ملفات وتقارير

لماذا غابت خطوط السيسي الحمراء عن دعم قطاع غزة وحماس؟

أعلن السيسي عن خطوط حمر سابقا في ملف ليبيا وبمواجهة إثيوبيا- الأناضول
لم يترك رئيس النظام المصري عبدالفتاح السيسي مناسبة إلا وأكد على أهمية الأمن القومي المصري، وعن وقوفه وجيش مصر ضد أي خطر داخلي أو خارجي يهدد هذا الأمن، معلنا أن أي مساس بحدود بلاده أو الاعتداء على أراضيها يمثل "خطا أحمر".

ومؤخرا ومع استمرار جرائم الاحتلال الإسرائيلي بحق أهالي غزة لنحو شهر ونصف، طالب سياسيون مصريون السيسي بإعلان خطه الأحمر  بشأن قطاع غزة، وحدود مصر الشرقية المهددة مع حرب الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل، ومحاولات تهجير أهالي غزة لسيناء، منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.

"دعوة صباحي"
ومساء الأربعاء، طالب السياسي المصري حمدين صباحي، الجيش المصري بإعلان غزة "خطا أحمر"، كما فعلها السيسي مع مدينة سرت الليبية، في حزيران/ يونيو 2020.

صباحي، وفي كلمته بمقر الحركة المدنية الديمقراطية، (معارضة)، قال إن الدفاع عن غزة "دفاع عن مصر وأمنها القومي"، مؤكدا أن ما يجرى على حدود مصر الشرقية أخطر مما جرى على حدودها الغربية في ليبيا، مضيفا أنه يجب على جيش مصر إعلان غزة كـ"خط أحمر" كما فعلها سابقا مع مدينة سرت شمال شرق ليبيا.

"خط (سرت- الجفرة)"
وأعلن السيسي عن خطوط حمراء بملف ليبيا، وبمواجهة إثيوبيا بملف مياه النيل، كما أكد أن أمن مصر القومي وحدودها الشرقية خط أحمر، لكنه -وفق مراقبين- لم يتحرك فعليا إلا بملف ليبيا، وبمواجهة حكومة "الوفاق" في طرابلس المدعومة من تركيا.

وفي منتصف العام 2020، قال السيسي إن تجاوز مدينة سرت وقاعدة الجفرة الجوية الليبية "خط أحمر" لبلاده "وأمنها القومي"، معلنا دعمه قوات قائد الانقلاب الليبي خليفة حفتر، بمواجهة قوات حكومة الوفاق الليبية المعترف بها دوليا.

السيسي، هدد حينها بالتدخل العسكري في ليبيا مدعوما من الإمارات، وذلك بمواجهة الحضور التركي مع حكومة الوفاق، معلنا أن "أي تدخل مصري في ليبيا تتوفر له الشرعية الدولية"، فيما أعلن استعداده تدريب القبائل الليبية ودعمها بالسلاح.



وهو ما سبقه في أيار/ مايو 2017، توجيه القوات الجوية المصرية 6 ضربات ضد معسكرات "مجلس شورى مجاهدي درنة" بمدينة درنة الليبية، وذلك إثر هجوم مسلح على حافلة لمسيحيين مصريين بالصعيد.

"خط إثيوبيا"
وفي أزمة مياه النيل التي تتعدى مخاطرها مفهوم الأمن القومي التهديد الوجودي لأكثر من 105 ملايين مصري، أعلن السيسي في آذار/ مارس 2021، أنه "لا يستطيع أحد المساس بحق مصر في مياه النيل"، مؤكدا أنه "خط أحمر"، وتبعاته تضر باستقرار المنطقة بكاملها.

ولكن السيسي، بنفس اللقاء، بدا متراجعا عن اتخاذ خطوات فعلية، حيث قال إنه "لا يهدد أحدا"، موضحا أن "العمل العدائي أمر قبيح، وله تأثيرات طويلة"، معلنا رغبته في "التفاوض"، ما دفع مراقبين لاعتبار تصريحاته محاولة لامتصاص الغضب الداخلي فقط.



