قضايا وآراء

تهنئة عربية لإسرائيل على نكبة فلسطين

1300x600
بعيداً عن اللغة العربية، التي تحنو في عبارتها على القضية الفلسطينية من خلال اجترار بيانات الإدانة الرسمية للسياسات الإسرائيلية وعدوانها على الشعب الفلسطيني وعلى مدينة القدس والمسجد الأقصى، وإسباغها بأجمل الصفات التي تؤكد الرفض الرسمي "للسلوك" الإسرائيلي، بقيت السياسات العربية منذ احتلال المدينة عام 67، وقبلها مع نكبة الفلسطينيين عام 48، تشكل بيئة تنعش العدوان ولا تردعه.

لا يمكن لعاقل أو متابع أن يتخيل أو يتوهم أن السياسات العربية القائمة بشكلها السابق والحالي واللاحق، ستكون منقذة للقضية الفلسطينية وللأرض ولضحايا المشروع الصهيوني، لأسباب يعرفها ابن الشارع العربي، وخبرها في بنية أنظمته القائمة ووظائفها. بديهيات العربي وابن الأرض وصاحبها في فلسطين، تفيد بأن القدس وجنين ونابلس وحيفا والناصرة ويافا وغزة والنقب وكل قرية وخربة؛ تكثيف لمآسي نكبته الأولى في بقية جغرافيا فلسطين الملتهمة في جوف الأسرلة والاستيطان والتهويد.

عناوين تطمس كل ما بهت في مفردات السلام المزعوم

في كل قرية ومدينة فلسطينية، ومع كل فلسطيني ينتظر داخل وطنه وشتاته أن يظفر بحرية ينتظرها منذ عقود طويلة، تأتي انهيارات متتالية لمعظم الوهم العربي والدولي والفلسطيني المُراهن على نوايا تتَجدد بصراحة الأهداف الإسرائيلية والخطط الاستيطانية والاقتحامات وتهويد القدس. وهي ليست جديدة في قاموس العدوان الإسرائيلي الضخم، بعدما حظي الإسرائيلي بصورته المشتهاة في عواصم عربية وإعلام عربي يُقدم "الصهيوني" جديراً بالثقة والتعاون والتحالف وتبادل الخبرات المختلفة من الاقتصاد والأمن إلى الزراعة والصناعة والعسكر، مع كيان قام بالتزوير والإرهاب وتلفيق الأساطير الخرافية وارتكاب المجازر بحق أصحاب الأرض الأصليين، ويقدم ضحايا إرهاب العصابات الصهيونية على أنهم "إرهابيون" لمقاومتهم مشاريع الصهينة والأسرلة والعدوان عليهم.

عناوين السياسة الإسرائيلية ومحددات المشروع الاستعماري الاستيطاني تنفذ عبر مراحل متلاحقة، وخلقت واقعا جديدا مناقضا كلياً لكل الادعاءات والتمنيات والوساطات التي تغمز من قناة "إحلال السلام" المقصود من ورائه استكانة الضحايا لقاتلهم ومغتصب أرضهم.

تعاطف منقوص

يكثف الإسرائيلي عدوانه على الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده فوق أرضه، ويشهر استعلاءه على أنظمة التصهين العربي وعلى المجتمع الدولي المنافق لغطرسته. مقابل هذه الانهيارات يقدم الفلسطينيون في القدس وكل فلسطين، نماذج متكررة من البطولة اللا متناهية للدفاع عن أرضهم وتاريخهم ومقدساتهم. هذا النموذج المؤرق للمؤسسة الصهيونية والمزعج لأنظمة التسلط العربي، يربك كل مرة وعبر تاريخ الصراع حسابات تراهن على كي الوعي للشعب الفلسطيني والعربي، ويفشل في محاصرة عزيمة أصحاب الأرض وكسر إرادتهم؛ التي أتعبتها حلاوة المفردات العربية الفاشلة في إنقاذهم ودعمهم، خصوصا بعد الوساطات العربية والدولية الحريصة على أن يقبل الفلسطينيون بالمهانة والذل والاحتلال والعدوان دون رد.

لهفة متعبرنة

التعاطف مع المقدسيين مطلوب، والوقوف مع القضية الفلسطينية ضد المشروع الاستعماري للحركة الصهيونية ودعم الفلسطينيين ومقاومتهم لسياسات الفصل العنصري الصهيوني مطلوب أيضاً، ولم تبخل به شوارع عربية تئن تحت وطأة التسلط والقمع، لكنها غير كافية لمنع توسع العدوان الآخذ بالتمدد.

عموميات التعاطف رغم أهميتها، وعلى ما سمعناه وعايشناه طيلة عقود لم تلامس المحددات التي ينتظرها الضحايا في جرأة المقصود من الدعم العربي والدولي والإنساني. وفصل العدوان على القدس وعلى كل مدينة وقرية يصمد فيها أهلها، مرتبط بكل الأرض الفلسطينية التي تقاوم إرهاب الدولة الإسرائيلي. وبالرغم من عدم فائدة المواقف الرسمية العربية تجاه قضيتها المركزية، تذهب بعض البيانات والأخبار العربية التي غيرت من سيرتها ومسيرتها بفعل التصهين والتطبيع، لتسطير رسائل الدعم للصهيوني وتهنئته بأساطيره وأعياده التلمودية القائلة والقائمة على حرق الأغيار، والاستعداد لمشاركته باحتفالية قيامه على أنقاض الشعب الفلسطيني، وتسطير رسائل التهنئة بلهفة متعبرنة لإغراء الاحتلال بقبوله بدونية غير مسبوقة.

وزير خارجية الإمارات عبد الله بن زايد يقدم نموذجا صريحا عن بعض السياسة العربية المتصهينة، في وصف مقاومة الفلسطينيين بالعمل "الإرهابي" بعد عملية إلعاد الفدائية، وبتقديم التهنئة بذكرى تأسيس دولة الاحتلال. فلا تملك أنظمة التصهين العتيدة في أبو ظبي والمنامة سوى الرضوخ للمشروع الصهيوني، وإرضاء رغبات قادته بتمزيق الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني والقفز عنها بتهنئة الجلاد على مجازره.

أخيراً، مع زيادة منسوب أخبار البطولة الفلسطينية الواردة من القدس وجنين وطولكرم والشيخ جراح والنقب ورأس العين وسلوان وغزة وداخل الخط الأخضر، عاش الكيان الصهيوني حالة ذعر وقلق شديدين نظراً للأبعاد والمعاني والدلالات الاستراتيجية الناجمة عن التطور النوعي لمقاومة المنكوبين لسياسات الفصل العنصري الصهيوني.

لهذا كله، تبقى "التهنئة العربية" لكيان الاحتلال لقيامه بفعل المجازر والتطهير العرقي، وممارسة سياسة الأبارتهيد ضد أصحاب الأرض، سمة من سمات تسطيح العقل العربي وتبسيط عملية الانهيار الرسمي العربي، لكن لن يكون بمقدورها الحيلولة دون إفراز المجتمع العربي والفلسطيني لعناصر وشروط المواجهة القائمة والقادمة، وتلك راكمها المنكوبون فوق أرضهم وفي شتاتهم، بفهم أعمق لكلفة التحرر والصمود، بعيدا عن مفردات الوهم والسلام ورغاء الكلام الذي يعبث بقضيته المقدسة.

twitter.com/nizar_sahli