيل. ولقد تبنت ذلك الحكومات المتعاقبة لأن ادعاء النصر يتناسب مع خطابها السياسي.

وفي المقابل، فإن خبراء آخرين يشككون في مفهوم النصر الحاسم. واعتبروه "حيلة علاقات عامة، لا أكثر. لأنه يستغرق سنوات، إن لم يكن عقودا، لتنفيذ هذا النوع من الإصلاحات"، أو "دعاية تسويقية أكثر من كونها مفهوما حقيقيا للعمليات"، أو "خطاب سياسي ليس له صلة مباشرة بساحة المعركة". ولذلك، فإن تسيس المفهوم يمكن أن يكون عقبة أمام تنفيذ الإصلاح العسكري.

كما واجه النصر الحاسم تحديات مالية. فقد انخفض الإنفاق الدفاعي الإسرائيلي بنسبة 5.6% بين عامي 2021 و 2022. ومن المهم أن نلاحظ أنه على مدى العقدين الماضيين، لم يتم بنجاح تنفيذ سوى خطتين من خطط الجيش الإسرائيلي لمدة أربع سنوات.

التحديات التشغيلية

هناك تحديات تشغيلية يواجهها الجيش لتحقيق نصر حاسم. ففي سيناريو التصعيد، هل بإمكان الجيش نشر قواته على عدة جبهات؟ وعنصر المفاجأة هو بيد العدو، نظرا لأن مقاتلي حماس وحزب الله وصواريخهم متمركزة مسبقا على الحدود. وبالتالي، سيكون تنفيذ النصر الحاسم أمرا صعبا.

ويعكس مفهوم "النصر الحاسم" فكرة أنه يمكن هزيمة العدو إذا تم تدمير قدراته بقوة نيران هائلة في الساعات الأولى من الصراع. ولقد مكنت تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الجديدة الجيش الإسرائيلي من زيادة تغطيته لأهداف العدو.  ففي 2022، قُتل في أول يوم من عملية "بزوغ الفجر" اثنان من أهم قادة حركة الجهاد مما أدى إلى قطع رأس قيادتها، وكشفت عن تنسيق قوي بين جهاز الأمن والجيش الإسرائيليين.

إسرائيل لديها جيش مدجج بأحدث وأعتى أنواع الأسلحة؛ لكن قادته يقودونه بغبائهم من هزيمة إلى أخرى. وهذا هو ما سيكون مصير هذه الحرب. وستفشل استراتيجية النصر الحاسم، كما فشلت استراتيجية جز العشب من قبل، وذلك لأسباب منثورة في ثنايا الدراسة التي عرضناها أعلاه.
لتحقيق نصر سريع وحاسم، فلا بد من وجود تقييم استخباراتي شامل لقدرات العدو. ولا تزال إسرائيل تكافح من أجل جمع بيانات شاملة عن المقاومة، مثل مواقع قاذفات الصواريخ أو أنفاق غزة. وبالتالي، فإن القدرة على إحداث الخراب الذي تصوره "النصر الحاسم" موضع شك.

مصدر قلق آخر هو أن الإصلاح طبقا لتجربة وحدة الأشباح يمكن أن يكون مهما لفعالية الوحدات الصغيرة، إلا أنه يتطلب درجة من التشغيل البيني بين القوات البرية والجوية والسيبرانية يصعب تحقيقها. فهذه العملية قد تستغرق سنوات، إن لم يكن جيلا كاملا، للوصول إلى مستوى فعال من النضج. كما تتطلب فعالية الوحدة كهيكل لا مركزي للقيادة والسيطرة للسماح لها باتخاذ قرارات استراتيجية. وهذا له تداعياته على المستويين العسكري والسياسي، ويتطلب تغييرات كبيرة في الطريقة التي يتم بها تدريب القوات على القتال وأخذ زمام المبادرة، مما قد يؤدي إلى عواقب سياسية غير مقصودة، ومثال ذلك أن يختار قائد ميداني تدمير مبنى لتعطيل حماس دون اعتبار للاحتجاج الذي سيواجهه السياسيون إذا تم الإبلاغ عن وقوع إصابات بين المدنيين.