وبنت إثيوبيا سدا على النيل الأزرق المورد الدائم لمياه النيل التي تعتمد عليها مصر بنسبة 97 بالمئة، ما يهدد حصتها السنوية البالغة 55 مليار متر مكعب، فيما فشلت طوال 10 سنوات مفاوضات ثلاثية تضم السودان، لوقف عمليات ملء حوض السد دون اتفاق، فيما غاب تحرك السيسي، تنفيذا لخطه الأحمر، وفقا لمراقبين.

رئيس حزب "الخضر" المصري محمد عوض، كتب الجمعة: "10 سنوات، رفعنا فيها خطا أخضر وأزرق وأحمر، وبعدين، السد اتبنى واتملى كمان"، مؤكدا أننا "كنا متسجدين"، في إشارة لخداع النظام للشعب المصري.



"خط السودان"
ومع تفجر الصراع على حدود مصر الجنوبية بين الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو في نيسان/ أبريل الماضي، نشرت قوات الدعم السريع مقطعا مصورا، لقوات مصرية "تسلم نفسها" لها في قاعدة مروي.

كما نشرت وكالة "رويترز"، حينها أن قوات الدعم السريع استولت على عدة طائرات مقاتلة تابعة للقوات الجوية المصرية واحتجزت طياريها، إلى جانب أسلحة ومركبات عسكرية سودانية.

وهو ما استدعى انتقادات مراقبين، للسيسي، محملينه مسؤولية التدخل العسكري بين الفرقاء بالسودان، كما تدخل سابقا في ليبيا، مؤكدين أن دعم طرف بأي صراع يهدد الأمن القومي المصري، لا يحميه.

"خط سيناء وغزة"
الخط الأحمر كان حاضرا أيضا بحديث السيسي، عن ملف غزة، وما يثار عن خطط إسرائيل بتوطين الغزيين بسيناء.

وفي 15 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، ترأس السيسي، اجتماعا لمجلس الأمن القومي، لبحث تطورات الأوضاع الإقليمية، خاصة التصعيد العسكري في قطاع غزة، وأكد أن "أمن مصر القومي خط أحمر" ولا تهاون بحمايته.



بل إنه، وفي 18 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، أعلنت القوى السياسية والحزبية تفويض السيسي، بأي قرار يتخذه لحماية أمن مصر القومي، والوقوف بوجه المخططات الإسرائيلية.

لكن ومع إعلان السيسي، خطه الأحمر بشأن حدود مصر الشرقية إلا أن جيش الاحتلال الإسرائيلي استهدف الجانب المصري من منفذ رفح 4 مرات الشهر الماضي، بجانب منشآت عسكرية ومباني مدنية وعسكريين ومدنيين مصريين في رفع، مع وقوع انفجارين في نويبع وطابا بشبه الجزيرة المصرية، وفي 27 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.

ورغم تلك الاعتداءات المتتالية إلا أن الأذرع السياسية والإعلامية للنظام المصري، قللت من خطورتها، حيث قال رئيس لجنة الدفاع بمجلس النواب اللواء أحمد العوضي، لـ"روسيا اليوم"، إن مصر لن تقوم بأي رد عسكري إلا حال تعرض أمنها القومي لمخاطر خارجية.

"انقلاب بمفهوم الأمن"
وعن أسباب غياب خط السيسي الأحمر عن فلسطين وغزة وحماس، ومياه النيل وإثيوبيا، وحضوره مع سرت وحفتر، وعما يكشفه ذلك من تلاعب للسيسي بمقولة الأمن القومي، وكذلك حجم التناقض بالسياسة الخارجية، تحدث الناشط المصري المعارض يحيى موسى، لـ"عربي21".

