قضايا وآراء

في العلاقة بين الثورات المضادة ومشروع التطبيع

تدمير المسار الديمقراطي هو انتصار للتطبيع- عربي21
رغم أن المقايسة بين سورة "التوبة" و"طوفان الأقصى" قد تبدو ضربا من الإسقاط التاريخي، فإن "الطوفان" قد كشف لعموم الناس وجود براديغمات (نماذج تفسيرية) أو خرائط ذهنية كبرى تتحكم في حركة التاريخ وفي العلاقة بين أطرف الصراع فيه. وهو ما يغري بالمقايسة، بل يعطيها شرعية يصعب الطعن فيها، خاصةً عند أصحاب المرجعية الإسلامية التي استعادت الكثير من ألَقِها بحكم خلفية مكونات المقاومة العابرة للطائفية (حماس، الجهاد الإسلامي، حزب الله، الحوثي).

فإذا كان من أسماء "التوبة" أنها "المُخزية" و"الفاضحة" و"المُنكّلة" و"المُبعثرة"، فإن تلك الأسماء تنطبق على "طوفان الأقصى" وكأنها قد تنزّلت فيه. فإذا كان الطوفان -برمزيته القرآنية المعروفة- هو لحظة بدء جديد للتاريخ الإنساني في السردية الدينية، فإن عملية "طوفان الأقصى" قد جاءت تطرح نفسها لحظةَ استئناف لمشروع التحرر من الاستعمار اليهو- مسيحي في شكله "الإحلالي"، أي لحظةَ قطيعة بين زمنين: زمن التطبيع والتذلل واتفاقيات السلام المخزية، وزمن المقاومة والعزة ومشروع استعادة الأرض بالقوة التي لا تنفصل عن مدد السماء (أي عن العقيدة).

ما يعنينا هنا هو البحث في علاقة بين مشروع "الثورات المضادة" ومشروع "التطبيع" باعتبارهما مشروعا واحدا لا ينفصل عن خدمة الإمبريالية في طورها المتصهين

بحكم الرهانات غير المسبوقة التي وضعت فيها "طوفان الأقصى" الكيانَ الصهيوني، كان من الطبيعي أن تُمثّل لحظة فرز أو مفاصلة جذرية بين جملة من الخطابات الرسمية وغير الرسمية التي كادت تتماثل فيما سبق. فإذا كان ابن خلدون قد قال إن "الناس في السكينة سواء، فإذا جاءت المحن تباينوا"، فإن طوفان الأقصى قد جعلت "المتصهينين" الذين برروا التطبيع بمصلحة الفلسطينيين واشترطوه "نظريا" بحل الدولتين يخرجون من سكينتهم الموهومة (بحكم إيمانهم بالتفوق الصهيوني)، وجعلتهم يعيشون حرجا كبيرا أمام عموم العرب والمسلمين وغيرهم.

فـ"المحنة" الآن لم تعد محنة الفلسطينيين الذين لا يأبهون بهم إلا في بياناتهم الكاذبة، بل انتقلت المحنة إلى الصهاينة ورعاتهم في الغرب الصهيو-مسيحي. وهو ما أسقط "منطقة الأمان" (تأييد خطابي لحل الدولتين وقبول واقعي بـ"الدولة اليهودية" وبصفقة القرن)، تلك المنطقة التي كانت تسمح بتوظيف المفاهيم "الضبابية" التي لا قيمة لها خارج وظيفتها النحوية (مثل الشرعية الدولية وحل الدولتين والأرض مقابل السلام وغيرها) لتثبيت الأمر الواقع والدفع به إلى نهاياته الكارثية: تهجير الفلسطينيين والتعامل مع الكيان الصهيوني باعتباره كما قال كبيرُ سلطة التنسيق الأمني الفلسطينية؛ كيانا وُجد ليبقى.

ليس يعنينا في هذا المقال أن نتتبع مواقف الأنظمة العربية من طوفان الأقصى، فهي مواقف معروفة ولا يمكن لأي شخص منصف أن يخطئ في توصيفها؛ من جهة علاقتها بطوفان الأقصى أو بخيار التطبيع الذي هدّد الطوفان بنسفه وبإسقاط سرديته، وبالتالي تهديد شرعية الأنظمة التي تروّج له. فما يعنينا هنا هو البحث في علاقة بين مشروع "الثورات المضادة" ومشروع "التطبيع" باعتبارهما مشروعا واحدا لا ينفصل عن خدمة الإمبريالية في طورها المتصهين.