عدم السيطرة على التصعيد العسكري

إن البعد الأكثر خطورة في النصر الحاسم هو أنه يفترض أن الجيش هو من يحدد متى تبدأ العملية ومتى تنتهي. وهذا الافتراض لا يضع في حساباته العدو. ففي كل الحروب الماضية مع حماس، كان الجيش يبدأ العملية ردا على هجوم حماس، ثم ينهيها دون نتائج واضحة في ساحة المعركة.

التداخل بين السياسي والعسكري

لبناء ائتلافه، أنشأ نتنياهو منصبا فريدا ل"سموتريتش" كوزير خاص في وزارة الدفاع مسؤول عن الاستيطان، ومن صلاحياته تعيين ضباط يقودون مكتب منسق أعمال الحكومة بالضفة، مما أدى إلى ارتباك حول سلسلة القيادة والتداخل الوظيفي بين سموتريتش وقيادة الجيش، وخطر تسييس ترشيح الجنرالات، مما قد يؤدي إلى التقسيم الفعلي للجيش إلى كيانين مختلفين: أحدهما يستجيب لسلسلة القيادة التقليدية، والآخر يخدم أجندة سموتريتش في الضفة.

تطرف وتوتر المناخ السياسي

بعد انتخابات 2022، حصل إيتمار بن غفير، زعيم حزب "القوة اليهودية" اليميني المتطرف ، على وزارة الأمن القومي التي تشرف على الشرطة. ذهب بن غفير في أيامه الأولى إلى المسجد الأقصى في تحد للوضع الراهن في الأقصى والضفة والقدس. ثم قرر مجلس الوزراء الأمني إضفاء الشرعية على تسع بؤر استيطانية، مما يحرض المقاومة على الرد بعنف. وفي تلك البيئة السياسية المتوترة، قد يصبح اعتماد استراتيجية عسكرية طموحة جديدة أمرا ثانويا.

الخلاصة

إن جهود إسرائيل لإصلاح استراتيجيتها العسكرية ردا على تهديد المقاومة، يسلط الضوء على تطور المنافسة الاستراتيجية في الشرق الأوسط، ويوفر لمحة عن طبيعة المواجهة المستقبلية. ومع ذلك، فلا يمكن التنبؤ بالشكل الدقيق للحرب المقبلة:

ـ توفر الصواريخ والمُسّيرات الطريقة الأكثر فعالية للمقاومة. وسيكون ظهور صواريخ موجهة بدقة لديها عواقب وخيمة، ويعقد من قدرة إسرائيل على ضمان سلامتها.

ـ مدى قدرة الجيش الإسرائيلي على إنهاء الصراع بشروطه الخاصة، ومنع التصعيد الإقليمي. ومدى كفاية استعداداته لحروب محدودة قصيرة المدة تنطوي على القوة النارية الهائلة والمناورة. وهذا التوجه له آثار كبيرة. إنه يشكك في الاعتماد على الوسائل التقليدية مثل الدبابات الثقيلة. كما يتطلب تقييما أوسع لهيكل القوة، ويضع أسئلة أساسية حول التدريب والمشتريات.

تعليق.. هل ينجح حمير إسرائيل؟

في حرب الرصاص المصهور 2008 ـ 2009، كتب الخبير العسكري الأمريكي أنتوني كوردسمان مقالا على موقع مركز  الدراسات الاستراتيجية والدولية، عنوانه: "نصر تكتيكي وهزيمة استراتيجية"، شبه فيه الجيش الإسرائيلي بالجيش البريطاني في الحرب العالمية الأولى: "أسود تقودها حمير"، فإسرائيل لديها جيش مدجج بأحدث وأعتى أنواع الأسلحة؛ لكن قادته يقودونه بغبائهم من هزيمة إلى أخرى. وهذا هو ما سيكون مصير هذه الحرب. وستفشل استراتيجية النصر الحاسم، كما فشلت استراتيجية جز العشب من قبل، وذلك لأسباب منثورة في ثنايا الدراسة التي عرضناها أعلاه.