كتاب عربي 21

الإرهاب الجديد.. تحولات في الظاهرة وبيئتها

1300x600

الإرهاب كظاهرة موجود منذ القدم، لكنّه إكتسب بُعداً جديداً في التسعينيات من القرن الماضي. وفي تفسير هذا البُعد، يدفع بعض المفكّرين والباحثين بنظرية مفادها أنّ انهيار الاتحاد السوفييتي لم يترك للولايات المتّحدة منافساً، في وقت كانت هي في أمسّ الحاجة فيه إلى وجود منافسين لتُبقي طاقاتها مستنفرة في مواجهتهم وتُحافظ على وتيرة صعودها. ولأنّه لم يكن هناك قوى يمكن أن تُصنّف أنّها تهديد للولايات المتّحدة الأمريكية في ذلك الوقت، فقد تمّ الدفع بالإرهاب إلى الواجهة ليحلّ محلّ التهديد التقليدي.

وسرعان ما تحوّل الإرهاب ومكافحة الإرهاب إلى أجندة عالمية. ومع غياب الاتفاق على تعريف ماهيّة الإرهاب أو على الأقل طريقة التعاطي معه، تفاقمت المشكلة وتمّ توظيفها في أجندات سياسية للعديد من الدول. وطبعت ظاهرة الإرهاب عدّة خصائص، من بينها أنّه اتّسم في كونه عابرا للحدود، ويعتمد على الجماعات والمجموعات المنظّمة، ويحظى بتدريب وتسليح، ولديه قدرة على التجنيد والحصول على الأموال، كما أنّ لديه قدرة مماثلة على الترويج لأجندته. لكن لوحظ في السنوات القليلة الماضية أنّ هناك عدّة تحوّلات بدأت تظهر على الخصائص أعلاه بما يشي بإمكانية بروز اتجاهات جديدة لظاهرة الإرهاب لعل أبرزها:

أولاً، مسرح عمليات الإرهاب آخذ في التحوّل

 

خلال العقود الثلاثة الماضية، عرف الإرهاب العابر للحدود صعوداً سريعاً مستفيداً من ظاهرة العولمة والتطور التكنولوجي المتسارع ووسائل التواصل الاجتماعي والانتشار الكبير للجريمة المنظمة، لكن في السنوات القليلة الماضية، بدا أنّ هناك تحوّلا يشي بصعود سريع لظاهرة الإرهاب المحلّي. لا يعني ذلك أنّ الإرهاب العابر للحدود سيختفي، لكنّ من المهم بمكان الإشارة إلى أنّ الإرهاب المحلي بدأ يحظى باهتمام أكبر من قبل الأجهزة الأمنية في الغرب بعد أن كان التركيز يتم لأسباب سياسية على الإرهاب العابر للحدود. 

 

في الإرهاب التقليدي، كان هناك درجة عالية من المركزية والتراتبية الهرمية في القيادة، أمّا في الشكل الصاعب للإرهاب، فهناك حالة من اللامركزية والإنتشار تتيح للأفراد وربما المجموعات داخل المجموعة الكبيرة التحرّك بشكل أكبر بمعزل على القيادة. ويشهد هذا النوع من الإرهاب تمكيناً أكبر للفرد الذي صبح يتمتع كذلك بمعرفة وأدوات تمكّنه من تنفيذ عمليات إرهابية كبيرة بشكل منفرد.

 



ويتناغم هذا التحوّل مع تراجع العولمة نتيجة إقفال الحدود، وتعطّل تنقّل البري والبحري والجوّي، وتعطّل نقل البشر والمال، وفرض القوانين الحمائية، وتعطّل التجارة وسلاسل التوريد العالمية، وتراجع الاستثمارات الأجنبية، وحظر تصدير المنتجات، واندلاع الحروب الاقتصادية. وقد مثّلت جائحة كورونا التي اندلعت عام 2019 نموذجاً مثالياً عن هذا التراجع. وتعدّ الولايات المتّحدة، وأوروبا، وقارة أوقيانوسيا مسرحاً لصعود الإرهاب المحلّي.

