أفكَار

هل يخترق الاحتلال المنطقة عبر التطبيع أم تحبطه المقاومة؟

أنظمة عربية تزحف باتجاه التطبيع والشعوب ترفض.. ما هي التداعيات؟

على وقع الاتفاقيات التي تُعقد بين الكيان الصهيوني وبعض دول المنطقة كالإمارات والبحرين والسودان والمغرب، ومن قبل مصر والأردن، خاصة اتفاقية النوايا الأخيرة بين الأردن والإمارات وإسرائيل، ثمة تخوفات حقيقية من أن تتوسع دوائر التطبيع مع دول أخرى في المنطقة، وهو ما يثير المخاوف من أن يكون التطبيع بوابة للاختراق الصهيوني للمنطقة العربية برمتها. 

وبعد اتفاقيات السلام السابقة مع مصر والأردن، بقيت فعاليات التطبيع مع إسرائيل معزولة على المستوى الشعبي العربي، وكانت ـ وما زالت ـ محل إدانة واستنكار من قبل غالب الأحزاب والقوى السياسية، ومؤسسات المجتمع المدني، والنقابات المهنية في كثير من الدول العربية، وأضحى شعار "التطبيع خيانة" هو الأكثر تداولا وانتشارا في التعبير عن الموقف المبدئي الرافض لكل نشاطات التطبيع.

لكن الموجة الجديدة من التطبيع باتت تفرض لونا جديدا وخطيرا من التحديات، وهو ما يصفه الكاتب والمحلل السياسي الأردني، هشام البستاني بـ"التحول الأخطر، الذي يتمثل في فرض التطبيع العضويّ العميق على الناس أنفسهم، وتحويل الصهاينة من خلال ملفات استراتيجية مثل الطاقة، والكهرباء، والماء إلى أساس من أساسيّات حياة الناس". 

 



وأضاف في حديثه لـ"عربي21": "وهذه هي الكارثة الأكبر: الإلحاق المجتمعي للناس بالمركز الصهيوني هو الأمر الأخطر على المستوى التاريخي، وهو أمر لم تستطع عقود من "معاهدات السلام" فعله، وتقوم به المجموعات الحاكمة على قدم وساق اليوم". 

ورأى البستاني أن "التداعيات الأساسية للتطبيع المتسارع مع الكيان الصهيوني هي القبول بالظلم التاريخي المتمثل بالمشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني كأمر واقع ومقبول، وتقويض مستقبل تحرير وتحرر فلسطين وتحقيق العدالة للفلسطينيين، والتحول الفج لـ"إسرائيل" من عدو شكلي (على المستوى الرسمي) إلى حليف فعليّ، يستقوي به الأشقاء والجيران بعضهم على بعض (الخليج على إيران، المغرب على الجزائر، إلخ..). 

وتابع: "وهو ما يعطي الكيان الصهيوني "قيمة" جديدة ليست فقط كممثل للإمبريالية والاستعمار، وضامن لمصالحها، بل وضامن لتأجيج النزاعات الإقليمية والمحلية والتأثير فيها"، لافتا إلى أن "المقاومة (بكل أشكالها مدنية ومسلحة، شعبية وتنظيمية) ما تزال قائمة، والرهان عليها وحدها اليوم أمام التواطؤ الرسمي الكامل، والالتحاق والإلحاق الفعليين اللذين تنفذهما المجموعات الحاكمة بلا خجل أو اعتبار لمصالح ومستقبل شعوبها، ودون اعتبار للأخلاق والمبادئ ومنظورات العدالة". 

وأردف: "لكن السؤال المركزي يبقى: في ظل هذا الجو المعادي داخليا وخارجيا، محليا ودوليا، هل ستستطيع هذه القوى الصمود، وإعادة التشكل بما يضمن بقاءها وفاعليتها، وتطوير إمكانيات التأثير في أصحاب قرار متسلطين ومدفوعين بمصالحهم الذاتية، ومجتمع دولي مزدوج المعايير، متدخل وظالم وداعم للاستعمار الاستيطاني الصهيوني؟ هذا هو السؤال المركزي اليوم في ظل الانهيار الشامل للتوجهات الاستراتيجية الرسمية في المنطقة العربية، وتحولها باتجاه الاندغام بالصهاينة"، على حد قوله. 

من جهته قال الباحث المغربي في قضايا الفكر والأدب، عبد الهادي المهادي: "منذ سنوات طويلة و"إسرائيل" تخترق العديد من الدول العربية والإسلامية، بعضها بشكل علني، استنادا إلى اتفاقيات ومعاهدات، وبعضها الآخر بطريقة سرية من تحت الطاولة، لكن الأمر بمجمله كان يقتصر على "تعاون" بين بعض مؤسسات الدول والكيان، خاصة ما تعلق بالجانب الأمني، ولم يكن التطبيع يتجاوزه إلى أمور ومسائل مجتمعية تثير الشعوب، وتجعلهم يتداعون سريعا إلى الشارع في تظاهرات ومسيرات ضاغطة وفاعلة". 

