أفكَار

الملكية والإسلاميون بالمغرب.. قراءة في سردية العلاقة (2من2)

استعدادات حثيثة للمؤتمر الاستثنائي لحزب العدالة والتنمية في المغرب لاختيار قيادة جديدة (عربي21)

الملكية والإسلاميون بعد 20 فبراير.. في اتجاه الشراكة الاستراتيجية بين الملكية والإسلاميين:

مع انطلاق حراك 20 فبراير، قام الإسلاميون بدور مركزي في التنبيه على مخاطر خوض الصراع مع الملكية، وأثر ذلك على الاستقرار، ووجهوا لأول مرة رسائل قوية للملكية لاطلاق مبادرة إصلاحية استباقية، وتعزيز إجراءات الثقة، وإنهاء تجربة حزب الدولة، وضمان حياد المؤسسة الملكية. وقد تجاوبت المؤسسة الملكية مع نبض الشارع ومع مطالب العدالة والتنمية، فتم إعلان استقالة فؤاد عالي الهمة من  حزب الأصالة والمعاصرة وكذا حركة لكل الديمقراطيين وتعيينه مستشارا للملك، وإطلاق سراح القيادات السياسية التي اعتقلت على خلفية خلية بلعيرج، كما دخلت في دينامية سياسية كان مبدؤها خطاب 9 مارس، ثم اعتماد الآلية السياسية لتلقي مذكرات الأحزاب والقوى المدنية لإعداد الوثيقة الدستورية، وقد انعكست الشراكة الاستراتيجية الضمنية بين الملكية والإسلاميين على مضمون الوثيقة الدستورية، وأيضا على الشروط التي تمت فيها انتخابات 2015 التي بوأت حزب العدالة والتنمية الصدارة. 

الملكية والإسلاميون.. تعزيز الثقة، والشراكة في البناء الديمقراطي بدل النضال الديمقراطي:

لم تنجح التوترات الجزئية التي رافقت دينامية التفاوض لتشكيل الحكومة وبناء هندستها في التأثير على التطبيع الذي حصل بين الإسلاميين والمؤسسة الملكية، فبعد تعيين عبد الإله بنكيران رئيسا للحكومة،  أعطى الإسلاميون أكثر من إشارة خطابية وعملية لتعزيز الثقة مع المؤسسة الملكية، إذ احترموا المجال المحفوظ للملكية (الشأن الديني، الأمن، المجال العسكري)، وقدموا تنازلات مهمة لصالحها فيما يخص تدبير العلاقات الخارجية والدبلوماسية، ومارسوا قدرا كبيرا من المرونة في تمرير ما بات يعرف بقانون ما للملك وما لابن كيران، وجسدوا بشكل عملي مضمون الشراكة من خلال تبني مفهوم التعاون مع الملك، وسمحت الحكومة بمساحات أوسع للاهتمامات الملكية ذات البعد الاستراتيجي (المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، الطاقات المتجددة.....) وتعامل الحزب بمرونة زائدة مع تأجيل الانتخابات الجماعية، ومع وضعية مجلس المستشارين، وتجاوب بشكل فعال مع التوجيهات الملكية في كل القطاعات المعنية، وهو ما جعل الولاية الحكومية للعدالة والتنمية في مجملها محكومة بمناخ من علاقة الثقة والتعاون مع المؤسسة الملكية.

الملكية والإسلاميون 2016 ـ 2021.. تصدير الأزمة للداخل الحركي:

ثمة أربع أسباب أساسية خلقت لدى جهات مؤثرة في القرار السياسي بعض التوجس من العدالة والتنمية:

ـ أولها الفوز الكبير الذي حققه الحزب في الانتخابات الجماعية، والتي تعزز أطروحة اكتساحه للانتخابات التشريعية 2016.

ـ ثانيها إصرار حزب العدالة والتنمية على خوض الاستحقاقات الانتخابية بعنوان سياسي هو مواجهة التحكم والثقل الذي يمثله الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة في هذه المعركة.

ـ والثالث هو كثافة تواصله وكشفه لحيثيات مهمة حول إدارة القرار السياسي في مربع الحكم.

ـ والرابع هو توجهه لخلق اصطفاف سياسي واسع ضد التحكم، يضم حزب التقدم والاشتراكية وحزب الاستقلال.

