سياسة عربية

برلمان مصر يطرح تعديلا ينسف انتهاكات أمنية بينها الحبس الاحتياطي.. ماذا تغير؟

النظام يستخدم أسلوب البواب الدوار مع المعتقلين بحيث تبدأ تهم جديدة لحظة إخلاء سبيلهم- جيتي
يقترب البرلمان المصري من إقرار تعديلات واسعة على قانون الإجراءات الجنائية، الذي أُجري عليه تعديلات مثيرة سابقة في عهد رئيس النظام عبدالفتاح السيسي، تسببت في ظلم أكثر من 60 ألف معتقل مصري على مدار نحو 10 سنوات، بحسب حقوقيين.

لكن اللافت هنا، أن التعديلات الجديدة تحمل عناوين براقة وبنودا تتفق وأحكام الدستور المصري والمعايير الدولية لحقوق الإنسان؛ بل وتنسف جرائم ترتكبها السلطات الأمنية طوال أكثر من 10 سنوات بحق المعتقلين السياسيين وبينها الحبس الاحتياطي، ما يدفع للتساؤل عن هدف النظام منها وأيضا، إمكانية تنفيذها.

"ملامح التعديلات"

وأعلنت اللجنة التشريعية بمجلس النواب المصري الأربعاء، الانتهاء من مراجعة مشروع القانون المقدم من الحكومة بتعديل بعض أحكام قانون الإجراءات الجنائية، معلنة عن أبرز ملامحه التي يعد أهمها تخفيض مدد الحبس الاحتياطي، ووضع حد أقصى لها، وتنظيم حالات التعويض عنه.

ووافقت اللجنة على تخفيض مدد الحبس الاحتياطي لتكون في الجنح 4 أشهر بدلا من 6 أشهر، وفي الجنايات 12 شهرا بدلا من 18 شهرا، و18 شهرا بدلا من سنتين إذا كانت العقوبة المقررة للجريمة السجن المؤبد أو الإعدام.

وأقرت أيضا تحديد حد أقصى للحبس الاحتياطي من محكمة جنايات الدرجة الثانية، أو محكمة النقض في الجرائم المعاقب عليها بالإعدام أو السجن المؤبد، ليصبح سنتين بحد أقصى بدلا من عدم التقيد بمدد.

ومنذ الانقلاب العسكري الذي قاده السيسي، منتصف العام 2013، يشن حملة أمنية واسعة بحق جماعة الإخوان المسلمين والمعارضين لنظامه، الذين تقدرهم منظمات حقوقية بنحو 60 ألف معتقل، عانى أغلبهم من جراء زيادة مدد الحبس الاحتياطي الذي حوله النظام لعقوبة في ظل مخالفة ضوابطه وشروطه، وفق وصف حزب "التحالف الشعبي"، حزيران/ يونيو 2021.

كما يؤكد التعديل القانوني الذي جرى دراسته على مدار 14 شهرا كذلك على الامتثال للضمانات الدستورية المنظمة لحقوق وحريات الأفراد، خاصة في أحوال القبض، وتفتيش الأشخاص، ودخول المنازل وتفتيشها.

وهي الجريمة التي تتم دون إذن نيابة وتقوم قوات الأمن باقتحام مساكن المواطنين لاعتقال ذويهم، وترتكب عمليات ترويع بحق أسرهم بل تقوم بالسطو على ما لديهم من أموال ومصوغات وتحطم ممتلكاتهم أثاث منازلهم، وفق حقوقيين، وبحسب شكاوى أسر المعتقلين.

كما ينص المشروع على تنظيم قرارات وأحكام المنع من السفر والمنع من التصرف في الأموال؛ بنصوص محكمة تراعي الضمانات الدستورية كافة، دون أن تنال من حق الأفراد في حرية التنقل أو الإقامة أو حماية الملكية الخاصة.


وخلال السنوات العشر الماضية، جرى منع من السفر ومن التصرف في الأموال بحق آلاف المصريين والشركات، ومصادرة أموال مواطنين بعينهم لخلفيتهم السياسية أو الدينية بمجرد تحريات أمنية؛ بل وتقنين عمليات السطو تلك، عبر قرارات محصنة من الطعن للجنة التحفظ والإدارة والتصرف في أموال الجماعات الإرهابية.

