قضايا وآراء

التطبيع لنزع كرامةٍ عربيةٍ

استبداد وتطبيع- عربي21
من سخف وبذاءة السياسة، ربط التطبيعٍ العربي مع الاحتلال الإسرائيلي، بالحرص على فلسطين، أو من أجل تحقيق سلام في المنطقة العربية يعيد الأرض المحتلة وللشعب الفلسطيني حقوقه التاريخية، ومن العبث المرذول استحضار وتكرار أوهام سياسية عربية عن مردود ورخاء العلاقة مع المحتل على المنطقة؛ بسياسة عربية اعتنقت دين التراجع أمام مشروع صهيوني استعماري واضح المعالم والأهداف، تُغدق عليه رعاية واهتماما، ثم تحالفا معه وإعجابا، بفكرة مستعمراته المُطورة على أرضٍ عربية مسروقة، بعد قتل وتهجير أصحابها على مرأى ومسمع العالم منذ 75 عام، وأصبحت عند بعض المطبعين ممراً تستوطن فيها استثمارات عربية تشد من أزر المستعمر وتثبت تزويره فوق أرض عربية.

هبوب رياح التطبيع في شبه الجزيرة العربية، ووصول غبارها إلى الرياض، ترسيخ لتطويع عربي رسمي يحاول استخدام أساليب تضليل وتزييف الوعي وحرفه عن أهدافه، واستخدامه باتجاهات تخدم مهامه ومهام المشروع الاستعماري، وبعدما دخلت المنطقة العربية عقداً جديداً من الثورات المضادة لسحق ثورات الربيع العربي، ازداد عدد المطبعين العرب.

وكشفت وحدة صف الاستبداد والقمع العربي عن حقيقة المخاطر التي تحيط بهما جراء التغييرات التي أسقطت هيبة الطغيان المهرول للتطبيع فيما بينه من جهة، وبين الاحتلال من جهة أخرى، وعلى وقع الإفراغ التدريجي الرسمي للتضامن العربي من مضمونه مع فلسطين وشعبها، بات الخطاب العربي المتصل بقضيته المركزية، دون قيمة إلزامية أو عملية للدول التي تعتبر نفسها قوة سياسية وبشرية واقتصادية وعسكرية في العالم العربي. وإذا أخذنا مصر كدولة كبرى خرجت من معادلة الصراع منذ العام 1979، وتراجع الدور السعودي، وانكفاء أدوار عربية أخرى نحو ترتيب بنيانها المتأثر بالثورات العربية ومد الجسور فيما بينها للتعاضد ومواجهة خطر التصدع الذي أصابها، فبالإمكان بلورة سياسة عربية تبقى معرضة لانتكاسات خطيرة وواسعة، مع التهميش الحاصل لقضايا عربية وللقضية الفلسطينية والأخذ بالأسباب والذرائع الصهيونية كدفة نجاة.

النموذج العربي المُطبع أو المتصهين أو العاجز عن مواجهة الواقع، قدم نتائج كارثية في علاقته مع المشروع الصهيوني الذي اتخذ هذا التطبيع ساتراً لإكمال عدوانه، وفي العواصم الظاهرة على تماسك باتخاذ القمع والاستبداد ذريعة لدعم فلسطين مفاعيل خلخلة هذا التماسك لم تنته، فما الذي تغير على جبهة المستعمر في فلسطين حتى يتزاحم العرب على أبواب التصهين؟ لا شيء، دائرة العدوان توسعت وقلّت مساحة الأرض وزاد الحصار والتضييق والتهويد اليومي، ورفعت إسرائيل من منسوب لاءاتها العنصرية وتطرفها بوجه الفلسطينيين، هذا التطرف ومواصلة العدوان يمنعان نظرياً وأخلاقياً وسياساً أي تواصل أو حديث عن سلام وتطبيع ما لم يكن هناك اعتراف بالحقوق الفلسطينية وتراجع عن الإجراءات الأحادية.

ولن نتحدث عن الرد الصهيوني على مبادرة العرب للسلام وأين انتهت، لكن بديل كل ذلك تُقدم السياسة العربية والفلسطينية طروحها المعاقة عن السلام والعلاقة مع مشروع استعماري صهيوني لا يخفي صراحته بالمضي في العدوان على أرضية توراتية صهيونية استعمارية، في المقابل ودون التفتيش عن متغيرات عربية عم عليها الغباء والخضوع والتملق لمستعمر يرسم الخرائط العربية ويؤشر عليها حدود مصالحه، ومن على منبر الأمم المتحدة في نمط السيطرة الجديد الذي يقدمه نتنياهو وائتلافه المتطرف بشطب الوجود الفلسطيني

بسياسات التطبيع والصهينة العربية، يزداد واقع الشعب الفلسطيني صعوبة، خصوصاً مع الفهم السيئ للسلطة الفلسطينية لواقعها مع فهم أكثر سوءاً لسياسات عربية بالتردد بمحاربة الصهينة التي ستُدخلها في طور جديد من عزلة قادمة، ما لم تُدرك الحاجة لتضامن عربي حقيقي شعبي وسياسي يرتقي في شكله ومضمونه عن صيغة سابقة أثبتت فشلها تحت رعاية أنظمة مستبدة وانهارت كلياً لحظة انفجار الثورات العربية، وإذا كان الادعاء بحقائق ثابتة بأن فلسطين باقية وثابتة في وجدان العرب الأحرار بعدالتها وقيمها، فذلك يفرض أنماط أخرى لمقاومة التطبيع بمسؤوليات مختلفة؛ مؤداها أن التجربة الذاتية الفلسطينية والعربية في عهد المطالبة بالسلام كانت مشوهة.

ولإحداث مراجعة عميقة وذات جدوى بكل المحاور التي تخص القضية الفلسطينية يجب توفير شيئين أساسيين؛ أن الهوية والكرامة الفلسطينية جزء من هوية وكرامة عربية، التوفير هنا ليس في الشارع العربي المحتفظ بهما، بل في سياسات عربية وفلسطينية انخرطت لنزع الكرامة عن وجودها وتاريخها بالتحالف مع مشروع استعماري لحصار وضرب المقاومين له.

twitter.com/nizar_sahli