وعلى الرغم من توجه الملكية نحو احترام الدستور بتعيين رئيس الحكومة من الفائز المتصدر للانتخابات، بل واحترامها حتى البعد الشكلي في المنهجية الديمقراطية بتعيين الأمين العام للحزب، عبد الإله بنكيران على رأس الحكومة، إلا أن إفشال مهمته في تشكيل حكومته من قبل الأحزاب السياسية القريبة من السلطة، ثم اللجوء بعدها إلى الخيار الدستوري بتأويل الفصل 47 لإعفاء رئيس الحكومة المعين، ثم المسارعة إلى تعيين رئيس حكومة جديد من الحزب المتصدر للانتخابات، وتوجه القيادة الجديدة للحزب، لقبول الشروط التي رفضها رئيس الحكومة المعين السابق (إدخال حزب الاتحاد الاشتراكي إلى الحكومة وتشكيل حكومة لا تعبر عن نتائج الانتخابات التي عبر عن إرادة الناخبين) حول الأزمة إلى داخل الحزب، إذ حدث شرخ قيادي كبير داخل الحزب،  نزلت تداعياته الفكرية والسياسية وحتى النفسية إلى القواعد، فتحول الحزب المتماسك إلى تيارين اثنين، الأول ينتصر للمنهجية السياسية التي انتهجتها القيادة الجديدة، والثاني، يرى أن هذه المنهجية أفقدت الحزب خطه الإصلاحي وهي تمضي نحو إذابته وتدجينه سياسيا.
 
وقد شكلت محطة الولاية الثالثة (اقتراح ولاية ثالثة للأستاذ عبد الإله بنكيران) نقطة خلافية كبيرة في تاريخ هذا الحزب، إذ كان المنتصرون للولاية الثالثة، ينتصرون لفكرة التمايز بين الحزب والحكومة، وتقوية الوظيفة الرقابية للحزب على العمل الحكومي، في حين، تمساك الرافضون بنص القانون الذي يمنع الولاية الثالثة، حتى يبقوا على صيغة وحدة العمل الحزبي والحكومي (القيادات الحكومية تسير الحكومة وتسير الحزب أيضا).

ولئن اتجه المجلس الوطني للحزب، نحو رفض الولاية الثالثة، بحجة قانونية ورمزية، تستند إلى فكرة عدم تسويغ الاستبداد التنظيمي، وتغيير القوانين على مقاس الزعماء، فإن محطة المؤتمر (2017) كانت هي الأخرى تحديا خطيرا، إذ تجلى الشرخ القيادي بوضوح في محطة الترشيح والتداول، ومما يبرز المدى الذي وصل إليه هذا التحدي، هو دفع الدكتور سعد الدين، بحجة تخليه عن رئاسة الحكومة في حال عدم تزكية الحزب له كأمين عام للحزب.

والواقع، أن قيادة الحزب فهمت من رسالة المؤتمر أن الشرخ القيادي والقاعدي كبير، وأن نجاح تدبيره للحكومة، لا يمكن أن يتم بإسناد ضعيف من قبل الحزب، ولذلك سارعت إلى إطلاق مبادرة الحوار الداخلي، التي امتدت لأكثر من ستة أشهر، دون أن تنجح في إذابة الجليد بين التيارين، أو صياغة جواب سياسي للمرحلة، يضمن التماساك الداخلي من جهة، ويوفر الشرط لاستعادة المبادرة.

وهكذا، نجح خيار تصدير الأزمة للداخل، وساهم تدبير القيادة في تعميق الأزمة، وإضعاف الخط السياسي للحزب، من خلال تخلي شبه كامل على العنوان السياسي والارتهان إلى الخيار التدبيري (الدفاع عن الحصيلة الحكومية بدل مواجهة التحكم والاستبداد)، وترك ساحة التواصل السياسي يملأها الخصوم، وتبني شعار: "الإنصات والإنجاز"، والخضون لمنطق انتظاري، جعل الحكومة أمام خيارات لا تستطيع دفعها، هذا فضلا عن التورط في مواقف هوياتية تتعارض بالمطلق مه الورقة المذهبية للحزب (الدفاع عن فرنسة التعليم، دفاع بعض القيادات عن مشروعية تقنين القنب الهندي، تعجل بعض القيادات في إنتاج مواقف مساندة للتطبيع).