ووفق، قرارات تلك اللجنة في 11 أيلول/ سبتمبر 2018، تم التحفظ على أموال 1589 من قيادات وعناصر جماعة الإخوان المسلمين ومصادرة أموالهم إلى الخزانة العامة، من أصل 3200 قيادي تم بحث مصادرة أموالهم، وكذلك التحفظ على 118 شركة، و1133 جمعية أهلية، و104 مدارس، و69 مستشفى، و33 موقعا إلكترونيا وقناة فضائية.

وتقدر الأموال المتحفظ عليها التي تمت مصادرتها لأعضاء بجماعة الإخوان وغيرهم بـ61 مليار جنيه (نحو 3.5 مليارات دولار)، بحسب تصريحات لجنة التحفظ عام 2018.

كما أن التعديلات الجديدة على قانون الإجراءات الجنائية التي قد تخرج إلى حيز النفاذ خلال الفصل التشريعي الحالي؛ تقول بتفعيل حق المتهم في الصمت كضمانة من الضمانات التي قررها الدستور المصري، وهي ما يقابلها جرائم أمنية بالإخفاء القسري وانتزاع الاعترافات بالتعذيب.

وشهدت مصر نحو 16719 حالة اختفاء قسري لأشخاص خلال السنوات العشر الماضية، بحسب توثيق مركز الشهاب لحقوق الإنسان، في تقريره الصادر 30 آب/ أغسطس الماضي.

ويقر التعديل القانوني الجديد أيضا، ترسيخ مبدأ (لا محاكمة دون محام)، وذلك في ظل ما يواجهه حراس العدالة من ممتهني مهنة المحاماة من حملة أمنية طالت الآلاف منهم، إما بالبطش أو التنكيل أو الإهانة أو الاعتقال لمجرد دفاعهم عن معتقلين سياسيين.

عدد المحامين المعتقلين غير مؤكد نظرا لغياب الشفافية والإحصاءات الرسمية، لكن بحسب حملة الدفاع عن المحامين فهناك نحو ألف محام معتقل، من بينهم أسماء مثل هدى عبدالمنعم، وعزت غنيم، وإبراهيم متولي، والمحامي نائب رئيس حزب الوسط عصام سلطان، وغيرهم.

ووثقت منظمة"هيومن رايتس ووتش"، ومنظمات أخرى في السنوات الأخيرة، أن السلطات المصرية دأبت على تقويض الحق في الاستشارة القانونية من خلال منع زيارات المحامين.

ويقول التعديل الجديد، بضمان حقوق وحريات المحكوم عليهم في أثناء تنفيذ العقوبات داخل مراكز الإصلاح والتأهيل وأماكن الاحتجاز؛ عبر إخضاعها للإشراف القضائي وتهيئتها بشكل مناسب من الناحيتين الصحية والاجتماعية، وإلزام القائمين عليها باحترام حقوق وحريات المحكوم عليهم.

وهي النقاط التي طالما اشتكى منها معتقلون مصريون، مؤكدين منعهم من حقوقهم القانونية وحبسهم في زنازين انفرادية، ومنعهم من التريض، ومنع الاتصال بذويهم أو زيارتهم أو لقاء محاميهم، ورفض إدخال الأدوية والأطعمة والمتعلقات الشخصية، وهي إجراءات التعسف الأمني التي أودت بحياة أكثر من 1000 معتقل خلال نحو 10 سنوات.

وحول أدق الإحصائيات عن عدد وفيات المعتقلين منذ العام 2013، بالسجون المصرية، أكد رئيس المركز المصري لدراسات الإعلام والرأي العام "تكامل مصر"، الباحث مصطفى خضري، لـ"عربي21"، في 28 أيار/ مايو الماضي، أنهم "نحو 1024 معتقلا منذ العام 2013، وحتى نهاية 2022"، هذا غير وفيات مقرات الاحتجاز والمراكز والأقسام الشرطية.

وقدم رئيس مجلس النواب حنفي جبالي، إشادة بالتعديلات على قانون الإجراءات الجنائية، وبما اعتبره "الأحكام والصياغات الدقيقة التي أقرتها اللجنة لمواد مشروع القانون، وفقا لأحكام الدستور والمعايير الدولية لحقوق الإنسان".

لكن البنود السابقة وفقا للتعديلات، تثير التساؤلات حول هدف النظام منها، وبشأن ما إذا كانت تمثل تغيرا حقيقيا بتوجهاته نحو كفالة حقوق وحريات المصريين، ونسف التعديلات السابقة على مواد الحبس الاحتياطي بقانون الإجراءات الجنائية.