وقال إن "مفهوم الأمن القومي عند السيسي، ينبغي التوقف عنده طويلا حيث يختلط حد التطابق مع مفهوم أمن النظام، حيث يؤمن بنظرية (الحلول والاتحاد) التي تعتنقها بعض الجماعات الصوفية المتطرفة".

وأضاف: "يرى السيسي أن مصر حلت به وتجسدت فيه، فأمنه الشخصي وبقائه بالحكم أمن لمصر وبقائها كوطن ودولة، وسبقه في ذلك حكام مستبدين على مر التاريخ فأوردوا أوطانهم المهالك".

وأكد أنه "على مر التاريخ كان التهديد البري لمصر من الشرق، بدءا من المغول والصليبيين وحتى الصهاينة، ولذا كانت سيناء أحد أهم مفاتيح الأمن القومي، الذي يبدأ لأي دولة من محيطها الخارجي ونطاقها الاستراتيجي، وبهذا تكون غزة خط الدفاع الأول عن حدود مصر الشرقية".

ويرى أن "بقاء العدو في حالة مشاغلة واستنزاف مستمر على أيدي المقاومة يمثل حماية لمصر كدولة، بغض النظر عن النظام الذي يحكمها، وكان حسني مبارك، (الرئيس الأسبق) يفهم هذه المعادلة، رغم بغضه لحماس، كفصيل منتمي ولو فكريا لخصومه ومنافسيه جماعة الإخوان المسلمين".

واستدرك بقوله: "لكن السيسي جاء بعقيدة جديدة فيما يخص تعريف الأمن القومي ودوائر الأعداء والأصدقاء؛ فأصبحت إسرائيل دولة صديقة، وصار العدو هو المعارضة، وكل من يعارض ولو الشعب كله".

موسى، أشار، إلى "هدم السيسي، أنفاق غزة المدني منها والعسكري، وفرض ضرائب باهظة على السلع المارة من المعبر لصالح شركة يملكها نجله محمود السيسي، ويشاركه بها إبراهيم العرجاني أمير الحرب في سيناء".

ويرى أن "سلوك السيسي، العدائي تجاه المقاومة والذي اتضح جليا بحرب 2014، ثم بواقعة اختطاف عناصر من الكوماندوز البحري التابع لحماس عام 2015، يوضح الانقلاب بمفهوم الأمن القومي".

وتحدث الناشط المعارض، عن تفريط السيسي، "بجزيرتي (تيران وصنافير) لتتحول من ممر مصري لممر دولي يحق لإسرائيل استخدامه، ودعم الانقسام والصراع المناطقي بليبيا لعداوته مع الثورة والإسلاميين هناك حتى تحولت ليبيا لساحة صراع بين القوى الكبرى على حدوده الغربية، واشترى مشروعية دولية بالتفريط في مياه النيل بتوقيع (اتفاقية المبادئ 2015)".

وقال إن "بعض التحليلات التي ترى هذه الخطوات أبعد من مجرد محاولات للبقاء والسيطرة على الحكم تبدو وجيهة، لعدة أسباب؛ فهي ترقى لأن تكون جرائم متعمدة لإضعاف مصر وإخضاعها".

وفي نهاية حديثه أشار موسى، إلى أن "تضييق السيسي على غزة في إدخال المساعدات جريمة متعمدة لا تتعلق بضغوط إسرائيل، وكل ما يروجونه عن عدم معارضة مصر فتح المعبر للاستهلاك الإعلامي، كذلك فإن منح الاتحاد الأوروبي مصر 10 مليارات دولار تأتي كمكافاة للنظام على دوره بالحرب، وكدفعة أولى تحفيزية لإتمام سيناريو تهجير أهل غزة، لسيناء".