الحاصل، من نتيجة هذه الأزمة، أن تعرض العدالة والتنمية لنكسة انتخابية في تشريعيات 2021، إذ تراجعوا بما يزيد عن 113 مقعدا، محصلين فقط على 12 مقعدا، أي ما لا يسمح لهم بتشكيل فريق نيابي في البرلمان، فرجعوا بذلك إلى نقطة البداية، أي إلى 12 مقعدا التي حصلوها في أول انتخابات تشريعية دخلوا إليها سنة 1997، وتدلى الحزب آخر الترتيب تقريبا (الرتبة الثامنة، وخرج من المجال الحضري الذي كان يشكل مركز ثقله خالي الوفاض، ومني وزراؤه الذين خاضوا هذا الاستحقاق لهزيمة انتخابية كبيرة، وخاصة ألأمين العام للحزب، الدكتور سعد الجين العثماني الذي خسر المقعد في دائرة المحيط بالرباط.

خيارات الإسلاميين للخروج من الأزمة:

السؤال الأول:
 
النكسة الانتخابية التي تعرض لها الحزب، لم تترك للداخل الحزبي إلا سؤالا واحدا تنشغل به هو ما العمل، فهزيمته الانتخابية لم تكن من جنس الهزائم التي تطرح أسئلة أعطاب الماكينة الانتخابية، أو مآزق الخطاب الانتخابي، فمثل هذه الهزائم، لا تكلف عناء كبيرا في النقاش والبحث عن قواسم مشتركة للتعاطي معها، لكن في حالة هذه الأزمة، فالأمر، صار يجعل المشروع السياسي كله، محل تساؤل؟ 

المؤسف أن القيادة السياسية، حاولت أن تغطي على هذا السؤال بالسعي للإقناع بالاعتبار الموضوعي، وأن هناك تدخلا ممنهجا للسلطة أفسد العملية الانتخابية، بينما اختار بلاغ الأمانة العامة للحزب، لغة ناعمة للتعبير عن هذه القناعة، متجنبا أي إحالة صريحة على الطعن السياسي في العملية الانتخابية.

عموما يمكن وسم سلوك القيادة بضعف الانسجام وذلك من ثلاث زوايا: الأولى، اتهام ضمني للسلطة بإفساد العملية الانتخابية دون الإلقاء باللائمة على الذات، ولا الإقرار بأي نوع من الأخطاء القاتلة، والانية، هناك إعلان عن استقالة سياسية جماعية، وإعلان عن تحمل مسؤولية الفشل، والثالثة، هناك مسارعة من قبل د سعد الدين العثماني رئيس الحكومة لتهنئة رئيس الحكومة المعين!

والواقع أن هناك انتقادات كبيرة وجهت لسلوك القيادة، تدفع بفكرة عدم الاستساغة الديمقراطية لتقديم القيادة لاستقالة سياسية جماعية، أو لتحمل مسؤولية الفشل دون الإعلان عن نقد ذاتي معلن، وهو الأمر الغائب في سلوك القيادة حسب المنتقدين، سواء عند الإعلان عن نتائج الانتخابات أو عند كلمة الأمين العام بالمجلس الوطني الأخير.

في المنحى المقابل، سارعت القيادة إلى دعوة المجلس الوطني للانعقاد في دورة استثنائية، وحددت لها جدول أعمال، بنقطتين اثنتين، هما النقاش السياسي لنتائج الانتخابات، وترتيب انعقاد مؤتمر استثنائي للحزب لإفراز قيادة جديدة.

والواقع أن ما خرجت به القيادة، مما سيكون موضوعا للمؤتمر الاستثنائي الذي سينعقد في آخر تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، يعبر عن وجود قناعة لديها بضرورة المغادرة، وترك المجال لقيادة جديدة تتحمل مسؤولية المرحلة المقبلة، وأنه لم يبق لها من رصيد سياسي، يسعفها في استئناف دورة جديدة في العمل السياسي من موقع القيادة.

توجه المجلس الوطني الذي حسم في جدول أعمال المؤتمر الاستثنائي، يشير إلى أن الجواب التنظيمي هو المهم، أي إفراز قيادة سياسية جديدة، وأن ما يتعلق بالنقاش السياسي حول المرحلة وتداعياتها، وإن كان مهما، إلا أن الأهم منه في هذه المرحلة، هو القطع مع القيادة الحالية، وترتيب الشروط لعقد مؤتمر عادي، يعيد ترتيب البيت الداخلي، ويجتهد في صياغة الجواب السياسي الجماعي للمرحلة القادمة، مع انتخاب قيادة سياسية تكون قادرة على وضع هذا الجواب في سكة التنفيذ.

 

إقرأ أيضا: الملكية والإسلاميون بالمغرب.. قراءة في سردية العلاقة (1من2)