فنحن -استئنافا للينين- لا ننكر أن "الإمبريالية هي أعلى مراحل الرأسمالية"، ولكننا نعتبر أن الإمبريالية ليست مرحلة واحدة، بل هي على الأقل -أي إلى حدود زمننا هذا- لحظتان؛ فالإمبريالية قد وصلت من بعد لينين إلى مرحلتها الصهيونية بنواتها اليهو-مسيحية وبأذيالها من العرب والمسلمين وغيرهم. وهي مرحلة كانت تدخل في إطار "ما يستحيل التفكير فيه" زمن لينين، أي قبل الحرب العالمية الثانية وظهور سردية "الهولوكست" وتأسيس الكيان وهيمنة اللوبيات الصهيونية على العالم -ماليا وفكريا وإعلاميا- وتصهين أغلب الأنظمة العربية كما هو واقع الآن.

مهما كان موقفنا من مسارات الثورات العربية ومآلاتها الكارثية (انقلابات عسكرية- مصر، أو ناعمة- المغرب وتونس، حروب داخلية- سوريا، اليمن، ليبيا)، فإن المؤكد هو أن محورا إقليميا معروفا (بقيادة السعودية والإمارات) قد لعب دورا مركزيا في إفشال تجارب الانتقال الديمقراطي وإفساد أي مشروع وطني للتحرر من الاستعمار الداخلي (استعمار المؤسسات العسكرية أو اللوبيات الطائفية أو الجهوية أو الأيديولوجية الملحقة وظيفيا بالغرب)، باعتبار ذلك الاستعمار هو الوكيل المحلي للاستعمار الخارجي في مرحلته غير المباشرة

قبل طوفان الأقصى حصل طوفان آخر سمّاه الناس بـ"الثورات العربية" أو "الربيع العربي"، وهو طوفان هزّ عروش وسرديات ورموز ومنظومات استعمار داخلي ذات شرعيات/ مشروعيات زائفة. ومهما كان موقفنا من مسارات الثورات العربية ومآلاتها الكارثية (انقلابات عسكرية- مصر، أو ناعمة- المغرب وتونس، حروب داخلية- سوريا، اليمن، ليبيا)، فإن المؤكد هو أن محورا إقليميا معروفا (بقيادة السعودية والإمارات) قد لعب دورا مركزيا في إفشال تجارب الانتقال الديمقراطي وإفساد أي مشروع وطني للتحرر من الاستعمار الداخلي (استعمار المؤسسات العسكرية أو اللوبيات الطائفية أو الجهوية أو الأيديولوجية الملحقة وظيفيا بالغرب)، باعتبار ذلك الاستعمار هو الوكيل المحلي للاستعمار الخارجي في مرحلته غير المباشرة.

فمن الصعب -إن لم يكن من المحال- إنكار دور محور الثورات المضادة في تمويل المشاريع الانقلابية وفي إفساد الثورات بالوقوف وراء المجاميع الإرهابية في شكليها المسلّح العنيف (التنظيمات التكفيرية)؛ وفي شكلها المدني المروج للعنف الرمزي ولخطابات البغضاء والحث على التقاتل بين الأهالي (الأحزاب الانقلابية وأذرعها الإعلامية والمدنية والنقابية وغيرها).

لقد حرص محور الثورات المضادة على إظهار تدخلاته في الشؤون الداخلية لدول الثورات العربية باعتبارها نصرة للديمقراطية ودفاعا عن "النمط المجتمعي" المهدد من لدن "الظلاميين" و"المتطرفين" و"الإرهابيين"، بمن فيهم أولئك الإسلاميون (خاصة الإخوان) رغم قبول هؤلاء (في مصر وتونس والمغرب مثلا) بالاحتكام للإرادة الشعبية وانتقالهم من منطق البديل المطلق إلى منطق الشريك للنخب العلمانية.

لقد كان "الإخوان" هم العدو المشترك بين محور الثورات المضادة (وهو نفسه محور التطبيع)؛ وبين النخب الوظيفية من أصحاب "القضايا الصغرى" (الامتيازات المادية والوجاهة الاجتماعية) المتدثرة بمفاهيم "القضايا الكبرى" (مقاومة الصهيونية، التحرير الوطني، العدالة الاجتماعية، التحديث، حقوق الإنسان الفردية والجماعية.. الخ). ولكنّ الإخوان لم يكونوا فقط أعداء السعودية الوهابية (بحكم تهديد الإخوان للسردية الوهابية القائلة بـ"الاستثناء الإسلامي"، أي باستحالة التوفيق بين الإسلام والديمقراطية)، ولا أعداء الإمارات فحسب (وهي الرافضة لأي ديمقراطية قد تفسد صفقاتها الاقتصادية المشبوهة مع الأنظمة الاستبدادية)، ولا أعداء النخب العربية الوظيفية دون غيرها (وهي النخب المهددة في مصالحها وامتيازاتها المرتبطة بالأنظمة الفاسدة)، بل كان الإخوان هم العدو الوجودي لطرف أهم منهم جميعا في المستوى الإقليمي والدولي: الكيان الصهيوني.