"ينفذ إرادة هؤلاء"
وفي رؤيته، قال الكاتب والمحلل السياسي المصري مجدي الحداد: "عند الحديث عن خط السيسي الأحمر سرت الجفرة، لنتساءل: طالما هو بهذه القوة والثقة، لماذا استعان بدءا من تموز/ يوليو 2015، بقوة فرنسية لمراقبة حدود مصر الغربية مع ليبيا؟، والتي نتج عنها ما يعُرف بفضيحة (العملية سيرلي)، وقتل 40 ألف مصري، وفقا للناطق الرسمي باسم رئيس الجمهورية، والصحافة الفرنسية".

وفي حديثه لـ"عربي21"، تساءل الحداد: "وماذا عن النيل، وتيران وصنافير، وثرواتنا بالمتوسط؟، وماذا عن إعادة ترسيم حدودنا البحرية مع إسرائيل وقبرص واليونان، وبما يقلص مياهنا الإقليمية وما تحويه من كنوز وثروات طبيعية؟".

وأكد أن "احتياطي حقل غاز واحد فقط بالمنطقة المتنازل عنها، وليس المتنازع عليها قُدر بـ200 مليار دولار، أي أكثر ما حصلت عليه مصر من معونة أمريكية، منذ (كامب ديفيد 1978)، عدة مرات، بحسب خبراء اقتصاد أوربيين"، متسائلا: "فهل ما سبق لم يكن أمن قومي وكان أقل أهمية من سرت؟".

وخلص للقول إن "السيسي يعبر عن إرادة القوى الاستعمارية، والقوى المهيمنة على النظام العالمي الجديد، والذي دُشن منذ عهد جورج بوش الابن، وهذا ما يمنح السيسي، القوة والمنعة بمواجهة شعبه ويواصل التهديد والوعيد، وعدم الرجوع للشعب في القرارات الخطيرة، حتى أن (اتفاقية المبادئ 2015) لم تعرض للآن على البرلمان".

"سر التناقض الفاضح"
وقال إن "ما سبق مدخل مناسب يكشف سر التناقض الفاضح بين الخط السياسي الرسمي للنظام، أو للسيسي، وبين الشارع السياسي، ومطالب ورغبات وأمنيات الشعب بالنسبة لأهالي غزة، من جهة فتح معبر رفح، وإدخال كافة المساعدات الملحة".

وأضاف :سنصل لنفس النتيجة، عندما نجد أن السيسي شارك بكل وحشية في حصار غزة المضروب على القطاع منذ 2007، ما دفعهم لخيار الأنفاق التي تغافل عنها حسني مبارك ومخابراته قيادة الراحل عمر سليمان، ما يُحسب تاريخيا لهما بحق".

وأكد أن "ما فعله السيسي، بالأنفاق معروف، وإقامة سور عازل مراقب بكاميرات، ومنطقة عازلة Buffer Zone، وهدم رفح المصرية، والتهجير القسري لأهالي سيناء بالعريش ورفح والشيخ زويد، وتجفيف الزراعة، واقتلاع الأشجار، وغيرها من سياسات يمارسها الاحتلال بالضفة الغربية وقطاع غزة".

ويرى الكاتب المصري، أن "ما أُعلن من دعم أوربي بقيمة 10 مليار دولار لمصر، يثير التساؤلات خاصة وأن من أوجه صرف المبلغ تقليل التداعيات المتزايدة على مصر من الصراع بين إسرائيل وحماس"، متسائلا: فهل نفهم من الفقرة الأخيرة ما كان مخططا له بالتهجير القسري لأهالي غزة نحو سيناء، وأن هذا المبلغ يغطي مثلا تكلفة النزوح والإقامة؟".

الحداد خلص للقول إن "السيسي يعبر عن، وينفذ سياسات قوى استعمارية في مصر، والمنطقة، لذا فلا أعتقد أن غزة فقط هي المحتلة، وهي فقط التي تعاني ظلم وويلات الاحتلال، ولكن ما يميزها أن عدوها معروف، وأهدافه معلنة".