وهو ما رفضه محامون وسياسيون وحقوقيون مصريون أكدوا لـ"عربي21"، أن تلك التعديلات لن تعدو مجرد نصوص قانونية براقة، يتم تقديمها للعالم كوثيقة رسمية تؤكد التزام النظام بها، ولكن دون أية إمكانية لتنفيذها، ملمحين إلى أنها قد تضع مصر بدرجة متقدمة في مؤشر سيادة القانون الذي تحل فيه بالمركز الـ136 من أصل 142 دولة على مستوى العالم لعام 2023.

"خطف البصر العالمي"

وفي قراءته القانونية، لما ورد بمشروع التعديلات الجديدة، قال المحامي والبرلماني المصري السابق ممدوح إسماعيل: "يوجد في نصوص قانون الإجراءات الجنائية ما يحقق قدرا من العدالة".

إسماعيل، أضاف لـ"عربي21"، أن "هذه النصوص شكلها براق؛ وهو المطلوب منها بخطف البصر العالمي لحالة قانونية، فيها نصوص تعزز من حقوق الإنسان وضمانات لحقوق المتهم"، مؤكدا أنها "مقصودة لذلك، وأعتقد أنها من طلبات مؤسسات دولية، بينها صندوق النقد الدولي من مصر".

لكن السياسي المصري، يرى أن "المشكلة الكبيرة فى مصر ليست في القوانين، ولكن في آليات تطبيقها"، مؤكدا أن "القضاء المصري مسيس تماما، وفاقد لاستقلاله أمام تغول السلطة التنفيذية، بل إنه أصبح مجرد جزء من السلطة التنفيذية".

وأكد أن ذلك "يتضح بشكل ساطع في (مسخرة) خطة السلطة فيما يسمى بعمليات تدوير المتهمين"، موضحا أن "المتهم يحصل على إخلاء سبيل من الحبس الاحتياطي أو حكم نهائي بالبراءة، ثم عند تنفيذ الإفراج يجد أنه تم تلفيق قضية له جديدة وهو داخل السجن".

وقال؛ إن "من قمة تراجيديا الظلم والاستبداد، أنه يتم عرض المتهم على ذات القاضي الذي أصدر قرار الإخلاء؛ فيصدر القاضي قرارا بحبسه على ذمة القضية الجديدة، تنفيذا لتعليمات الأمن الوطني، الذي لفق له القضية والقاضي يعلم ذلك".

وفي نهاية حديثه، تساءل إسماعيل: "فما فائدة أي قانون إذا كان القضاء غير مستقل، وغير نزيه، ومسيس، ولا يتم تطبيق القانون؟"، مؤكدا أن "هذا النظام يجيد فقط صنع اللقطة السينمائية للتضليل والتعمية على فساد وظلم لاحدود له".

"لن يعدموا وسائل التنكيل"

من جانبه، قال الإعلامي والحقوقي المصري هيثم أبوخليل: "تعس من ظن أن للثعلب دينا"، مضيفا لـ"عربي21"، أن "النظام الحالي لديه القانون ونقيضه".

وأوضح أنه "لو قدم تعديلا على مواد الحبس الاحتياطي على سبيل المثال؛ فإنه يمكنه أن يحاكم المصريين بقوانين ومواد أخرى، منها قانون الكيانات الإرهابية، وغيره من قوانين ضمن ترسانة أعدها طوال 10 سنوات لخدمة أهدافه".

وأوضح أنه "على سبل المثال؛ وبعد إلغاء النظام مدّ حالة الطوارئ بمصر في تشرين الأول/ أكتوبر 2021، هل يمكن تفسير إحالة آلاف المعتقلين لمحكمة أمن الدولة العليا طوارئ؟".

وأكد أن "الأمر سهل بالنسبة للنظام، حيث إنه قام بوصف التهم التي تم حبس المتهمين بها، على أنها تهم تمس أمن الدولة، وتندرج تحت طائلة ارتكاب العمليات الإرهابية".

وقال أبوخليل؛ إنهم "لن يعدموا الطرق والوسائل للتنكيل بالمصريين"، مبينا أنه "لم نشعر بتغيير بعد إلغاء حالة الطوارئ قبل 3 أعوام، وكذلك وبالطريقة نفسها لن نشعر بتعديلات قانون الإجراءات الجنائية، وتغيير بنود الحبس الاحتياطي وتخفيض مدده".