 



وأضاف: "اليوم تم الزحف على مواقع ـ لم يكن إلى عهد قريب ـ في مقدور أية دولة أن تعلن تعاونها بخصوصه مع الكيان الصهيوني، ونقصد هنا على وجه التحديد قطاع "التربية والتعليم"؛ فالتجليات المتسارعة تنبئ بأن هناك اتفاقيات ـ أخطر بنودها سرية في الغالب ـ تذهب في اتجاه محاولة "إعادة تشكيل المِخْيَال الجمعي العميق للأمة" حول مفاهيم سيئة السمعة، مثل: اليهود، والصهيونية، وإسرائيل، وأخرى تحمل دلالات شبه مقدسة، مثل: فلسطينن القضية، الجهاد، الانتفاضة، المقاومة، الشهادة..".

وتابع: "ويبدو جليا أن "الإرادة" قد اختارت المدخل التربوي التعليمي والثقافي لضمان "التغيير الحقيقي" الذي يرجونه، من أجل ذلك توسع ـ مؤخرا ـ بشكل ملفت الحديث حول مفاهيم: التسامح، وحقوق الأقليات، والإسلام الروحاني، والبحث عن روافد كامنة في الهويات الوطنية، ولم لا شحن مفهوم "المشترك الإنساني" ذاته بدلالات بعيدة عن قدرته الاستيعابية". 

ولفت المهادي في حواره مع "عربي21" إلى أن "المقصود البعيد المدى الذي يرجوه الصهاينة من وراء اختراقهم للمنطقة يتجاوز مسألة إضعاف الاهتمام بالقضية الفلسطينية في نفوس الشعوب العربية، وإنما يصل ـ في حدوده القصوى ـ إلى استهداف الأمة في كل عناصر هويتها، خاصة ما تعلق بالدين واللغة، وخلق أجيال مفككة مُحبطة تابعة لا تطلب سوى العيش". 

وعن آفاق المستقبل وقدرة المقاومة الشعبية على الصمود والتصدي لمشاريع التطبيع وتداعياتها، أشار إلى أنه "لا يبدو في الأفق القريب أي أمل في قدرة المقاومة الشعبية والإسلامية والوطنية على التصدي للتطبيع والاختراقات الصهيونية المتتالية لجسم الأمة أو إفشاله، بل إن هذا الأفق يظهر أكثر تجهما واكفهرارا، وينبئ بأن القادم قد يكون أكثر سوءا".

لكنه استدرك قائلا: "هذا منطق، وتلك حساباته، وله الغلبة الآن في نفوس الناس، ولكن الله تعالى علمنا، بما حكاه لنا في كتابه العزيز، كذا علمنا كتابُ العالَم وتجاربه، أن هناك منطقا آخر مختلفا تحققت توقعاته على صخرة الواقع الصلبة؛ ذلكم هو قدرة المُستضعَف المَهين على العودة إلى التاريخ بإرادته وفعله وصموده مرة، وبتدخل الغيب تارة أخرى، وفي جميع الحالات لن يتأتى ذلك إلا بخلخلة موازين القوى العالمية، وإعادة تشكيل شبكة العلاقات المتحكمة في صياغة العالم، مما سينتج عنه عالم جديد، ونظام عالمي جديد".

وفي ذات الإطار قال الإعلامي المصري، عبد القادر وحيد: "ما تقوم به بعض الدول العربية اليوم من التطبيع مع دولة الاحتلال ليس كاشفا عن حقيقة تلك الدول من الداخل، بقدر ما يكشف عن حالة سياسية يتزلف فيها بعض القادة للكيان الصهيوني، انطلاقا من أن دولة المقاومة الأم ـ فلسطين ـ ضد الاحتلال تعطي مؤشرا جيدا في هذا الاتجاه، للتفرقة بين ما تكنُه الشعوب تجاه الاحتلال، وما يقوم به صاحب القرار السياسي". 

وواصل: "ففي الحين الذي تتزلف فيه السلطة الفلسطينية رضى إسرائيل، نشاهد يوميا ما يقوم به الشعب الفلسطيني بكل أطيافه، في إثبات وجوده الرافض لدولة الاحتلال، بل إن بعض الدول التي تظهر مواءمات مع دولة الاحتلال نجد تباينا في القرارات الصادرة عن بعض مؤسساتها، كما الحالة في سلطنة عمان، حيث كان القرار السياسي مفاجئا للجميع باستضافة السلطان السابق قابوس لنتنياهو، في حين كانت المؤسسة الدينية رافضة في بياناتها لما تقوم به دولة الاحتلال، ومباركة للمقاومة". 

 

                               عبد القادر وحيد.. صحفي مصري

ونبه وحيد في تصريحه لـ"عربي21" إلى أن "التطبيع مع دولة الاحتلال غالبا ما يكون سلطويا ومفاجئا، حتى أن الشعوب تتفاجأ بتلك القرارات، كما حدث في السودان والمغرب والإمارات، وهو مصادم للوعي الجمعي لتلك الشعوب، التي ما زالت ترفض كل أشكال التطبيع، وهو ما يمكن المراهنة عليه لأن الشعوب ترفض تلك السياسات وتقف ضدها". 

وشدد في ختام حديثه على أن "الذي يقطع الطريق على كل فعاليات التطبيع ونشاطاته هو الالتفاف الكامل حول مقاومة (وطنية) جامعة، بعيدا عن أي لون من ألوان أدلجة تلك المقاومة، لأن المقاومة الوطنية هي عنوان جامع وشامل لكل الاتجاهات المختلفة، ما يكسبها زخما شعبيا يوحد الجميع، ويقطع الطريق على كل توجهات التطبيع وفعالياته".