كتاب عربي 21

الانتخابات التونسية في ميزان التكهنات والاحتمالات

1300x600
رغم أنه لم يعد يفصلنا عن يوم الاقتراع أيام قليلة، فإن الحملة الانتخابية قد بقيت باردة وضعيفة. ومع ذلك فإن الانتخابات التشريعية قد تفتح المجال أمام احتمالات متعددة، وهو ما يجعل منها حدثا استثنائيا ومشوقا في تونس، سواء بالنسبة للتونسيين أو حتى لدى المتابعين للشأن التونسي. ويعود ذلك الى عدة أسباب أو عوامل.

 إن حركة النهضة لا تزال تشكل قوة سياسية وانتخابية هامة، لكن لا أحد يمكنه ان يجزم بأنها ستحتل المرتبة الأولى، أو أنها ستحافظ على ذات النسبة التي حققتها في الانتخابات السابقة عام 2011. فصندوق الاقتراع وحده الذي سيكشف إن كان مرورها بتجربة السلطة قد أثر عليها سلبيا أم لا، وهو وحده الذي يمكنه ان يحدد نسبة الذين سحبوا ثقتهم في الحركة، وقرروا هذه المرة معاقبتها بسبب عدم وفائها بوعودها. فهذا يعد سؤالا يصعب الإجابة عنه الآن. إذ حتى داخل الحركة تتفاوت التقديرات والاحتمالات. فهناك من يذهب الى حد القول بأن الحركة ستفوز فوزا عريضا أو حتى كاسحا، في حين يوجد من لا يستبعد ان تكون النتيجة مؤلمة وقد تنخفض نسبة التصويت لحركة النهضة الى حدود العشرة بالمائة.، ومهما تكن الاحتمالات فالمؤكد أن كثيرا ممن صوتوا لصالح النهضة في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي قد عبروا بأنهم لا ينوون تكرار ذلك هذه المرة.

 العامل الثاني الذي يفتح الباب أمام التكهنات المختلفة يتعلق بالحجم الحقيقي لحزب نداء تونس الذي يقوده رئيس الحكومة السابق الباجي قايد السبسي. فهذا الحزب ولد كبيرا منذ أن تم الاعلان عن تأسيسه. فعدد واسع من الذين يعادون حركة النهضة أو سحبوا ثقتهم فيها يعلنون بأنهم سيصوتون لهذا الحزب الجديد، وهو ما عكسته استطلاعات الرأي طيلة الأشهر الماضية. لكن لا أحد يمكن أن يؤكد ذلك أو ينفيه من قبل أن يتوجه التونسيون الى صناديق الاقتراع. ما يمكن الإقرار به هو ان حزب نداء تونس سيكون له دورا هاما في المرحلة القادمة التي ستعقب الانتخابات البرلمانية والرئاسية. 

الجبهة الشعبية بدورها تطالب بأن تعكس الانتخابات حجمها الفعلي. ولشدة ثقتهم في أنفسهم هدد قادتها بعدم الاعتراف بالنتائج إذا جاءت مخالفة لتقديراتهم، وهو ما رفضته أطراف سياسية عديدة من بينها حركة النهضة وغيرها واعتبرته تهديدا مسبقا بالتشكيك في العملية الانتخابية قبل إنجازها. ولا يعرف ان كان قادة هذه الجبهة التي تضم يساريين وقوميين جادين في رفضهم للنتائج التي قد لا ترضيهم، أم أنهم يستعملون ذلك للضغط في أجواء هيمنت عليها أخبار تزييف التزكيات الخاصة بمرشحي رئاسة الجمهورية، لكن الثابت أن موقفهم هذا الذي لا يقرهم عليه أي رجل قانون يعكس حالة التخوف لدى أوساط اليسار الراديكالي الذي ينتظر أن يحصد نتائج اغتيال اثنين من قادة الجبهة الشعبية، لكنه غير واثق من النتائج المرتقبة. 

حتى نسبة التونسيين الذين سيصوتون لا تزال محل شك وأخذ ورد. صحيح أن الجهود التي بذلتها الهيئة المستقلة للانتخابات ومنظمات المجتمع المدني قد أقنعت طيلة الأشهر الماضية أكثر من ثماني مئة ألف مواطن بتسجيل أسمائهم بالسجل الانتخابي، وهو ما رفع العدد الى أكثر من خمسة ملايين ناخب محتمل، لكن لا يعرف ان كان هؤلاء جميعا أو نصفهم سيقررون في آخر اللحظة المشاركة أم أن عددا منهم سيفضل يومها البقاء بمنازلهم تعبيرا عن عزوفهم وعدم ثقتهم في السياسيين. 

 ويعتبر شكل الحكومة القادمة السؤال  الأكثر غموضا لدى الرأي العام. هل تعود الترويكا الى السلطة أم أن تلك التجربة سينطبق عليه قوله تعالى " تلك  أمة قد خلت من قبلها الأمم"؟.

 المؤكد أن تونس ستبقى تدار بحكومات إئتلافية، لأن القانون الانتخابي لا يسمح لأي حزب مهما اشتدت قوته بأن يهيمن على البرلمان والحكومة. فتقطيع الأصوات من شأنه أن يفرض على الجميع البحث عن الصيغ التوافقية التي تفرض على مجموعة أحزاب تأسيس حكومة ائتلافية محدودة أو واسعة نسبيا حتى تتمكن من الحصول على ثقة البرلمان. وفي هذا السياق هناك احتمالات عديدة سيصعب الجزم بأحدها على حساب بقية السيناريوهات الممكنة. إذ يختلف الوضع بين أن تفوز حركة النهضة بالمرتبة الأولى عن احتمال أن يتحقق ذلك لصالح حزب الباجي قايد السبسي. وبقطع النظر عن كل ذلك، فالمؤكد أن التونسيين هم الذين سيصنعون المشهد السياسي القادم، ولهذا سيكون من الهام والضوري أن يقبل الجميع بنتائج الصندوق، لأنه سيكون من الصعب أن يتدخل أي طرف مهما كان لتزوير الأرقام والمعطيات السرية للناخبين. لهذا على الجميع أن يصبروا ويتريثون قليلا حتى .. يرفع الستار..