عندما دافع أغلب "الديمقراطيين العرب" (بمختلف مرجعياتهم الأيديولوجية اليسارية والقومية والليبرالية) عن الانقلاب العسكري المصري، وعندما دمّروا تجربة التعايش السلمي بين الإسلاميين والعلمانيين وباركوا تصنيف الإخوان حركة إرهابية في مصر ونادى بعضهم بتعميم ذلك التصنيف عربيا، فإنهم -بقصد أو دون قصد- كانوا يُقدّمون خدمة عظيمة للكيان ورعاته الغربيين.

فتدمير المسار الديمقراطي لم يكن يعني واقعيا إلا عودة المنظومات القديمة للحكم وإن بوجوه وشرعيات مستأنفة، ولم يكن يعني كذلك إلا انتصار منطق التطبيع. فمنظومات الاستعمار الداخلي لا تمتلك خيارا غيره بحكم هشاشة شرعيتها وخواء إنجازاتها، ولكنّ العقل السياسي للنخب "الديمقراطية" لم يكن معنيا بالتفكير في هذه الوقائع، فكل ما يعنيه هو التخلص من غريم سياسي بصرف النظر عن كلفة ذلك محليا وإقليميا. كما لم يكن ذلك العقل معنيا بالتساؤل عن الرهانات الحقيقية لمحور الثورات المضادة، رغم معرفته بعلاقاته الاستراتيجية بالكيان الصهيوني.

تدمير المسار الديمقراطي لم يكن يعني واقعيا إلا عودة المنظومات القديمة للحكم وإن بوجوه وشرعيات مستأنفة، ولم يكن يعني كذلك إلا انتصار منطق التطبيع. فمنظومات الاستعمار الداخلي لا تمتلك خيارا غيره بحكم هشاشة شرعيتها وخواء إنجازاتها

إن غلبة منطق التناقض الرئيس (مع الإسلاميين، خاصة الإخوان المسلمين) والتناقض الثانوي (مع الأنظمة البرجوازية اللا وطنية)، مسنودا بمنطق الاستئصال الصلب (تحويل الإسلاميين إلى ملف أمني- قضائي) أو الاستئصال الناعم (تهميش الإسلاميين والدفع بهم خارج دوائر اتخاذ القرار أو فرض هوة بين التمثيل الشعبي والتمثيل في السلطة)، كل ذلك يجعل من "الديمقراطيين العرب" حلفاء موضوعيين للمشروع الصهيوني وقاطرته في محور التطبيع العربي. فما قام به محور الثورات المضادة لم يكن في جوهره دفاعا عن الديمقراطية ولا عن حقوق الإنسان ولا عن المرأة ولا عن أي "صنم" من أصنام الحداثة المزعومة، بل كان دفاعا عن "الإنسان الأعلى" في زمن الإمبريالية المتصهينة، وتمهيدا لفرض التطبيع على جميع الأنظمة العربية.

لقد جاءت "طوفان الأقصى" لتثبت لكل ذي بصر وبصيرة أن "الإنسان" الأوحد الذي يعني محور الثورات المضادة (محور التطبيع) هو الإنسان الصهيوني أو المتصهين (نظام التنسيق الأمني الفلسطيني)، أما الإنسان "المقاوم" فهو "حيوان بشري" (كما قال وزير دفاع الكيان) سواء أكان في فلسطين أو في غيرها.

فهل يعتبر "الديمقراطي" العربي نفسه كائنا مقاوما؟ وإذا كان يتمثل نفسه على تلك الشاكلة، فكيف يمكن أن يفسّر عجزه إلى لحظة كتابة هذا المقال عن القيام بأية مراجعات أو نقد جذري لجهازه المفهومي ولعلاقته بمحور الثورات المضادة؛ حتى بعد أن تبين له أنه محور "متصهين" من جهة الرهانات والغايات القصوى، وبعد أن تبين له أن التعامد الوظيفي بينه وبين محور الثورات المضادة لم يكن لفائدة المشروع الديمقراطي ولا لمصلحة الإنسان العربي، بل لمصلحة اليهودي ومشروعه "الإحلالي" في المرحلة الصهيونية من الإمبريالية؟

twitter.com/adel_arabi21