ثانياً، أيديولوجيا الإرهاب

 

بعد عمليات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتّحدة، ساد اتجاه لربط الإرهاب بالإسلام بشكل مباشر لتحقيق أجندات سياسية، والبعض تحدّث بشكل صريح عن إرهاب إسلامي في الوقت الذي كان فيه المسلمون هم الضحية الأكبر لهذا الإرهاب. اليوم، يعتمد الإرهاب المحلّي بشكل أساسي على أيديولوجيا اليمين المتطرف واليسار المتطرف. ويُغذّي هذه النزعة الأيديولوجية التي تترافق مع ارتفاع في مستوى العنصرية والإسلاموفوبيا ومعاداة اللاجئين خطاب رسمي عنصري متصاعد حول العالم، وفي أوروبا تحديداً. ومن الملاحظ في هذا الصدد، أنّ هذا النوع من الإرهابيين هو بشكل متزايد من أبناء البلدان الأصليين أو من مواليدها وليس له علاقة بحركات الهجرة والنزوع والتجنيس...الخ. بمعنى آخر، فقد تسلّل التطرف والإرهاب إليه من الداخل وليس من الخارج كما كان يُعتقد أو يُزعم.

ثالثاً، التنظيم الداخلي للجماعات الإرهابية

 

في الإرهاب التقليدي، كان هناك درجة عالية من المركزية والتراتبية الهرمية في القيادة، أمّا في الشكل الصاعب للإرهاب، فهناك حالة من اللامركزية والانتشار تتيح للأفراد وربما المجموعات داخل المجموعة الكبيرة التحرّك بشكل أكبر بمعزل على القيادة. ويشهد هذا النوع من الإرهاب تمكيناً أكبر للفرد الذي صبح يتمتع كذلك بمعرفة وأدوات تمكّنه من تنفيذ عمليات إرهابية كبيرة بشكل منفرد. 

رابعاً، أدوات وتقنيات تنفيذ العمليات الإرهابية

 

بالرغم من أنّ الأدوات التقليدية المستخدمة في العمليات الإرهابية كالبندقية والسلاح الأوتوماتيكي والقنبلة ستظل تُستخدم لوقت غير قليل بسبب إنتشارها وسهولة الحصول عليها، فإنّ الإرهابي سيكون قادراً بشكل أكبر في المستقبل على توظيف التكنولوجيا في العمليات الإرهابية. اليوم لدى بعض المجموعات الإرهابية أسراب من الطائرات المسيّرة، وصواريخ يفوق عددها ومداها ما تمتلكه بعض الدول. عدا عن ذلك، لم يعد الإرهابي مضطراً إلى التضحية بنفسه لتنفيذ عمليه، اذ يستطيع من خلال الفضاء الإلكتروني تنفيذ عمليات إرهابية تؤدي إلى خسائر في الممتلكات والأرواح وهو جالس خلف مكتب أو مستلقٍ على الأريكة.

خامساً، علاقة الإرهاب بالدول الراعية

 

على الرغم من أنّ رعاية الدول للإرهاب بشكل مباشر أو غير مباشر في سبيل تحقيق أهداف جيوبوليتيكية أو سياسية، أو لزيادة التأثير والنفوذ، ازداد مؤخراً لأسباب كثيرة، منها الحيلولة دون التعرض لخسائر بشرية، وتقليل التكلفة المادية للحروب، وتفادي التورّط المباشر في الحرب، فإنّ عودة صراع القوى الكبرى على الساحة العالمية ربما يؤدي إلى أن تصبح أجندة مكافة الإرهاب في المرتبة الثانية بحيث يحلّ الصراع بين الدول محلّها من جديد.

في نهاية المطاف، لا يمكن النظر إلى التحوّلات المشار إليها أعلاه بمعزل عن التحولات التي يشهدها النظام الدولي أيضاً من تلكؤ خطير لدور الأمم المتحدة، وتراجع في قوّة الولايات المتّحدة، وصعود الصين، وعودة أجندة تنافس القوى الكبرى، فالنظام الدولي يتغير، ولا شكّ أنّ ذلك سيترك أثره على الكثير من الظواهر المرتبطة به وبالتفاعلات الدولية، ومنها الإرهاب بطبيعة الحال.