وأوضح أنهم "جعلوا مدة الحبس الاحتياطي 6 شهور، ثم زادوها لتصبح عامين، وبعد ذلك تصدر الأحكام، وبعدها يتم التحايل على قرارات إخلاء السبيل باللعبة القذرة المسماة بالتدوير، حيث يقوم بإخفاء المتهم عدة أيام، ثم يُظهره متهما على ذمة قضايا جديدة"، مؤكدا أننا "نتعامل مع عصابة".

وفي رؤيته، قال المحامي والسياسي المصري عمرو عبدالهادي: "مثل تلك التعديلات جرى بعضها في آخر عهد حسني مبارك، وحينما أتى السيسي، عدلها للأسوأ".

وفي حديثه لـ"عربي21"، يعتقد عبدالهادي، أن "تعديل القانون في هذا التوقيت يأتي استجابة لشروط صندوق النقد الدولي، لمنح النظام قرضا جديدا، في إجراءات وقرارات مثيرة بدأت ببيع منطقة (رأس الحكمة) بالساحل الشمالي الغربي لمصر، قبل أسبوعين إلى الإمارات".

وأضاف: "ثم قرار البنك المركزي المصري بتعويم الجنيه الأربعاء الماضي، ثم يأتي الإعلان من قبل البرلمان عن تعديل بملف حقوق الإنسان".

ويعتقد عضو جمعية وضع دستور 2012، أن "هذا النظام لا يحتاج قانونا ليكسره، ولا يحتاج قانونا لضبطه؛ فهو نظام منحل يفعل ما يريد وقتما يريد، ويحل كل أزماته الناتجة عن جرائمه بالرشاوى والفساد والتنازلات للغرب".

ولفت إلى أنه "في عام 2016، منع أمي من السفر للخارج بالمخالفة للقانون، وصادر جواز سفرها بلا سند من قانون، ومنحها جواز سفر جديد في 2020، ثم منعها من السفر مرة أخرى بجواز سفرها الجديد نهاية 2020، وصادر منها جواز سفرها الجديد".

وخلص للقول: "كل هذا والقانون والدستور الذي كتبوه عام 2014، وعدلوه عام 2019، يمنع تلك الإجراءات"، متسائلا: "فهل سيعدل من نفسه إذا سطًر قانونا جديدا".

وختم بالتأكيد أن "هذه الأيام تشبه إلى حد كبير أيام حسني مبارك الأخيرة، التي قام فيها بعمل تعديلات قانونية وسياسية؛ وبعدها رحل غير مأسوف عليه".

"أفلح إن صدق"
وفي تعليقه، قال الإعلامي المصري الدكتور حمزة زوبع: "بعد 10 سنوات من القمع المبرمج والمتعمد والاستبداد المطلق، وبعد خراب مصر اقتصاديا، وتمكن الجنرالات من الحكم فعليا آن الأوان بالنسبة لهم لكي يقوموا بعملية طلاء أو دهان لإعادة تقديم النظام بوجه جديد".

وفي حديثه لـ"عربي21"، أكد أن "مصر اليوم ليست دولة قانون ولا اعتبار للدستور، والشواهد كثيرة"، متسائلا: "فما الذي يُجبر النظام على احترام القوانين وهو لم يحترم الدستور، ولم يطبق مواده؟، ومنها العدالة الانتقالية وميزانيات الصحة والتعليم على سبيل المثال".

وأوضح أنه "في نهج الجنرالات؛ القانون والدستور تحت أيدي العساكر، وبالتالي فهم لن يلطفوا أيا منهما، لأنهم لا يؤمنون بالدولة المدنية ولا يثقون في حتى وزرائهم المدنيين وآرائهم؛ ولو نزلت إلى الشارع وسألت عن أسماء الوزراء فلن تجد أحدا يعرفهم".

وأشار إلى أن "السلطة مركزة في يد الجنرال، ومن حوله عبارة عن سكرتارية؛ لكن دعنا نأمل أن تتغير الأمور ولو قليلا، لأن الوضع الإنساني كارثي والاجتماعي أكثر كارثية من الوضع الاقتصادي، ناهيك عن غياب السياسة بل ودفنها في مقابر الجيش".

وختم زوبع، بالقول: "لا أثق في حكم العساكر؛ ولكن أعتقد أن الوقت حان لإحداث تغيير حقيقي يعاد فيه النظر إلى الإنسان المصري كقيمة مضافة للوطن وليس قيمة مخصومة منه"، مؤكدا أن "الاستمرار دون تغيير يعني الانفجار الحتمي وبدون سابق إنذار".