صحافة دولية

كيف تسببت الاضطرابات في البحر الأحمر في صدمات اقتصادية على نطاق واسع؟

لم تنجح الضربات الانتقامية الأمريكية في إيقاف هجمات الحوثيين - أرشيفية
نشر موقع "بلومبيرغ" تقريرًا، سلط فيه الضوء على تأثير هجمات الحوثيين على الاقتصاد العالمي، على غرار التسبب في تعطيل حركة النفط والشحن العالمية، ما زاد من توترات الأسواق العالمية.

وقال الموقع، في هذا التقرير الذي ترجمته "عربي21"، إن الهجمات التي شنّها الحوثيون على مدار شهرين في البحر الأحمر تسببت في أكبر تحويل للتجارة الدولية منذ عقود، ما أدى إلى ارتفاع التكاليف بالنسبة لشركات الشحن في آسيا وأمريكا الشمالية، وزاد المخاوف من حدوث تداعيات اقتصادية أوسع نطاقا.

لم تنجح الجولات المتكررة من الضربات الانتقامية من قبل الولايات المتحدة وحلفائها، فضلاً عن العملية البحرية، في إيقاف هجمات الحوثيين التي بدأت عقب الحرب بين إسرائيل وحماس. ومع مطالبة البحارة بأجور مضاعفة وارتفاع أسعار التأمين بشكل كبير، تبتعد خطوط الشحن عن الممر المائي الذي ينقل عادة 12 بالمئة من التجارة البحرية العالمية.



وأشار الموقع إلى أن أكثر من 500 سفينة حاويات كانت ستبحر عبر البحر الأحمر، حاملة كل شيء، من الملابس والألعاب إلى قطع غيار السيارات، تضيف الآن أسبوعين إلى مساراتها للسفر حول رأس الرجاء الصالح في الطرف الجنوبي لأفريقيا، وذلك وفقًا لشركة فليكسبورت. ويمثل هذا حوالي ربع إجمالي سعة شحن الحاويات في العالم، وفقًا لمنصة الخدمات اللوجستية الرقمية.

وحسب فنسنت إياكوبيلا، خبير الخدمات اللوجستية في شركة "ألبا ويلز أب"، فإن هذه الزيادة في التكاليف بهذه السرعة لم تحدث منذ الأزمة الأخيرة للوباء. ووفقا لشركة فريتوس لحجز البضائع، ارتفعت تكلفة شحن حاويات الشحن من الصين إلى البحر الأبيض المتوسط بأكثر من أربعة أضعاف منذ أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر.

وذكر الموقع أن خطوط شحن البضائع والنفط أعلنت أنها تنتظر استمرار الاضطرابات لعدة أشهر، مع حجز السفن للطريق الأطول حتى فصل الصيف، وهذا يعني أن زيادة مخزون كل شركة شحن في أثناء النقل واحتياجها إلى المزيد في حالة ندرة الحاويات، وبالفعل فإن المصانع التي تصنع حاويات الشحن تعمل بكامل طاقتها، وذلك حسب موقع "كونتينر إكستشينج". 

وأكد الموقع أن العملاء يحاولون التكيف. أعلنت كل من شركة فولفو وتسلا عن تعليق الإنتاج في مصانعها في أوروبا، بسبب عدم القدرة على الحصول على المكونات من الموردين في آسيا. وأشارت شركات التجزئة البريطانية مثل تيسكو إلى مخاطر ارتفاع التكاليف، كما حذرت شركة ميرسك، ثاني أكبر شركة نقل للحاويات، من أن الاضطرابات ستستمر لبضعة أشهر على الأقل، ورغم عدم تأثر العديد من الشركات حتى الآن، فإنه كلما طال أمد الاضطرابات، زاد التأثير الاقتصادي.

وقد أظهرت إحصائية اقتصادية في المملكة المتحدة صدرت يوم الأربعاء، أن "تقارير واسعة النطاق عن ارتفاع تكاليف الشحن" ساعدت في دفع التضخم في قطاع التصنيع إلى أعلى مستوى منذ آذار/ مارس، فيما تؤجل قطر بعض شحنات الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا؛ بسبب فرض الأزمة فترات سفر أطول.

مخاطر يُستهان بها

نقل الموقع عن ألكسيس كرو، المتخصص في الجغرافيا السياسية والاستثمار طويل الأجل في شركة برايس ووترهاوس كوبرز، أن العديد من المديرين التنفيذيين والمستثمرين يقللون باستمرار من احتمال ظهور هذا الخطر، وربما يستند هذا إلى افتراض مضلل مفاده أن الصراع بين إسرائيل وحماس لا يزال تحت السيطرة



ورغم وجود القليل من الدلائل على أن التكاليف المرتفعة ستزيد من التضخم على نطاق أوسع حتى الآن، إلا أن محافظي البنوك المركزية يحذرون بالفعل من مخاطر ذلك. أشارت كريستين لاغارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، إلى "عودة اختناقات العرض" باعتبارها واحدة من عوامل الخطر الأربعة الرئيسية التي تراقبها.

وأشار الموقع إلى أن ارتفاع أسعار النفط سيكون خطرًا آخر على التضخم إذا أدى الصراع إلى تعطيل الإمدادات. وحسب سعد رحيم، كبير الاقتصاديين في مجموعة ترافيجورا، فإننا محظوظون لأننا لم نر ناقلة نفط تتعرض للهجوم حتى الآن. 

ووفقًا لبلومبرغ إيكونوميكس، فإن المخاطر الصعودية الناجمة عن تكاليف الشحن يمكن أن توفر للبنوك المركزية سببًا آخر لتأخير تخفيضات أسعار الفائدة. ويتوقع الاقتصاديون في جيه بي مورغان تشيس زيادة بنسبة 0.7 نقطة مئوية في تضخم السلع العالمية خلال النصف الأول من هذا العام إذا استمرت أزمة الشحن.

