مقالات مختارة

قضيتان عاجلتان تحتاج تيريزا ماي إلى إثارتهما حين تلتقي نتنياهو

1300x600
ينبغي على تيريزا ماي أن تعيد التأكيد على معارضة بريطانيا للاستيطان في الضفة الغربية، كما يتوجب عليها مفاتحة رئيس الوزراء الإسرائيلي بشأن قضية شاي ماسوت.

تتم اليوم تيريزا ماي سلسلة من اللقاءات مع زعماء العالم الأكثر يمينية والأكثر إثارة للشقاق والخلاف. 

شهدت الأيام الأخيرة من الشهر الماضي زيارة قامت بها إلى واشنطن، حيث التقت بدونالد ترامب. ورغم أن الزيارة كانت ناجحة من عدة أوجه، إلا أن ما سيذكره الناس عنها هو فشلها في أن تتكلم بجرأة مع الرئيس الأمريكي حول محاولته حظر السفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية على مواطني سبع دول ذات أغلبية سكانية مسلمة. 

ثم طارت بعد ذلك إلى تركيا؛ للاجتماع مع الرئيس رجب طيب أردوغان، وهو المتهم من قبل بعض الناس بأنه ما لبث يعمل بوحشية على إقامة نظام سلطوي مستبد بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة التي وقعت ضده في العام الماضي. 

والآن يفد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنجامين نتنياهو على داونينغ ستريت (مقر رئاسة الوزراء البريطانية) مباشرة، بعد أن أعلن عن قرار بناء ثلاثة آلاف وحدة سكنية في مستوطنات الضفة الغربية والقدس الشرقية، فيما اعتبر ضربة جديدة توجه إلى عملية السلام في الشرق الأوسط. 

تيريزا ماي محقة في لقائها بنتنياهو، تماما كما كانت محقة في لقائها بدونالد ترامب. ولكنها في أمس الحاجة إلى أن تتعلم دروسا من رحلتها إلى واشنطن في الشهر الماضي. 

لقد خذلت بريطانيا عندما أخفقت في رفع عقيرتها في واشنطن؛ اعتراضا على الحظر الذي فرض على المسلمين. وسوف تخذل بريطانيا فيما لو أخفقت في مفاتحة الزعيم الإسرائيلي بشأن قضيتين محليتين اليوم. 

أولى هذه القضايا هي المستوطنات، فبريطانيا تتحمل مسؤولية خاصة في هذا الشأن. فقد مرت مئة سنة منذ أن أصدر رئيس وزراء بريطاني آخر، هو آرثر بلفور، إعلانه الشهير الذي تضمن وعدا مهد لإقامة دولة إسرائيل. 

ربما تشعر بريطانيا بأن من حقها أن تفخر بدورها المركزي في إقامة وطن قومي لليهود، ولكن خطاب بلفور تعهد أيضا بأنه "لا ينبغي القيام بما من شأنه أن يضر بالحقوق المدنية والدينية للجاليات غير اليهودية الموجودة في البلاد."

إلا أن سياسات نتنياهو كانت كارثية على الفلسطينيين، وإعلانه الأخير بإنشاء المزيد من الوحدات السكنية داخل المستوطنات إنما يزيد الأمور سوءا على سوء. وكان وزير الخارجية البريطاني السابق وليم هيغ حذر في عام 2012 من أن بناء المستوطنات في الضفة الغربية سوف يجعل حل الدولتين مستحيلا. 

وحينها، قال هيغ، الذي يعتبر واحدا من أكثر وزراء الخارجية البريطانيين تأييدا لإسرائيل، إن هذه الحركة الزلزالية ستحدث خلال عامين. وها قد مرت أربعة أعوام منذ أن أدلى بتلك التصريحات، ولم تزدد الأمور إلا سوءا. 

قيل لنا إن ماي سوف تؤكد على المعارضة البريطانية لبناء المستوطنات قبل أن تدخل في نقاش القضايا الأخرى. ولكن هذا لم يعد يكفي. لا بد لها في السنة التي تصادف الذكرى المئوية الأولى لوعد بلفور من أن تتكلم بصريح العبارة مع نتنياهو، وتقول له إن بريطانيا تشعر بالتزام تاريخي تجاه الفلسطينيين، وكذلك تجاه إسرائيل، وتعيد التأكيد على وجهة النظر البريطانية التي ترى بأن برنامج المستوطنات غير قانوني. 

هناك مسألة أخرى يتوجب على تيريزا ماي إثارتها مع نظيرها الإسرائيلي، ألا وهي قضية شاي ماسوت التي ما تزال يكتنفها الغموض، وماسوت هذا هو المسؤول في السفارة الإسرائيلية الذي ضبط متلبسا وهو يتآمر على الإطاحة بوزير الدولة في الخارجية البريطانية، ألان دنكان، وعلى عدد آخر من كبار أعضاء البرلمان عن حزب المحافظين، كما ضبط وهي يتدخل في السياسات الداخلية لحزب العمال. 

كان ذلك فصلا خارقا للعادة. لو أن ما حصل كان المتورط فيه حليف آخر لبريطانيا، لنقل مثلا الولايات المتحدة الأمريكية أو فرنسا، لأدى ذلك إلى حالة من الغضب القومي، ولرأينا الحكومة تفتح تحقيقا أمنيا في الموضوع. 

ولو أن روسيا أو إيران تورطتا في ذلك لربما أدى ذلك إلى قطع العلاقات الدبلوماسية، وكما قال نيكولاس سوميس، حفيد وينستون تشيرشيل والنائب في البرلمان عن حزب المحافظين، فإن ماسوت كان يقوم بعملية إفساد للديمقراطية في بريطانيا، وكان يتدخل بشكل سافر في العملية السياسية في البلاد. 

الأمر الذي جعل هذه القضية بالغة السوء هو أن إسرائيل حليف مقرب من بريطانيا، وممثلوها يتمتعون بامتيازات تمكنهم من الوصول إلى المستويات العليا في الأوساط السياسية. فقط القوى المعادية هي التي تسعى إلى التورط فيما يشبه إلى حد كبر حملات النفوذ السرية، بمعنى آخر ممارسة التجسس. 

تيريزا ماي بحاجة لأن تقول كل هذا الكلام لنتنياهو، وإذا لم تفعل فإنها ستتسبب في ظهور الحكومة بمظهر المتواطئ والمتورط في محاولة إسرائيل النيل من أحد وزرائها. 

كنت قد أيدت بريكسيت، أي الخروج المقترح لبريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وذلك خلال الاستفتاء الذي نظم قبل ستة شهور. إلا أن ثمة مخاطرة من أن يؤدي خروجنا الوشيك من الاتحاد الأوروبي إلى أن تظهر بريطانيا كما لو أنها باتت بائسة معوزة. 

ولربما أعطى هذا الانطباع زيارة تيريزي ماي المتعجلة إلى واشنطن وإخفاقها في تلقين الرئيس ترامب درسا في الأدب. رئيسة وزراء بريطانيا تقود بلدا مستقلا وكريما من شيمه الدفاع عن التسامح والمروءة، ينبغي عليها ألا تنسى ذلك.