ارتفاع التكاليف

حسب راينر غريل، المتحدث باسم شركة زيل أبيج، المتخصصة في تصنيع تكنولوجيا التهوية، فإن هناك شعورًا بارتفاع التكاليف بشكل أساسي، كما أن التأخيرات مؤلمة بشكل خاص للشحنات الفردية، مثل مكونات مصانع الإنتاج الجديدة التي في طريقها إلى آسيا.

ووفقًا لنيلز راسموسن، كبير محللي الشحن في مجموعة بيمكو التجارية، فإن تأثير أزمة البحر الأحمر أكثر حدة من تأثير السفينة إيفر جيفن الضخمة التي أغلقت قناة السويس لمدة أسبوع تقريبًا في سنة 2021، مؤكدًا أن الأزمة قد تنافس أزمة قناة السويس لسنة 1956، التي تركت القناة مغلقة لمدة خمسة أشهر.

وأوضح الموقع أن وكالة بلومبرغ إنتليجنس تقدر أن إعادة التوجيه تضيف حوالي 40 بالمائة إلى مسافة الرحلة، ما يعني التأخير وارتفاع التكاليف. يقدم الشحن الجوي بديلاً محدودًا، إذ قفز حجم الشحن بالطائرات من فيتنام إلى أوروبا بنسبة 62 بالمائة في الأسبوع المنتهي في 14 كانون الثاني/يناير، وفقًا لشركة زينيتا. وتتجه شركات نقل أخرى برًا عبر كازاخستان، متجاوزة روسيا لإيصال البضائع إلى أوروبا.

خسائر الولايات المتحدة

أكد الموقع أن هناك دلائل على أن التوترات قد تزداد سوءًا قبالة سواحل اليمن. اضطرت مؤخرًا سفينتا حاويات تابعتان لشركة ميرسك، تنقلان بضائع حكومية أمريكية إلى جنوب البحر الأحمر، إلى الدوران بعد أن اعترضت مرافقة بحرية هجمات الحوثيين القريبة. وفي الأسبوع الماضي، حذّر الرئيس جو بايدن من أن الإضرابات ستستمر في المستقبل المنظور، وقال البنتاغون إن الولايات المتحدة وحلفاءها ألحقوا أضرارا بأكثر من 25 منشأة صواريخ تابعة للحوثيين.



بدأت الجماعة هجماتها بعد أسابيع قليلة من هجوم حماس على إسرائيل في 7 تشرين الأول/أكتوبر، وحتى الآن، لم يتسبب الحوثيون في أضرار كبيرة، لكن شركات الشحن لا زالت تشعر بالفزع. وكانت معظم هجمات الحوثيين داخل باب المندب وحوله، وهو مضيق ضيق تمر عبره السفن لدخول البحر الأحمر قادمة من المحيط الهندي.

وأشار الموقع إلى أن الاهتمام العالمي هو الشيء الذي كان الحوثيون يتوقون إليه منذ سنوات. وحسب محمد البخيتي، عضو المجلس السياسي للحوثيين، فإنه لولا تصرفات الولايات المتحدة وحلفائها "لما أصبحوا قوة إقليمية ودولية"، وقد تعهد بأن الهجمات ستستمر طالما استمر الهجوم الإسرائيلي والحصار على غزة.

الدور الإيراني

أورد الموقع أن إيران تعتبر الحوثيين، إلى جانب حماس في غزة وحزب الله في لبنان، ضمن "محور المقاومة". وتشمل ترسانة الحوثيين صواريخ باليستية وصواريخ كروز، بعضها موروث من الحقبة السوفيتية وتم تحديثها بتكنولوجيا إيرانية، وفقًا لمحللين عسكريين.

ووفقًا لعدنان الجبرني، المتخصص اليمني في شؤون الجماعة المسلحة، فإن إيران تثق بالحوثيين كثيرًا، وتقدم لهم الدعم، لكنها تترك لهم هامشًا للتصرف بمفردهم. 

وأشار الموقع إلى أن إمدادات النفط والغاز لم تتأثر بشكل كبير حتى الآن، فقد أعلن الحوثيون أنهم لن يستهدفوا سفن شحنات النفط الروسية التي أصبح طريق البحر الأحمر ممرًا رئيسيًا لها بعد الحرب الأوكرانية، ولكن تم تحويل ناقلات نفط روسية أخرى مؤخرًا إلى المسار الأطول. كما أن معظم خام الشرق الأوسط المتجه إلى ساحل الخليج الأمريكي يدور بالفعل حول رأس الرجاء الصالح؛ لأنه يتم نقله في ناقلات كبيرة لا تستطيع عبور قناة السويس عندما تكون محملة بالكامل.

وأضاف الموقع أن الصين تجنبت الصراع في البحر الأحمر حتى الآن. قال الحوثيون إنهم لن يستهدفوا السفن الصينية، فيما تستورد أكبر دولة تجارية في العالم حوالي نصف احتياجاتها من النفط الخام من الشرق الأوسط، وتصدر إلى الاتحاد الأوروبي أكثر مما تصدره الولايات المتحدة.

وحسب جوش ليبسكي، المدير الأول لمركز الاقتصاد الجيولوجي في المجلس الأطلسي في واشنطن، فإن الضغط في البحر الأحمر سلط الضوء على المخاطر في النقاط الساخنة الأخرى المحتملة، من خلال الكشف عن نقاط الضعف في سلسلة التوريد العالمية التي لا تزال قائمة منذ تفشي الوباء.